محافظة النحل في العراق بلا عسل

نحالو محافظة ديالى يئسوا من إحياء نشاطهم وتجاوز العقبات والخسائر الفادحة التي مني إنتاج العسل.
الخميس 2020/02/27
عسلنا غذاء ودواء

لم يبق أمام النحالين في محافظة ديالى التي اشتهرت بإنتاج أجود أنواع العسل سوى الهجرة أو تغيير نشاطهم بعد أن دمر المتطرفون مناحلهم، وزادت العوامل البيئية والتلوث من صعوبة العودة إلى نشاطهم دون مساعدات ودعم حكومي خاصة بعد أن بلغ الإنتاج أدنى مستوياته في السنوات الأخيرة.

بغداد - قطع معظم مربي النحل أملهم في إنتاج العسل  في محافظة ديالى شرقي العراق بعد التراجع الكبير في نسبة إنتاج العسل خلال عام 2019 والذي وصل فيه إلى أدنى مستوياته لأسباب عديدة جراء الخسائر الفادحة التي تعرض لها النحالون.

وقال رئيس اللجنة الزراعية في مجلس ديالى، حقي الجبوري، إن “ديالى كانت تتميز بأنها إحدى النوافذ المهمة لإنتاج العسل على مستوى العراق بسبب كثرة المناحل في البساتين الزراعية والتي تنتج أنواعا مختلفة من العسل الطبيعي”.

وأضاف أن “ديالى فقدت 70 في المئة من مناحلها بعد 2014 وانخفض الإنتاج إلى مستويات كبيرة جدا لأسباب أبرزها الاضطرابات الأمنية منذ دخول الدواعش، والجفاف والأمراض والأوبئة التي برزت بسبب تلوث الأجواء”.

يقول خليل الجبوري، صاحب منحلة، لوكالة الأنباء الصينية “شينخوا”، “إن المرحلة التي يمر بها أصحاب مناحل العسل تعد أسوء مرحلة..”، ويشير بحسرة وهو يقف على أطراف بستان صغير بالقرب من بلدة المقدادية ( 45 كم) شمال شرق مدينة بعقوبة، مركز محافظة ديالى شرقي العراق، إلى ما تبقى من منحلته الكبيرة.

ويضيف أن هذه “المنحلة كانت تضم في السابق أكثر من 150 خلية نحل، ولم يتبق منها اليوم سوى 20 خلية”.

إنتاج العسل في ديالى لم يتجاوز حاجز الـ100 طن في 2019 وهو أقل مما كان ينتج قبل 2014 والذي وصل إلى 500 طن سنويا

وأوضح أنه في ربيع عام 2014 قام بنقل منحلته إلى أرياف مدينة الموصل شمالي العراق، حيث تنتشر أنواع الزهور الربيعية التي يحتاجها النحل للتغذية وإنتاج العسل الجيد، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ استولى مسلحو تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية (داعش) على المدينة والمناطق المحيطة بها بعد نحو شهرين من نقل المنحلة وتحديدا في شهر يونيو من ذلك العام.

وتابع الجبوري قائلا إنه “نتيجة لظروف الفوضى التي سادت البلاد بعد سيطرة داعش على الموصل ومحيطها لم أتمكن من الوصول إلى المنحلة للقيام بأعمال الفحص الدوري وإعطاء العلاجات اللازمة ومتابعة التغذية، الأمر الذي أدى إلى فقدان أكثر من 50 في المئة من المنحلة وإصابة ما تبقى من خلايا النحل بأمراض مختلفة”.

وتعتبر المقدادية بلدة النحل في محافظة ديالى، لكنها فقدت الآن كل مناحلها تقريبا، بحسب رئيس اللجنة الزراعية الذي بيّن أن “هناك محاولات متواضعة لإحياء تربية النحل وإنتاج العسل، لكن الأمر بحاجة إلى دعم حكومي حقيقي”.

وتمكن الجبوري بمساعدة بعض الأصدقاء من إعادة ما تبقى من منحلته إلى بلدة المقدادية، لافتا إلى أن الظروف أيضا لم تكن مناسبة حيث سيطر التنظيم المتطرف على المقدادية والمناطق المجاورة لها، مما تسبب في هلاك المزيد من خلايا النحل ولم تتبق منها سوى 20 خلية بسبب الإهمال وانتشار الحرائق نتيجة المعارك مع التنظيم.

وأقر علوان المياحي، رئيس الجمعية النموذجية للنحالين في ديالى، بأن “عام 2019 هو الأدنى في إنتاج العسل في المحافظة بشكل عام”، مبينا أن “الإنتاج لم يتجاوز حاجز الـ100 طن وهو أقل مما كان ينتج قبل 2014 والذي وصل إلى 500 طن سنويا”.

عودة بطيئة للنحل
عودة بطيئة للنحل

وتعد الجمعية النموذجية التي تأسست في سبعينات القرن الماضي أكبر الجمعيات المتخصصة في تربية النحل ورعايته في محافظة ديالى، وتضم في عضويتها المئات من النحالين من عموم المحافظة.

وأوضح المياحي أن هناك “عوامل متعددة تقف وراء الانهيار الكبير في إنتاج العسل، أبرزها تداعيات أحداث يونيو 2014، بالإضافة إلى قلة المساحات الخضراء وتبعات الحرائق التي سجلت العام الماضي أرقاما مرعبة خاصة في الأرياف، إذ سجلت المحافظة أكثر من ألفي حريق التهمت مساحات واسعة من البساتين والأراضي الزراعية، وهذا الأمر انعكس سلبا على تربية النحل، ناهيك عن تفشي العديد من الأمراض التي فتكت بالمناحل في ظل انعدام الدعم المقدم من قبل الحكومة لأصحاب المناحل”.

وأكد مهند الشمري، صاحب منحلة، أن “ديالى تنتج أنواعا متعددة من العسل وهو الأجود قياسا بمحافظات كثيرة، لكن تربية النحل تمر بتحديات حقيقية على الأرض، خاصة وأنه لم يجر دعم ملف إحياء المناحل المتضررة رغم أنها تمثل قطاعا اقتصاديا كبيرا يمول المئات من الأسر ويمثل مصدر رزقها الرئيسي”.

وأضاف أن “إنتاج العسل يواجه مشكلة أخرى تتمثل في تدفق العسل المستورد وبأسعار زهيدة جدا بدأت تؤثر على العسل الطبيعي العراقي الذي يمتاز بالجودة العالية، إذ أن فرق الأسعار يمثل تحديا كبيرا للنحالين ومنتجي العسل”.

ولفت الشمري إلى أنه “للأسف لا يوجد تسويق متطور للعسل العراقي رغم جودته قياسا بالمستورد”، مبينا أن “مهنة النحال تمر بتعقيدات كبيرة رغم أنها يمكن أن تتحول إلى مصدر اقتصادي كبير”.

ديالى فقدت 70 في المئة من مناحلها بعد 2014
ديالى فقدت 70 في المئة من مناحلها بعد 2014

وأكد أن أهم أنواع العسل في ديالى، هي عسل القداح (زهور البرتقال) وهو الأكثر رواجا، والكالبتوز الأسود والأبيض والبرسيم والشوكيات وزهرة عباد الشمس والسدر، مبينا أن أسعاره تتراوح ما بين 25  و30 ألف دينار للكيلوغرام الواحد.

وأوضح المهندس الزراعي علاء حسن الخيلاني، أن “أكبر التحديات التي يواجهها أصحاب المناحل في ديالى، هي انتشار الأوبئة والأمراض التي تصيب خلايا النحل وعدم وجود دعم حكومي للنحالين سواء بتوفير الأدوية واللقاحات أو بالدعم المادي لهم، وكذلك الاستيراد غير المبرمج للعسل الذي يباع بأسعار منخفضة، مقارنة بالعسل المحلي الطبيعي ذي الجودة العالية، فضلا عن بروز ظاهرة الغش التي يمارسها البعض، وهو ما يسبب أضرارا بالغة يدفع ثمنها النحالون”.

وتأثر تجار العسل في المحافظة بضعف الإنتاج واستيراد العسل الأقل جودة والأقل سعرا، يقول أبوصباح الطائي، صاحب متجر كبير لبيع مختلف أنواع العسل الطبيعي في بعقوبة، إن “الأسواق أصبحت اليوم تعج بأنواع العسل المستورد بأسعاره المنخفضة، وهذا الأمر انعكس على مبيعات العسل الطبيعي العراقي الذي يمتاز بجودته العالية وارتفاع أسعاره”، مبينا أن ثمن الكيلوغرام الواحد من العسل العراقي يبلغ 25 دولارا ، فيما يتم بيع بعض أنواع العسل المستورد ما بين 10 و15 دولارا.

وأشار الطائي إلى أن “صناعة العسل في ديالى يمكن أن تنهض من خلال إيقاف الاستيراد بشكل كامل ودعم المناحل ومساعدتها على إعادة حيويتها، ويمكن تحقيق الاكتفاء الذاتي خلال سنتين إلى ثلاث سنوات”.

20