ما مصلحة إيران من الترويج لعراق موافق على التطبيع

العراقيون الغاضبون من تدخلات طهران قد يفضلون التطبيع مع تل أبيب على التبعية للولي الفقيه.
الأحد 2020/11/22
إيران "منبوذة" في الشارع العراقي

تغامر إيران بتحريك أذرعها الإعلامية في العراق للترويج هذه المرة لموافقة بغداد على التطبيع مع تل أبيب في خطوة يرى مراقبون أنها قد تكون لها نتائج عكسية حيث تشير العديد من المعطيات إلى أن الشارع العراقي قد يختار تطبيعا مع إسرائيل على استمرار “التبعية لإيران”.

بغداد -  تسعى إيران إلى اختبار المزاج الشعبي العراقي إزاء تطبيع بغداد مع تل أبيب من خلال الترويج عبر وسائل إعلام موالية لطهران لأن العراق قد وافق على التطبيع الشامل وذلك في وقت يرى فيه متابعون أن التدخل الإيراني “المُجحف” في سياسات العراق وأمنها الداخلي قد يدفع العراقيين للقبول بالتطبيع.

ويرى مراقبون أن أذرع طهران الإعلامية لا تأخذ بعين الاعتبار التغييرات التي شهدها موقف الشارع العراقي حيال العديد من القضايا والملفات الداخلية والخارجية على غرار القضية الفلسطينية متأثرا في ذلك باستفزازات إيران التي باتت “منبوذة” في بغداد.

وتروج وسائل الإعلام العراقية الممولة من إيران، منذ أيام، لسيناريو يقول إن العراق وافق على طلبين في إطار خطة إسرائيلية للتطبيع الشامل، يتمثل الأول في مد أنبوب نفطي يخدم الأردن ومصر، والثاني توطين جزء من اللاجئين الفلسطينيين في صحرائه الغربية.

وتغذي هذه الوسائل التي تديرها إيران من بغداد وجيوشها الإلكترونية، هذا السيناريو بتفاصيل معقدة، من قبيل الدعوة إلى رفض أي محاولة لدخول العمالة الأجنبية للبلاد، بحجة أن هذا الأمر سيكون غطاء لإدخال الفلسطينيين وتوطينهم في الأنبار ونينوى.

ويستغرق السيناريو في تفاصيله المثيرة، مثل تكليف مصر، عبر دول خليجية بينها السعودية والإمارات، بإنشاء مجمعات سكنية عملاقة في محافظتي الأنبار ونينوى، هدفها المعلن هو حل أزمة السكن، لكنها في الحقيقة ستكون معدة لاستقبال الفلسطينيين.

لكن هذا السيناريو، وفقا لمراقبين، يتجاهل حقيقة التحول الكبير الذي طرأ على المزاج العراقي إزاء قضية التطبيع وملف فلسطين.

ولا يمكن القول إن العراقيين غيروا وجهة نظرهم من إسرائيل بسبب تغيير إسرائيل نفسها لسياساتها، ولكن الأمر يتعلق بسياسات إيران، التي حولتها إلى دولة مكروهة، داخل مختلف الشرائح العراقية، بما في ذلك الشيعة الذين تزعم طهران أنها تدافع عنهم.

إيران تخشى أن تجد نفسها في مواجهة تطبيع سياسي عراقي مع إسرائيل مدعوم من الشارع، لاسيما السنة والأكراد

وأصبح العراقيون ينسبون اللوم جراء أي سلوك متهور من أي ميليشيا مسلحة في غرب وجنوب ووسط البلاد إلى إيران التي لا تُخفي تزويدها للميليشيات الشيعية بالمال والسلاح والتدريب، علاوة على إصدارها لهؤلاء أوامر لتنفيذ عمليات داخل أو خارج العراق ما جعل علاقات بغداد مع عدد من العواصم وفي مقدمتها واشنطن على المحك خاصة بعد سلسلة الهجمات الصاروخية التي استهدفت القواعد الأميركية.

ونتيجة لهذه الممارسات، تنامت المشاعر السيئة لدى العراقيين سواء الشيعة أو السنة والأكراد إزاء إيران.

ومثلت انتفاضة تشرين التي اندلعت أحداثها في أكتوبر 2019 ضد الطبقة السياسية العراقية خير دليل على فقدان إيران حظوتها حتى داخل الأوساط الشيعية حيث رفع شبان شيعة شعارات مناهضة للحضور الإيراني من قبيل “إيران برا برا” أي أنه ينبغي على إيران أن تغادر العراق في إشارة إلى الميليشيات الشيعية وممثليها السياسيين.

ثم رفع الشبان الشيعة شعار “نريد وطنا”، فسروه بأنهم يريدون استعادة العراق من براثن إيران وأتباعها في بغداد والوسط والجنوب.

وأما على مستوى السنة والأكراد، فإن الحديث عن ضرورة التطبيع مع إسرائيل يكاد أن يكون علنيا.

ويقول ساسة عراقيون مطلعون على الكواليس، إن إيران تخشى أن تجد نفسها في مواجهة تطبيع سياسي عراقي مع إسرائيل مدعوما من الشارع، لاسيما السني والكردي.

ويعتقد السنة والأكراد في العراق أن إصرار إيران على إدارة الملف العراقي بطريقتها الحالية تسبب في تخلف البلاد عن ركب الدول الناجحة، رغم حيازتها على إمكانيات هائلة.

ولم تعد أجواء الحرب التي تشيعها إيران في مختلف المناطق، عبر الميليشيات العراقية التابعة لها، تغري الجمهور أو تجتذب مناصرين، فيما تواصل فكرة “المقاومة” خسارة بريقها تدريجيا.

وسبق للسنة أن جربوا “المقاومة” ضد الوجود الأميركي في العراق بعد 2003، ووجدوا أنها وصفة مثالية لتدمير مناطقهم وإضعاف حضورهم السياسي في بغداد وتمكين إيران وحلفائها من الهيمنة على القرار العراقي.

ويمكنك الآن أن تخوض حوارات شبه علنية في المدن الكردية مثل أربيل والسليمانية والمدن السنية مثل الموصل والرمادي، بشأن ما إذا كان التطبيع مع إسرائيل فعلا هو الشرط الوحيد للتخلص من النفوذ الإيراني السلبي.

وربما تسمع من كثيرين في هذه المناطق أنهم على استعداد لقبول كل أشكال العلاقة مع إسرائيل إذا كان هذا الأمر يخلصهم من النفوذ الإيراني.

وتصر الميليشيات الشيعية التابعة لإيران على الاحتفاظ بقوات في مناطق سنية وعلى تخوم مناطق كردية.

ولا تلعب هذه القوات دورا أكثر من تعزيز المشاعر السلبية إزاء إيران وأتباعها في العراق.

ويقول مراقبون إن إجراء استفتاء بين العراقيين بشأن ما إذا كانوا يفضلون إيران على إسرائيل أو العكس، قد يكشف عن نتائج صادمة.

3