ماريان خوري: "احكيلي" حالة خاصة بين السينما والحياة

المخرجة ماريان خوري تؤكد أن سبب إصرارها على تقديم الفيلم هو بحثها الدائم عن الهوية وجذور العائلة.
السبت 2019/11/30
روح يوسف شاهين الحاضرة في الفيلم تعكس زخم القصة والراوي

من الصعب إنتاج فيلم من خلال سيرة ذاتية، لكن الأصعب أن يكون بطل العمل ومخرجه هو أيضا صاحب القصة وراويها، هكذا قدّمت المخرجة ماريان خوري عبر فيلمها “احكيلي”، والتي تصفه في حوار مع “العرب”، على هامش مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بأنه “مزيج فريد من العمل الروائي والتسجيلي المتناغم”.

القاهرة - يمثل الجمع بين السير الذاتية والأفلام التسجيلية إحدى أشهر الثنائيات الفنية على مدار تاريخ السينما. ونجحت المخرجة السينمائية ماريان خوري عبر فيلمها “احكيلي” الذي عرض ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ41، في استغلال تلك الثنائية وصناعة عمل متشابك بأوجه فنية وعاطفية بسيطة وجذابة كانت فيه ماريان وابنتها من أبطال العمل ومنسقيه.

وتدور أحداث الفيلم حول جلسة دردشة بين أم وابنتها تعملان في مجال السينما، والأم هي مخرجة الفيلم ومنتجته؛ ماريان خوري، والابنة هي سارة التي تدرس السينما في كوبا.

وتسعى كل منهما لاكتشاف الحياة بصعوباتها من خلال مشاهد أرشيفية لم يرها أحد من قبل. تغوص في عالم بين الحقيقة والخيال، سواء كان ذلك من خلال شخصيات أفراد العائلة التي ظهرت في أفلام، مثل الخال المخرج المصري الراحل يوسف شاهين، أو من خلال أدوار سيدات العائلة الحقيقية في مسرح الحياة.

وتقول ماريان خوري في حوارها مع “العرب” إن سبب إصرارها على تقديم الفيلم هو بحثها الدائم عن الهوية وجذور العائلة، “بدأت البحث في أرشيفي الخاص وذكريات العائلة مع خالي يوسف شاهين، وعثرت على تسجيلات تم رصدها عبر عشرات السنوات، لهذا استغرق تحضير العمل أكثر من 9 سنوات، لمزيد من الفحص والمراجعة”.

وتعد ماريان خوري سينمائية متمردة في اختيارها لأعمال غير نمطية بالأساس، ودخلت مجال السينما كمنتجة ومخرجة، على الرغم من خلفيتها التعليمية في الاقتصاد بجامعتي القاهرة وأكسفورد، إلاّ أن عالم السينما جذبها سريعا بعد تخرّجها، واستمر تعاونها الوثيق مع المخرج يوسف شاهين لما يقرب من ثلاثين عاما.

واعتمدت في مشروعاتها الإخراجية على سرد حكايات الناس، وبدأت مشوارها بفيلم “زمن لورا” عام 1999 تلاه فيلم “عاشقات السينما” عام 2002، وكانت القضية في الفيلمين تدور حول إنجازات النساء المتمردات بمصر في القرن الماضي، وحصلا وقتها على إشادات فنية.

وقالت خوري لـ”العرب” إن فصل الأفلام التسجيلية عن الأفلام الروائية من الناحية الفنية لم يعد مقبولا بعد أن أصبح للأعمال التسجيلية جانب روائي، كما أن الفيلم التسجيلي مزيج بين الاثنين، ونجح في خلق حالة خاصة بين السينما والحياة، وهو ما ظهر بوضوح خلال المناقشات في الفيلم، والتي حدثت بينها وبين ابنتها سارة عن نساء العائلة، لأن الفيلم الوثائقي اختلفت طبيعته عن الماضي، وأصبح الجمهور وقت العرض يتفاعل معه ويضحك ويبكي.

ماريان خوري: من الصعب اختصار مئة عام من تاريخ عائلتي في فيلم مدته 95 دقيقة
ماريان خوري: من الصعب اختصار مئة عام من تاريخ عائلتي في فيلم مدته 95 دقيقة

ورأت خوري أنها ركزت على كيفية رواية القصة، فلم تسلط الضوء فقط على مشكلات العائلة، بل ركزت على كل نظرة وعلى طريقة إلقاء الكلمات لإيصال المشاعر.

واستغلت المخرجة المصرية ولعها بتسجيل اللحظات المميزة لعائلتها على مدار السنوات، لاسيما الحوارات الشيقة التي كانت تدور بين خالها يوسف شاهين وعمتها، في بناء هيكل فيلمها سواء باستخدام بعض الصور أو في تكوين القصة والحوار.

وأضافت لـ”العرب” أنه بسبب التسجيلات القديمة كان المونتاج أصعب المراحل في العمل، وأهمها أيضا للحفاظ على خصوصية العائلة، فالفيلم مركب ومن الصعب اختصار 100 عام في فيلم مدته 95 دقيقة، لذلك كانت الاختيارات صعبة جدا، ومرحلة المونتاج شاقة للغاية.

وأكدت خوري على أن الفيلم لم يكن به سيناريو محدد تمت كتابته، فهي كانت تقصد أن تضيف له الخط الروائي الحقيقي بين أشقائها وابنتها وعمتها وخالها، لأنها ليست ممثلة، لكنها تقدّم دورها في الحياة، والحوار الذي دار بينها وبين ابنتها لم يكن مكتوبا وجاء ارتجاليا، بعدما حصلت على عدة ورش عن السير الذاتية كي تتعلم كيف تتحدث بتلقائية دون الرجوع إلى نص، خاصة أنها تروي مواقف حقيقية دون تصنع.

حاول البعض من النقاد مقارنة المخرجة بخالها المخرج يوسف شاهين، إلاّ أن خوري تقول إنها لا تخشى المقارنة، لأنه لا مجال لذلك من الأساس، لأن أعمال وأدوات وشخصيات يوسف شاهين كانت نفس أدواتها في إخراج العمل.

وتابعت قائلة “ابنتي تدرس السينما وتصوّر العائلة طوال الوقت أيضا مثلي، وبالتالي هي تحضر جزءا من العمل وتتحداني بكونه سوف يكون جيدا”.

وحول أسباب استخدام اللغة الفرنسية في الفيلم، تقول خوري “السبب أن جميع أفراد العائلة اعتادوا التحدث بالفرنسية طوال الوقت مع الخلط ببعض الكلمات العربية، لذلك جاء الفيلم خليطا بين العربية والفرنسية، لكن الأمر لم يكن مقصودا”.

وأوضحت أن الفيلم تم تصويره في العديد من المدن، قائلة “مثلما نتحدث باللغة الفرنسية نسافر أيضا طوال الوقت، ولكل عائلة شكل ونمط متكرر، ومن ضمن أنماط عائلتنا السفر والهجرة، فجذور العائلة تعود إلى الشام (سوريا)، إذ أن والدي ولد في طنطا بمصر، وجدي من سوريا، أما الجد من ناحية الأم فكان من لبنان، وجدة أمي يونانية ولدت في الإسكندرية”.

وأشارت إلى أن طبع العائلة هو السفر ولا يزال، و”ابنتي تعيش الآن في كوبا وتدرس سينما في مدرسة مختلفة عن كل مدارس العالم لمدة ثلاث سنوات”.

ولم تنكر ماريان وجود أزمات في الهوية في عائلتها وعائلات أخرى، فحاولت تناول تلك المسألة في الفيلم، وهو ما ظهر بوضوح في جيل ابنتها، لأنه حدث نقلة في الأجيال وظهرت به حرية أكثر ومزج ثقافات أكثر وجرأة في الكلام، وهذا دائما موجود وتم التعبير عنه بشكل واضح في الجيل الجديد.

وعبرت المخرجة المصرية عن استعانتها بإحدى الأغنيات للجزائرية سعاد ميسي في الفيلم، وأنها اختارت الأغنية حبا في المطربة، ولأن كلماتها تؤكد حالتها، رغم ألفاظها الصعبة وغير المفهومة للبعض.

وكشفت ماريان خوري لـ”العرب” عن مشروعاتها القادمة قائلة “أستعد لتقديم (ورش دهشور) لتطوير وإنتاج الأفلام المقدّمة من المواهب المصرية والعربية الناشئة، حيث لدينا كافة الاعتمادات والموارد، وقبل كل شيء الإرادة الحقيقية لنجاح هذا المشروع”.

13