مجيد طوبيا.. ابن الصمت الذي صنع من الكتابة عالماً ممتعاً

الكاتب مجيد طوبيا ابن من أبناء الصمت، لم ينافق أو يدلس أو يتاجر بفنه، وبقي قابضا على جمر الجمال، مستجمعا شجاعة البوح، ملتحفا بقيم التحضر والرقي الإنساني.
الثلاثاء 2020/04/07
موسيقار السرد المصري يقاوم العزلة والنسيان

هو كاتب السينما وسينمائي الكتابة الذي حلّق في سماوات الرواية مجربا ومجددا، وصاغ أوجاع الناس فنا وجمالا، ورسم بالتاريخ والتراث حكايات سرد خالدة، وولى منعزلا خارج مدارات الصخب، بعيدا عن دوائر الضوء، مختارا الوحدة مأوى وصديقا أبديا.

في الدورة الثامنة والستين لمهرجان المركز الكاثوليكي للسينما بالقاهرة في 29 فبراير الماضي، أطل مجيد طوبيا بعد غياب لسنوات طويلة، لم يره خلالها جمهور الثقافة، ولم يلحظ احتجابه أهل الفن والكتابة.

أطل ليتم تكريمه باعتباره سيناريست رائدا ساهم في تطوير صناعة السينما بتقديم نصوص ناضجة معبرة، كان من بينها فيلم “أبناء الصمت” عام 1974 من إخراج محمد راضي، وبطولة نور الشريف، محمود مرسي، ميرفت أمين، أحمد زكي، والذي اعتبر من أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما العربية.

 لم يصدق الرجل التسعيني الاحتفاء الصاخب به فور الإعلان عن اسمه، إذ وقف بصعوبة على ساقين متعبتين، ولم يتمكن من صعود درجات المسرح فهبط إليه سفير الفاتيكان، ورئيس المهرجان ليكرماه في مكانه، فغمرته البهجة فرحا بتذكر الناس له وامتنانهم لما قدم من إبداع متميز، فما زال قادرا على التأثير في المشاهدين.

كان منتبها لما يحدث حوله، واعيا بالمهرجان والجمهور ومتجاوبا مع تصفيقه، لينفي حكايات عديدة بثها البعض عن غرقه في لجاج الزهايمر، بعد عزلة طويلة اختارها لنفسه بحكم الشيخوخة واعتزال العمل، قائلا “حصلت على جوائز عديدة، غير أن تكريم هذا المهرجان يسعدني أكثر لأن ذلك يعني أن الناس لا زالت تتذكرني”.

تدهور صناعة السينما

موقف طوبيا من الدين يبدو مجبولا بالتسامح، فهو لا يشعر بغربة لانتمائه إلى المسيحية وسط أغلبية مسلمة، وظل طوال حياته يحترم خصوصيات الناس، ويعتقد أن الأديان السماوية قدمت قيما عظيمة، وحثت على مكارم الأخلاق
موقف طوبيا من الدين يبدو مجبولا بالتسامح، فهو لا يشعر بغربة لانتمائه إلى المسيحية وسط أغلبية مسلمة، وظل طوال حياته يحترم خصوصيات الناس، ويعتقد أن الأديان السماوية قدمت قيما عظيمة، وحثت على مكارم الأخلاق

لاشك أن التدهور البادي على صناعة السينما في مصر، يدفع محبي الفن إلى تذكر الرواد العظام وأعمالهم الخالدة، ولاشك أن “أبناء الصمت” كان أحد تلك الأعمال، إذ ناقش قضية الصراع العربي الإسرائيلي من منظور اجتماعي يكشف تناقضات جمة في المجتمع الذي يجمع بين الأبطال الحقيقيين وأصحاب البطولات الزائفة، فكان الصمت اختيار النبلاء الذين قاتلوا واستشهدوا في سبيل الوطن، بينما كان الصخب، التضخم، اللمعان، سمات الانتهازيين الكثر الذين انتشروا في كل مكان.

تلك الرؤية تبقى حاضرة في نفس المبدع، فالرجل اعتزل الحياة العامة منذ حوالي عشر سنوات، ولم يظهر في لقاء أدبي أو ثقافي، ولم يقدم عملا سينمائيا جديدا، لم يطل عبر برنامج تلفزيوني، لم يغادر عزلته سوى إلى مقهى مجاور لمنزله بصحبة أحد تلاميذه المخلصين وهو الروائي فتحي سليمان الذي يقطن بالقرب منه في حي مصر الجديدة، ويمر عليه بين الفينة والفينة ليساعده أو يأنس به.

كشف سليمان جانبا من حياة الرجل الذي يسميه “الجميل”، فيقول لـ”العرب”، إنه يشعر برضا شديد، ولا يكترث كثيرا لما يحدث خارج منزله، ولا يوصيه سوى بإهداء الطبعة الجديدة من روايته “تغريبة بني حتحوت” إلى محبي القراءة.

يبدو الصمت لصيقا بالرجل الذي قال إنه سيموت وهو يقرأ، ربما لأن في تصوره أكثر بلاغة من أي كلام في ظل تبدل المجتمع، وتدهور سلوكيات الناس، واتساع مجالات التطرف والتعصب، وتسليع الفن، وخفوت صوت الأدب، وتضاؤل تأثيره.

الانخراط في السياسة شأن يرفضه طوبيا، رغم أن كتاباته الروائية تعج برفض القهر السياسي والنفاق والتزلف لأصحاب السطوة والقرار. مع أنه يقول "أنا ممن يرون مصر دوما قادرة على التحدي وتحويل الهزيمة إلى نصر. كنت أرى الشعب مفعما بالأمل والصبر، ولا يعرف المستحيل"

مجيد طوبيا ابن من أبناء الصمت، لم ينافق أو يدلس أو يتاجر بفنه، وبقي قابضا على جمر الجمال، مستجمعا شجاعة البوح، ملتحفا بقيم التحضر والرقي الإنساني.

ولد في محافظة المنيا في جنوب القاهرة، في أسرة متوسطة نصف متعلمة في العام 1938 وتخرج في كلية المعلمين ليعمل مدرسا للرياضيات، لكن موهبته في كتابة القصص ومحبته الطاغية للسينما دفعته للالتحاق بمعهد السينما، وهناك درس الإخراج وحصل على دبلوما فيه عام 1972. لذلك يقول في إحدى حواراته “السينما بالنسبة لي حالة حب، بينما كانت كتابة القصص هي حياتي الحقيقية”.

في الستينات من القرن الماضي، حيث تمدد الحلم وانكساره، وسيادة القهر وارتباط البطولة بالاستبداد السياسي، أطل الرجل على المجتمع الأدبي بثلاث مجموعات قصصية لفتت الأنظار هي “فوستوك يصل إلى القمر”، “خمس جرائد لم تقرأ”، و”الأيام التالية” ثم جاءت روايته الأولى “دوائر عدم الإمكان” لتقدم نوعا جديدا من التجريب والسرد المختلف.

بخطى متزامنة ظهر طوبيا كواحد من أدباء قلائل مزجوا بين الأدب والسينما، إذ جاءت أولى تجاربه في كتابة السيناريو عام 1969 في فيلم “حكايات من بلدنا” بطولة شكري سرحان، وناهد جبر، عبدالله غيث، مأخوذة من إحدى قصصه، كما كتب سيناريو لمسلسل “قضية صقر” من قصة نعيم عطية وعرض عام 1972، قبل أن يقدم فيلم “أبناء الصمت” عن رواية له حملت العنوان نفسه.

صانع النجوم

أعمال طوبيا تمزج ما بين الأدب والسينما، منذ أن قدم أولى تجاربه في كتابة السيناريو في فيلم "حكايات من بلدن" المأخوذ عن إحدى قصصه، قبل أن يُعرض فيلمه "أبناء الصمت" من بطولة أحمد زكي ونور الشريف
أعمال طوبيا تمزج ما بين الأدب والسينما، منذ أن قدم أولى تجاربه في كتابة السيناريو في فيلم "حكايات من بلدن" المأخوذ عن إحدى قصصه، قبل أن يُعرض فيلمه "أبناء الصمت" من بطولة أحمد زكي ونور الشريف

توالت إبداعات طوبيا في مجالي السينما والأدب فقدم أفلام “صانع النجوم” من إخراج محمد راضي، بطولة محمود ياسين، وسهير رمزي وسعيد صالح، وفيلم “قفص الحريم” بطولة شريهان ووائل نور.

في نهاية الثمانينات من القرن الماضي بدأ كتابة روايته الملحمية “تغريبة بني حتحوت” التي صدرت في نحو ألف صفحة وتناولت تاريخ مصر خلال مئة عام منذ عصر المماليك، مرورا بالحملة الفرنسية، ومحمد علي، وحتى بدء الاحتلال البريطاني لمصر، وقد اعتبرها النقاد من أفضل مئة رواية عربية.

وقال هو عنها في إحدى حوارته الصحافية، “لعبت فى هذه الرواية دور المؤرخ. لقد كنت أنتوي التأريخ بها، ومن حسن حظي أنها ظهرت فى شكل رواية بها جماليات عدة أحبها النقاد والناس”.

وقتها اختلط الرجل بقامات جيله، تعرف على نجيب محفوظ، وفُتن بتوفيق الحكيم، وأحب يحيى حقي، وجمعته صداقة طويلة بالأديب جمال الغيطاني، كذلك جمعته علاقة وطيدة بالفنانين نور الشريف، أحمد زكي، سعيد صالح، الذين كانوا يعتبرون منزله مسكنا لهم عندما واجهوا محنا وصعوبات في بداية مشوارهم الفني.

كتب طوبيا رواية طويلة بعنوان “الهؤلاء” حاول فيها مواجهة القهر السياسي واستبداد السلطة وتعرية النفاق والتطبيل وتزييف العقول، وفضح “الهؤلاء” الذين يملأون حياتنا، ويبدلون الأقنعة ويترصدون الجميع ويدونون التقارير السرية ويتجسسون على أقاربهم وذويهم وأصدقائهم، واعتبرهم آفة كل مجتمع مقهور محكوم بالبطش والاستبداد.

روايته الملحمية "تغريبة بني حتحوت" تتناول في نحو ألف صفحة تاريخ مصر خلال مئة عام منذ عصر المماليك، مرورا بالحملة الفرنسية، ومحمد علي، وحتى بدء الاحتلال البريطاني لمصر، وقد اعتبرها النقاد واحدة من بين أفضل مئة رواية عربية

كانت لرواياته التالية أصداء عديدة في الأوساط الأدبية خاصة روايات “عذراء الغروب”، “القمر يولد على الأرض”، و”مؤامرات الحريم”. وقدم للأطفال قصتين هما “مغامرات عجيبة”، و”كشك الموسيقى”، فضلا عن مسرحية بعنوان “بنك الضحك الدولي”، ونال الرجل جائزة الدولة التشجيعية عام 1979، ثم حصل في عام 2014 على جائزة الدولة التقديرية.

رغم تأسيسه والمخرج محمد راضي شركة لإنتاج الأفلام السينمائية، إلا أن شخصية المبدع غلبته، فرفض تحويل الفن إلى عمل يستهدف الربح فقط، مفضلا القيم الفنية على موجة السينما التجارية التي اتسعت وتيرتها خلال الثمانينات، ما أدى بعد ذلك إلى توقف مشروعه نتيجة ضعف الأرباح.

لم يشعر بالندم بل كان سعيدا بمهنته الأساسية كحكاء مثير، يؤلف القصص ويسردها، مرددا أن رغبة الإنسان فى سماع الحكايات وتأليفها قديمة جدا،‏ وكانت وراء ظهور أسطورة إيزيس وأوزوريس،‏ تعبيرا عن الصراع بين الخير والشر،‏ ووراء إبداع السير الشعبية التى مزجت التاريخ بأحلام الناس،‏ ولولا ابتكار الكتابة لما وصلت إلينا هذه الأعمال. ويقول عن ذلك “إن الجمال قد يسبب الشقاء لأصحابه ويحتاج دوما إلى سياج يحميه، والسياج ليس فقط المال بل هو العقل الذي هو زينة الجمال”.

ظل تحت دائرة الضوء سنوات طويلة باعتباره أحد رموز جيل الستينات، ذلك الجيل المعروف بالرغبة الدائمة في التجديد والتجريب، غير أنه انسحب تدريجيا من الحياة العامة، ولم يعد يكتب قصصا ولم يقدم أفلاما أو مسلسلات، وآثر الوحدة واعتزل الحياة العامة بعد أن أوصى أن تؤول كافة ممتلكاته إلى مؤسسة مجدي يعقوب لعلاج مرضى القلب.

رفض التعصب الديني

تاريخ مصر خلال مئة عام منذ عصر المماليك
تاريخ مصر خلال مئة عام منذ عصر المماليك

لقد سكنته الوحدة وسكنها بعد تجربة حب فاشلة لم يقدر لها الاستمرار، إذ عاش نصف عمره عازفا عن الزواج إلى أن التقى بالمترجمة الإيطالية كونشيتا برازي التي ترجمت له “تغريبة بني حتحوت” وهام بها، وسافر معها إلى إيطاليا لكن لم تدم قصة الحب طويلا وسرعان ما انفصلا، فعاد مقررا استمرار حياة العزوبية حتى النهاية.  ومع تلك الوجيعة نراه راضيا، إذ يقول “الزمان هو رحلة جميلة مدفوعة الثمن، كاملة الامتيازات فى مزرعة خضراء مساحتها 24 قيراطا، منها قيراطان حظ وقيراطان صحة ومثلهم أولاد ورفيقة درب مُحبة، وكل من شارك فى هذه الرحلة رجع منها سعيدا ومقتنعا بعدل التقسيمة”.

رفض الانخراط في السياسة، رغم أن كتاباته الروائية تعج برفض القهر السياسي والنفاق والتزلف لأصحاب السطوة والقرار، ويقول في ذلك “لم يكن لي أية أيديولوجيا، لكنني كنت ممن يرون مصر دوما قادرة على التحدي وتحويل الهزيمة إلى نصر. كنت أرى الشعب مفعما بالأمل والصبر، ولا يعرف المستحيل وهذا ما عبرت عنه في أبناء الصمت”.

 أما موقف الرجل من الدين فبدا مجبولا على التسامح، فهو لا يشعر بغربة لانتمائه إلى المسيحية وسط أغلبية مسلمة، وظل طوال حياته يحترم خصوصيات الناس، ويعتقد أن الأديان السماوية قدمت قيما عظيمة، وحثت على مكارم الأخلاق. ومن كتاباته الأدبية يفوح رفض قاطع لبعض لمحات التعصب الطائفي الذي يعتبره غريبا على المصريين عموما، لأنهم تشاركوا الأوجاع والهموم قرونا من الزمان.

يبقى طوبيا علامة مضيئة من علامات الإبداع يهتدي بها تلاميذه ومحبوه من مختلف الأجيال حيث يقول الروائي فتحي سليمان لـ”العرب”، إنه صاحب مدرسة فنية رائعة مزجت بين التراث الشعبي، والفن في لغة سحرية رائقة، وتمثل نصوصا خالدة قادرة على الإدهاش في كل عصر. ويؤكد الناقد مصطفى بيومي لـ”العرب”، أن طوبيا يعبر عن ذات متمردة قادرة على التميز والاختلاف عن المألوف في الكتابة، ويجيد إبهار القارئ بأشكال مختلفة غير نمطية كانت دوما سابقة لعصرها.

يبدو مجيد طوبيا من المبدعين القلائل الذين استطاعوا الإفلات من هيمنة الأديب الراحل يوسف إدريس على القصة القصيرة، والمزاوجة بين الواقع والخيال في تناغم رائع، ولذلك يتذكره دوما القراء، لأنه صاحب خصوصية نادرة.

13