مجهولو النسب يعانون معارضة الأسر والمجتمع لزواجهم

تغريدة دار الإفتاء المصرية عن الزواج من مجهول النسب تثير جدلا في مصر.
الثلاثاء 2020/02/18
مصير مجهول

يمثل التخطيط للارتباط وتكوين أسرة لحظة فارقة في حياة كل شخص، باستثناء مجهولي النسب الذين تمثل لهم تلك اللحظة بداية صراع مع أناس يحاسبونهم على وزر لم يرتكبوه، وبذنب نشوة عابرة بين مراهقين أو أبوين فقدا الرحمة وتخليا عن مسؤولية الاعتناء بطفلهما، حيث تقف الكثير من الأسر عقبة أمام إدماج مجهولي النسب وتقبلهم كأزواج لبناتها أو زوجات لأبنائها.

القاهرة - يظل بلوغ مجهول النسب السن القانونية، بداية الصدام المحتدم مع المحيطين به، حين يسعى إلى الاستقلال عن مؤسسة الرعاية والبحث عن زوجة تقبل بأوضاعه، إلا أنه يجابه برفض أغلب الأسر الموافقة على ارتباط بناتها بشباب ليست لهم عائلة معروفة.

وأحدثت تغريدة دار الإفتاء المصرية بشأن الزواج من مجهول النسب، سواء كان ذكرا أو أنثى جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنه “لا مانع من الزواج بهذه الفتاة، لاسيما إذا كانت صاحبة دين وخلق كريم، وهو ما قرره أكثر الفقهاء معيارا لاختيار المرأة في النكاح، ولا يضر كونها لقيطة أو مجهولة النسب.. حيث إن اشتراط الكفاءة في النسب إنما يكون في الرجل لا المرأة”.

واعتبر النشطاء أن دار الإفتاء أجازت زواج الفتاة مجهولة النسب في حين أنها لم تجز الزواج من الرجال مجهولي النسب، ما أثار ضجة بسبب عدم وضوح التغريدة.

وعبر البعض عن استغرابهم من “اشتراط الكفاءة في النسب إنما يكون في الرجل لا المرأة”، وتساءلوا عن أسباب رفض زواج الرجل مجهول النسب وإباحته للأنثى، وعلق متابعون “هل هذا يعني أن الرجل مجهول النسب لا يحق له أن يتزوج، وإن كان صاحب دين وخلق؟”.

واضطر شاب مصري يبلغ من العمر 20 عاما إلى التقدم لدار الإفتاء مؤخرا، طالبا رأيا شرعيا في أزمة عاطفية يمر بها بعد تقدمه لخطبة فتاة ذات دين وخلق كريم، إلا أن والدها أخبره بأنها لقيطة، أحضرها من دار لرعاية الأيتام.

ويمثل لجوء الشاب إلى دار الإفتاء في مصر محاولة للحصول على صك يدعم موقفه أمام والديه، وهي حالة من بين العشرات من الشباب الذين خاضوا أزمات أسرية للدفاع عن حقهم في الارتباط بمجهولات نسب بعد علاقات عاطفية بريئة، وانسجام نفسي ووجداني بين الطرفين.

وأكدت دار الإفتاء المصرية أنه لا مانع من الزواج بالفتاة مجهولة النسب، فالكفاءة في النسب للرجل لا المرأة، لأنه هو الذي يبادر بالتوجّه إلى من يريد الارتباط بها، أما المرأة فهي التي تحتاج إلى النظر في حال من يتقدم لخطبتها، هل هو كفء لها أم لا؟

وقبل تسع سنوات، زار شاب يبلغ من العمر 30 عاما، مقر دار الإفتاء لأخذ الرأي الشرعي في رغبته في الارتباط بلقيطة متبناة، وزاد حينها في ذكر مواصفاتها بأنها جميلة ولامعة في عملها ومحبوبة من كل من حولها، وأنه لا يرى فيها عيبا واحدا، ومازحه وقتها أحد باحثي الدار، قائلا “إن لم تتزوجها.. أعطني عنوانها”، لكن لم يتم الزواج وتوقفت القصة.

وتكررت فصول القصة ذاتها مع “أ.ع” (27 عاما)، الذي روى لـ”العرب”، قصة ارتباط لم تكمتل مع زميلة له في إحدى شركات الاتصالات، فالفتاة جيدة التربية بعد تبنيها من قبل أسرة ثرية، وحينما أخبر والدته صرخت في وجهه قائلة “ألم تجد غير هذه اللقيطة؟ بينما كان والده مقتضب الحديث فاكتفى بالوعيد “تزوجها وانس أنك ابننا”.

ولا توجد إحصائيات رسمية دقيقة في مصر عن أعداد مجهولي النسب في مراكز الإيواء أو لدى الأسر البديلة، لكن التقديرات غير الرسمية تقدرهم بقرابة 13 ألفا، دون احتساب الأعداد المنضوية منهم تحت لواء أطفال الشوارع وغير المثبتين لدى الدولة.

دار الإفتاء المصرية: لا مانع من الزواج بالفتاة مجهولة النسب، فالكفاءة في النسب للرجل لا المرأة
دار الإفتاء المصرية: لا مانع من الزواج بالفتاة مجهولة النسب، فالكفاءة في النسب للرجل لا المرأة

ورصدت “العرب” كواليس حياة بعض الأطفال مجهولي النسب عندما قضت عدة ساعات مع العشرات منهم، واقتربت من أحلامهم وطباعهم وسلوكياتهم واطلعت على مطالبهم من محيطهم الاجتماعي والحكومة، فإذا صادفت مراهقا مجهول النسب اسمه علي أو محمود مثلا، ليس شرطا أن يكون من أبوين مسلمين، لأن الديانة الإسلامية يتم تعميمها على جميع الأطفال الذين يُعثر عليهم وتسجل بجوار أسمائهم في شهادات الميلاد، ويستمرون على هذه الحالة طوال حياتهم، بحكم أن الإسلام دين الدولة الرسمي، أي أنه لا حرية في العقيدة لهذه الفئة. ولا يفكر الطفل وائل سعيد صاحب الـ12 عاما، الذي يجلس في داخل مبنى تحيطه أسوار حديدية من كل جانب، برفقة أقرانه من فئة مجهولي النسب، بإحدى دور الرعاية في القاهرة، في مصيره بعد الـ18، فكل ما يشغله حاليا هو هوية والديه، ولماذا لا يعيش ضمن أسرة من أب وأم وإخوة؟ وكلما طرح استفساره على مسؤولي المؤسسة يجيبون “لا نعلم عنهم شيئا”.

ولم تستطع الأم البديلة في دار الرعاية أن تنتزع من مخيلة وائل فكرة البحث عن أبويه، وما زالت ترفض اللجوء إلى إجابة قاطعة على سؤاله التعجيزي تفيد بأن الوالدين تعرضا للموت، أملا في أن تحدث مفاجأة ويتعرف عليهما من خلال البصمة الوراثية، ولا يعرف هذا الطفل أين وُلد، وكيف جاء إلى هذا المكان. فقط وجد نفسه يحمل لقب “يتيم”.

وقال مختصون في علم النفس إنه في دور الفتيات، يبدو الأمر أكثر صعوبة، حيث يمكن لمجهولي النسب من الذكور بدء حياة جديدة في مكان آخر، لا يفتش أحد عن جذورهم، أما المرأة فمقترنة ببيئتها أو بحظ وفير يدفع لها برجل ينتشلها من مستنقع الألم.

وأشاروا إلى أن الفتيات تعتبر مشكلتهن معقدة، فعليهن العيش بقوة الرجال في جسد أنثوي قد يغري المتطفلين بالاقتراب، فمجرد معرفة أنهن مجهولات النسب يصبحن صيدا سهلا، فلا يوجد من يدافع عنهن أو يحميهن من التحرش أو ربما الاعتداء البدني.

وأوضحت الأخصائية النفسية بإحدى دور الإيواء، صفاء عيسى، لـ”العرب”، قائلة “إن أغلب مجهولي النسب لديهم قدرات تفوق غيرهم، لأنهم دائما يتحفزون لإثبات الذات وتجاوز الصعوبات التي عاشوها في الصغر وإقناع البيئة المحيطة بأنهم ليسوا أقل من غيرهم في شيء.. هؤلاء يتوقف تفكيرهم في البحث المستمر عن أسرهم عندما يشعرون بأن كل عائلة تعتبرهم جزءا منها”.

وبينت عيسى أن هناك مسارين لتزويج مجهول النسب عند بلوغه، الأول أن تقوم دور رعاية الشباب والفتيات بتنظيم لقاءات تعارف كمدخل للارتباط العاطفي بين شاب وفتاة لديهما نفس الظروف على طريقة “لا تعايرني ولا أعايرك”، والثاني أن يبحث الشاب عن فتاة لها عائلة، حيث يتمرد على وضعه ويرغب في الزواج من إنسانة تكون عائلتها، بمثابة أسرته التي حُرم منها.

21