محمد الحلبوسي زعيم السنة في العراق كما تريده إيران

أفندي بجوهر سياسي طائفي تعلم لعبة التنازلات في القيم الوطنية من أجل أن يصبح وهو في العقد الرابع من عمره "صانع ملوك".
الأحد 2021/10/17
سياسي سني يجيد لعبة المساومات

مر خبر اللقاء الذي اكتفت وكالة الأنباء الرسمية التركية "الأناضول" بنشر سطر واحد عنه مع صورة رسمية لاستقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لرئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي، سريعا. ليس لأنه لا يمتلك أهميته الإخبارية، بل لأنه جاء قبل أربعة أيام، فقط، من ضجيج الانتخابات البرلمانية العراقية، فضاعت دلالته السياسية وسط صخب التنافس، مع أنه يعبّر بامتياز عن حقيقة ما يحصل في رسم مستقبل العراق من غير أبنائه ومن قبل دول الجوار.

استقبال أردوغان للحلبوسي هو صورة طبق الأصل عن استقبال المرشد الإيراني علي خامنئي لنوري المالكي أو مقتدى الصدر أو عمار الحكيم أو هادي العامري. ذلك هو ببساطة المشهد السياسي العراقي، مع أن الكلمة الأخيرة لا تعبّر بدقة عنه إلا إذا استبدلناها بالطائفي.

إلا أن الكاتب السياسي العراقي مصطفى سالم وصف لقاء أردوغان مع الحلبوسي بأنه لم يكن ذكيّا، فلا هو يعبّر عن وجود النفوذ التركي فعلا في العراق، ولا هو يصنع مرجعية سياسية للسنة.

وقال سالم في تصريح لـ "العرب" إن "هذا اللقاء في أنقرة لا يغطي على استحواذ إيران على المشهد العراقي برمّته باستثناء كردستان، فالحلبوسي ومثله خميس الخنجر مرتبطان بقوة بطهران بوصفها اللاعب الأهم في ما يحدث في العراق"، مؤكدا على أن الحلبوسي والخنجر يمثلان زعامة للشارع السني كما تريده إيران وليس كما يحب أن يكونا عليه.

ومع ذلك يمكن أن يعبّر لقاء أردوغان والحلبوسي عن اللاتغيير، وعن دور دول الجوار في الدورة السياسية المستمرة في الدوران على نفسها في العراق.

ثم ما سيقوم به رئيس البرلمان العراقي سواء بعلاقة المصالح المتواطئة على الفساد مع الأحزاب الشيعية المرتبطة بإيران أو بعلاقته مع تركيا الطامحة إلى دور أكبر في العراق تنافس فيه الدور الإيراني الطاغي.

عقلية عشائرية

الحلبوسي يمثل زعامة للشارع السني كما تريده إيران وليس كما يحب أن يكون عليه
الحلبوسي يمثل زعامة للشارع السني كما تريده إيران وليس كما يحب أن يكون عليه

نسبة المقاعد، المرتفعة نوعا ما، التي حقّقها تحالف "تقدّم" برئاسة الحلبوسي في الانتخابات البرلمانية لا تمكن قراءتها إلا بنفس المنظار السياسي الذي يقرأ به حصول تحالف المالكي على عدد مقاعد مقارب. فالتحالفان، بغض النظر عن طبيعة العلاقة بينهما، يمثل كلٌّ منهما للآخر المعادل الطائفي. وحتى لو أغدقنا عليهما ما يعادل الأموال الانتخابية التي أنفقها الحلبوسي والمالكي لجلب الأصوات فلن يمتلكا أدنى درجات الوطنية العراقية، لسبب في غاية البساطة يعود إلى ما كانت تتقدم به في كل خطابهما السياسي مفردتا "سني و شيعي" على عراقي.

مهما يكن من أمر، فقد نجح رئيس البرلمان والسياسي الصاعد ابن الـ40 عاما بتحقيق نتائج مع نحو أربعين مقعدا، ما قد يجعل منه القوة الثانية في البرلمان. وهو كما يبدو يمتلك سعادة مضاعفة بهذا الفوز تتقدم فيها غبطته بهزيمة غريمه الخنجر الذي جمع تحالفه "عزم" أقل من نصف مقاعد "تقدّم"، وذلك وفقا لطبيعة العقلية العشائرية التي تستحوذ على تفكير الحلبوسي. ففوز تحالفه يمثل بالضرورة هزيمة شخصية للخنجر.

عندما يطالب ضيوف الأب ريكان الحلبوسي دائمو التردد على قصره الفخم في الأنبار، بكبح جماح ولده محمد وإعادته إلى جادة الصواب الوطني وعدم الانقياد إلى أحزاب إيران في العراق، تأتي المفاجأة برد صار يتكرر في مجلس الشيخ ريكان “ليس للوالد أيّ سلطة على ولده”

من السهل بمكان التوصل إلى هذه النتيجة بمجرد العودة إلى رسائل الشتائم المتبادلة بين الرجلين المتحدّرين معا من نفس محافظة الأنبار. وقد كشفت تلك الرسائل التي سبقت الانتخابات أن القيم السياسية ومفاهيم المعارضة والسلطة مجرد لغو فارغ في العراق اليوم عندما تتقدم عليها الضغائن الشخصية والكراهية والتقاتل الشرس على المكاسب.

كتب الحلبوسي في رسالته إلى الخنجر "حاولت أن أصدقك أكثر من مرة وأغضّ النظر عن نباح كلابك ومغامراتك بأهلنا لعلّ وعسى ينصلح حالك". فردّ الخنجر على رسالة الحلبوسي بالقول "لستُ بحجمك ووزنك حتى أستخدم نفس الألفاظ، لكني أعدك أنني سأبقى مدافعا عن حقوق أهلي التي ضيّعتَها خوفا على منصبك الذي أورثك ذلا يسمح لك بالتطاول على شركائك في المكوّن فقط! بينما لم نسمع لك إلا الخنوع والتصفيق أمام الآخرين".

وعاد الحلبوسي وخاطب الخنجر بالقول "قررت ولستُ مترددا أن أتصدى لك ولمؤامراتك الرخيصة، ولن أسمح لك ببيع ما لا تملك، وتأكد بأنك لو ملكت مال قارون ستبقى تابعا ذليلا صغيرا، وسأعيدك بإذن الله إلى حجمك الذي تستحقه".

فطالب الخنجر في رده على الحلبوسي بتذكر فضله عليه قائلا "أنا الذي أوصلك إلى مكانك الزائل، وأنا بقوة الله من سيعيدك إلى حجمك الصغير".

تأمّلْ! لا يوجد بينهما من يدافع عن قيمة وطنية وعراقية، الحديث في كل ما تضمنته الرسائل عن المكون والأهل والعشيرة وليس عن العراق والوطن والعراقيين، ذلك ما تقوده طريقة التفكير التي تعبّر عن حقيقة العلاقات بين السياسيين العراقيين بمن فيهم رجال الدين بقطع النظر عن طوائفهم ومواقعهم.

الحلبوسي ليس طائفيا!

لعبة التنازلات التي يسمّيها "المساومات" تعلّمها الحلبوسي ليصبح وهو في عقده الرابع "صانع ملوك"
لعبة التنازلات التي يسمّيها "المساومات" تعلّمها الحلبوسي ليصبح وهو في عقده الرابع "صانع ملوك"

رد زميل صحافي مقرّب من الحلبوسي على مقال سابق لي نشر في "العرب" ركزتُ فيه على التمثيل الطائفي المتقدم على أي اعتبار وطني في كل ما يحدث في المنطقة الخضراء، بفيديو من إحدى جلسات مجلس النواب يسعى فيه لإثبات أن الحلبوسي ليس طائفيا.

يرفض الحلبوسي في الفيديو استخدام كلمتي "سني" و"شيعي" في نص قرار موضع جدل بين أعضاء المجلس، متذرعا بأن هاتين الكلمتين لم تستخدما أبدا في تاريخ الدولة العراقية، ولذلك لن يسمح بهما.

كلام الحلبوسي هذا جزء من الكوميديا الرثة واستغفال العقول عمّا يحدث في العراق المبني منذ عام 2003 على تقسيم طائفي يوضع فوق أيّ اعتبار وطني. أما زميلي الصحافي الذي يدافع عن عدم طائفية الحلبوسي فيتجاهل عن عمد أنه لم يوضع في منصبه هذا لكونه عراقيا، بل لأنه سنّي تماما مثلما وضع الكردي برهم صالح في رئاسة الجمهورية والشيعي مصطفى الكاظمي في رئاسة الوزراء.

من السهولة تفنيد فكرة أن الحلبوسي ليس جزءا من منظومة طائفية حاكمة في العراق، بالنظر إلى أن مبنى الوقف الشيعي الذي لا يبتعد كثيرا عن بناية البرلمان الذي يجلس على أعلى كرسي فيه، مثل مبنى الوقف السني. بينما وزارة الأوقاف الجامعة مُحيت تماما من التاريخ السياسي اللاطائفي الذي يتحدث عنه الحلبوسي.

تجربة الحلبوسي المرتبطة بعمره تساعدنا على فهم أنه يصعب عليه استلهام القيم التاريخية في الوطنية العراقية، خصوصا تلك التي لم يعشها وذلك ليس ذنبه في كل الأحوال، فالرجل كان عمره سبعة أعوام عندما انتهت الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، فلم يعش بوعي ذلك التاريخ الفاصل في تاريخ بلاده إلا بما يقرأه ويروى له، وهو في كل الأحوال لا يكفي. وهذا يفسّر لنا علاقة تبادل المنفعة للحلبوسي مع الأحزاب الشيعية المدعومة من إيران.

مصطفى كامل: التكتلات السنية نتاج المشروع السياسي الأميركي - الإيراني في العراق

كما أن تعامله مع القوات الأميركية عند احتلال العراق كمترجم في أول الأمر، ثم كمهندس مقاول في مشاريع بمحافظة الأنبار، مثلت تنازلا مريعا في القيم الوطنية، فيما بلده كان ينهار أمام عينيه تحت سرفات دبابات المحتل.

الشيخ ريكان الحلبوسي الذي سبق له وأن عمل مديرا عاما في ديوان الرئاسة في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، كان له الأثر الكبير في تشكيل شخصية ولده محمد وفي إعداده نفسيا وسياسيا لدخول المعترك الأصعب والمنافسة في الوسط السياسي السني أولا، ثم الارتقاء إلى مرحلة أعلى لاحقا.

لكن اليوم عندما يطالب ضيوف الأب دائمو التردّد على قصره الفخم في الأنبار بكبح جماح ولده وإعادته إلى جادة الصواب الوطني وعدم الانقياد إلى أحزاب إيران في العراق، تأتي المفاجأة برد صار يتكرّر في مجلس الشيخ ريكان "ليس للوالد أيّ سلطة على ولده".

بينما يقابل ذلك أن الحلبوسي الابن الذي كان يكنّى بأبي ريكان على اسم ولده البكر الذي سمّي على اسم جده، صار يكنى اليوم بأبي يوسف. هكذا تعلّم الحلبوسي لعبة التنازلات التي يسمّيها المساومات من أجل أن يصبح وهو في العقد الرابع من عمره "صانع ملوك".

واليوم إذ يندفع في التحالفات التي تنفذ أجندة إيران في العراق، فهو يستمر في نفس التنازلات التي قدّمها منذ تقلده منصب محافظ الأنبار عام 2014 ثم عضوا في البرلمان العراقي إلا أن تم اختياره، بدعم من الأحزاب الشيعية الموالية لإيران، رئيسا للبرلمان في الدورة السابقة 2018 كمفاجأة فُضّل فيها على منافسه رئيس البرلمان الأسبق أسامة النجيفي ووزير الدفاع الأسبق خالد العبيدي. وقد كشفت تلك المفاجأة عن طموحه السياسي في تمثيل السنة وفي التقسيم الطائفي القائم.

واعتبر المحلل السياسي مصطفى كامل التكتلات السنية، بصرف النظر عن مسمياتها، نتاج المشروع السياسي الأميركي - الإيراني في العراق القاضي بتقسيم العراق إلى مكونات طائفية وعرقية.

وأكد كامل في تصريح لـ"العرب" أن الكتل والتحالفات لا يوجد لديها ما يمكن أن تقدمه على الصعيد الوطني، إذ أنها حصرت نفسها منذ مجلس الحكم بعد عام 2003 في الإطار الطائفي وفي مناطق محددة بعينها.

في النهاية، الحلبوسي الذي لا يخفي البعض من العراقيين إعجابهم بأناقته كأفندي وسط رجال الدين السنة والشيعة، مع أنه ليس مثل المالكي الذي تعلّم شد ربطة العنق في وقت متأخر من دخوله المنطقة الخضراء، لا يمثل النموذج الوطني الذي تنتظره البلاد، سواء أراد ذلك أم عجز عن الوصول إليه، لأنه خاضع لتقسيم طائفي لا يمكن العبور عليه وفق اتفاقات المنطقة الخضراء المبرمة بين السياسيين الفاسدين. وسيبقى الحلبوسي السني وليس العراقي، في منصبه كرئيس للبرلمان المتوقع التجديد له في الدورة الجديدة.

كما ستكشف لنا عمليات التواطؤ بينه وبين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أن ما ينتظر العراق خلطة طائفية مستمرّة، آخر شيء فيها قيم الوطنية العراقية التي تم التخلي عنها منذ أن صار العراقي يعّرف نفسه بطائفته.

8