مؤتمرات قطر عن حرية التعبير شيء وممارستها شيء آخر

تمويلات ضخمة لتمرير الدعاية عبر التقنيات الهدف منها تضليل الرأي العام.
الثلاثاء 2020/02/18
الممارسة لا تتطابق مع شعارات الملتقيات في الدوحة

وجه رئيس الفيدرالية الدولية للصحافيين انتقادات لقطر بطريقة غير مباشرة، عبر دعوتها إلى تبنّي نتائج وخلاصات مؤتمر تقيمه على أراضيها حول حرية التعبير وحماية النشطاء، كما تطرّق إلى أساليب الدعاية والتضليل التي تنتهجها الحكومات للتأثير على الرأي العام ومهاجمة الدول الأخرى.

الدوحة - طالب يونس مجاهد، رئيس الفيدرالية الدولية للصحافيين، قطر بتطبيق ما تنظمه من مؤتمرات حول الحريات، وأن تكون هي السبّاقة لتنفيذ التوصيات التي تصدر عنها بخصوص حماية حرية التعبير، قبل أن تطالب الآخرين بذلك.

وجاء ذلك خلال كلمة ألقاها في المؤتمر الدولي حول “وسائل التواصل الاجتماعي: التحديات وسبل دعم الحريات وحماية النشطاء” الذي احتضنته الدوحة، في 16 و17 فبراير 2020.

وقال مجاهد “نتطلع إلى أن تكون الخلاصات التي سنصل إليها مفيدة للبلد الذي يحتضن هذا الملتقى، ليتقدّم في احترام حرية الصحافة والحق في التعبير، ويضع قواعد الحريات الجماعية والفردية والشفافية، ويطبقها في قوانينه ومؤسساته، ويقدّم المثال قبل الآخرين في تطبيق هذه التوصيات”.

وتطرّق في كلمته إلى أساليب الدعاية والتضليل التي تنتهجها الحكومات للتأثير على الرأي العام ومهاجمة الدول الأخرى، قائلا إنه بالإضافة إلى لجوء بعض الحكومات لأساليب التضييق والقمع، للحد من قوة وانتشار الأخبار والأفكار المناقضة لسياستها، فإن “العديد من الحكومات ومجموعات الضغط والمصالح أصبحت تلجأ كذلك لأساليب أخرى في استعمال سلبي لحرية التعبير عبر الوسائط الرقمية، وذلك بتمويلات ضخمة لتمرير دعايتها، عبر استعمال العديد من التقنيات لتضليل الرأي العام وإغراق الفضاء الرقمي بالدعاية والإشاعة، وأحيانا مهاجمة المعارضين، باستعمال مكثّف لهويات مزيفة وللجيوش الإلكترونية والروبوت وغيرها من وسائل التأثير الاصطناعي”.

يونس مجاهد: نتطلع إلى أن تكون خلاصات هذا الملتقى مفيدة للبلد الذي يحتضنه (قطر) ليتقدم في احترام حرية الصحافة
يونس مجاهد: نتطلع إلى أن تكون خلاصات هذا الملتقى مفيدة للبلد الذي يحتضنه (قطر) ليتقدم في احترام حرية الصحافة 

وأضاف “المنصات والشركات الكبرى في مجالات التواصل الرقمي، أصبحت تنتج مختلف الوسائل لتسهيل هذه العمليات، ولا يهمها سوى ما تحققه من أرباح”.

ويتوافق ما ذكره مجاهد مع العديد من التقارير لوسائل إعلام غربية تحدثت عن الدعاية والتضليل عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث كشفت مجلة “إنترناشيونال بوليسي دايجست” الأميركية، في سبتمبر الماضي، عن تكتيكات تضليلية تستخدمها قطر لمهاجمة خصومها.

وجاء في مقال نشرته المجلة للكاتب جويس توليدانو أن “التوترات بين قطر وجيرانها مستمرة منذ عام 2017 بسبب دعم الدوحة للإرهاب، لافتاً إلى إقرار قطر بأنها قدّمت بعض الدعم للجماعات الإسلامية، وهي جماعة الإخوان المسلمين”.

وتابعت المجلة أن “التكتل الداعم لقطر -الذي يضم تركيا وإيران- استخدم التضليل على نطاقٍ واسع إلى جانب التكتيكات الأخرى لوسائل الإعلام، وذلك من أجل تشكيل الروايات في المنطقة في مختلف الميادين، بينما لم تخش قطر أبدا من ممارسة نفوذها الإعلامي عبر قناة الجزيرة التي تدّعي أنها نزيهة”.

وأوضح مجاهد أن ثورة التكنولوجيا فتحت إمكانيات كبيرة لتطور حرية التعبير، وسمحت لكل من يرغب في المشاركة بالنشر والتعليق ونقل الأخبار والأحداث والمواقف، ولذلك شكّلت فتحا هائلا لصالح الناشطين السياسيين الحقوقيين وغيرهم من الذين يرغبون في التعبير عن أفكارهم وتصريفها، ورغم التحديات التي خلقتها للصحافة الكلاسيكية، فإنها أتاحت لها إمكانيات جديدة في وسائل وطرق عملها.

لكن هذا الوضع سمح بتطور الأخبار الكاذبة والمحتويات المسيئة في التعبير والنشر والبث، كما تم استغلال هذا التطور في التكنولوجيات الرقمية، من طرف الجماعات المتطرفة لنشر خطاب الكراهية والعنصرية وغيرها من المضامين التي تناقض حرية الرأي والحق في الاختلاف والتعددية والمساواة.

وأضاف أننا نتطلع لأن يكون هذا النقاش خلال الملتقى، الذي نشارك فيه، غنيّا ونستفيد جميعا بأفكار وآراء واقتراحات لحماية الحق في التعبير، واستعمال الثورة الرقمية لخدمة الديمقراطية والشفافية والوصول للمعطيات وفضح الفساد والظلم والتسلط، وليس جعلها أداة لخدمة المصالح الضيقة لبعض الدول والشركات الكبرى.

وعلّق متابعون على انعقاد هذا المؤتمر في قطر، أن الدوحة تحاول لفت الانتباه مجددا، والتسويق لمبادئ حرية التعبير ودعم حريات الصحافة، بعد أن أغلقت المركز الذي كان يقوم بهذه المهمة في أبريل 2019.

وأوقف مركز الدوحة لحرية التعبير جميع نشاطاته بصورة مفاجئة، وألغى حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، دون توضيح الأسباب، رغم أنه كان يروّج منذ إطلاقه في أكتوبر 2008، بأنه “المركز الدولي الأول من نوعه الذي يتأسس في دولة غير غربية، ويعمل لخدمة حرية الصحافة والتعبير في قطر والشرق الأوسط والعالم وتأمين ملاذ للصحافيين المهدَّدين”. لكنه من النادر أن غطّى أخبار قطر.

وذكرت تقارير سابقة لوزارة الخارجية الأميركية أنّ الصحافة القطرية تمارس الرقابة الذاتية بصورة روتينية، لذلك عمل المركز في بيئة منافية عمليّا لحرية التعبير والصحافة.

ويدرك غالبية الكتّاب والصحافيين القطريين الهامش الضيّق المتاح لهم بنقد السلطات والعمل الحكومي، دون المسّ بالأسرة الحاكمة والفساد بأي طريقة نقد بنّاء من أجل مصلحة البلاد.

وسبق وأن عوقب الصحافي القطري فرج مزهر الشمري، المرشح السابق للمجلس البلدي، على معارضته للسلطات بتجريده من الجنسية ومن أملاكه ونفيه خارج البلاد. وكان الشمري كتب مقالا بعنوان “عين عذارى” يطالب فيه بتخفيض الرسوم والضرائب على القطريين، وذلك في عموده الصحافي الذي كان يحمل عنوان “البُعد الرابع”، في صحيفة الراية القطرية.

18