ليلى عسلاوي مثقفة جزائرية سخرت مسيرتها لمناهضة الإسلام السياسي

وزيرة وقاضية بمواقف ملتبسة تجاه المؤسسة العسكرية.
الأحد 2021/11/21
خصم عنيد للإسلام السياسي من الحرس القديم

بعد تواريها عن الأنظار وتفرغها لأنشطة فكرية وأدبية، عادت الوزيرة السابقة ليلى عسلاوي إلى الواجهة من بوابة المحكمة الدستورية، بقرار من الرئيس عبدالمجيد تبون، ليعود بذلك الجدل حول لجوء السلطة في كل مرة إلى خزانها القديم، رغم خطابات وشعارات التجديد والإصلاح، وحول التيار الفكري والسياسي الذي تمثله المرأة العائدة، فهي خصم عنيد للتطرف الديني وللإسلام السياسي وللمصالحة الوطنية التي أقرها الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة بين مؤسسات الدولة والمتشدّدين الإسلاميين، بدعوى وقف حمام الدم والحرب الأهلية في البلاد.

الرئيس تبون عيّن المثقفة والوزيرة السابقة، ضمن هيئة القضاة المشكلين للمحكمة الدستورية، التي استحدثت لأول مرة في البلاد، خلفا لما كان يعرف بـ"المجلس الدستوري"، كأعلى هيئة قضائية في الجزائر، وبغض النظر عن دلالة الحضور النسوي في المؤسسات الكبرى التي تحاول السلطة تسويقها، فإن انضمام المرأة أثار فرضيات وتخمينات حول مغزى القرار في ظل المواقف السياسية والخلفية الأيديولوجية لليلى عسلاوى، المناهضة للإسلاميين والمحافظين.

ركوب الحراك الشعبي

المثقفة المنتقدة للجيش بسبب تشدده مع احتجاجات الحراك الشعبي، انخرطت في مسار سلطة أفرزها العسكر
المثقفة المنتقدة للجيش بسبب تشدده مع احتجاجات الحراك الشعبي، انخرطت في مسار سلطة أفرزها العسكر

تبقى عسلاوي من بين الشخصيات النسوية القليلة التي جهرت بمواقفها المناهضة للإسلاميين في ذروة قوتهم، وكانت من الداعمين المدنيين لتدخل الجيش من أجل وقف المسار الانتخابي الذي استحوذ عليه آنذاك إسلاميو جبهة الإنقاذ، كما وقفت بجانب المؤسسات الانتقالية التي أفرزها القرار المذكور، وشغلت عدة مناصب وزارية، فضلا عن عضوية مجلس الأمة، قبل أن يتم تعيينها في المحكمة الدستورية ضمن حصة رئيس الجمهورية.

ويبقى تقلّب مواقف نخب جزائرية مثيرا للانتباه، ويعمق الشكوك حول حقيقة الكثير من الوجوه التي تتماهى مع مختلف الوضعيات والمتطلبات، على حساب ما يتظاهرون به أمام الرأي العام، فعسلاوي، التي انتقدت قيادة الجيش السابقة بسبب تشددها مع احتجاجات الحراك الشعبي، انخرطت في مسار السلطة التي أفرزتها تلك المؤسسة، بانضمامها إلى الهيئة المذكورة.

عودة الوزيرة السابقة ليلى عسلاوي إلى الواجهة من بوابة المحكمة الدستورية، بقرار من الرئيس عبدالمجيد تبون، تعيد الجدل حول لجوء السلطة في كل مرة إلى خزانها القديم

وكانت عسلاوي قد خرجت عن صمتها بعد سنوات من التواري عن الأضواء، بتوجيه انتقادات شديدة للقيادة السابقة للجيش، حول ما أسمته بـ"التضييق وقمع الاحتجاجات السلمية للجزائريين بداية من فبراير 2019"، وهو ما أعطى الانطباع حينها بأن المرأة التي تجرأت على معاداة الإسلاميين في ذروة قوتهم، تريد تبني ثورة الجيل الجديد، لكنها سرعان ما لبّت أول دعوة للالتحاق بالسلطة الجديدة.

ووجهت حينها وزيرة الشباب والرياضة والعدل السابقة، رسالة إلى نائب وزير الدفاع، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجنرال أحمد قايد صالح، انتقدت فيها تعامل المؤسسة العسكرية مع الأوضاع التي تمر بها البلاد، نشرتها عبر أعمدة يومية "لوسوار دالجيري" الناطقة بالفرنسية، قالت فيها "قررت مخاطبة الجنرال قايد صالح، لأنه أصبح هو في مواجهة حراك المواطنة"، في إشارة إلى الملايين الذين خرجوا إلى الشارع مطالبين بإسقاط نظام بوتفليقة، بجميع الوجوه التي حكمت معه، ومنهم رئيس الدولة بالنيابة، الراحل عبدالقادر بن صالح.

وبرأي عسلاوي هناك رابط حيوي يوحد بين الشعب والمؤسسة العسكرية، وهي وفق ما قالت، لديها إيمان بأن الجيش حريص على حماية الأمن والوحدة الترابية للبلاد، وأن الحل الذي انتهجته المؤسسة العسكرية في التعامل مع مطالب الشارع، والمتمثل في تطبيق المادة 102 من الدستور، لا يتماشى وتطلعات الملايين الذين خرجوا إلى الشارع.

لا لبوتفليقة، نعم لخليفته

عسلاوي كانت لها رؤية أخرى للأزمة الجزائرية وترى أنه يجب طرد جميع الوجوه التي عملت في فترة حكم الرئيس الراحل
عسلاوي كانت لها رؤية أخرى للأزمة الجزائرية وترى أنه يجب طرد جميع الوجوه التي عملت في فترة حكم الرئيس الراحل

يبدو أنه كان لعسلاوي رؤية أخرى لحل الأزمة الجزائرية، فالمرأة التي دعمت تدخل الجيش في مطلع تسعينات القرن الماضي، باتت تنتقده حتى قبل سنتين فقط، وكانت ترى أنه "لا مفر من اللجوء إلى تطبيق المادة السابعة من الدستور، لأنه السبيل الوحيد إلى طرد جميع الوجوه التي عملت خلال فترة حكم الرئيس الراحل"، التي وصفتها بالدكتاتورية البوتفليقية.

وكانت ترى أنه من غير المقبول أن يتم إسقاط بوتفليقة، في حين يتم الإبقاء على رئيس مجلس الأمة السابق، رئيسا للدولة، وهو الذي كان يقود حزبا “ولد بشنبات تركية”، ويعتبر مخبر التزوير الذي عاشت الجزائر على وقعه خلال المرحلة السابقة، في إشارة إلى رئيس الدولة المؤقت الذي قاد حزب التجمع الوطني الديمقراطي لعدة سنوات.

وكانت عسلاوي من ضمن الشخصيات الجريئة القليلة في عز فورة الرئيس الراحل بوتفليقة، التي انتقدت بشدة مشروع المصالحة بين الإسلاميين المتشددين والسلطة، تحت رعايته، وعبرت عن مواقفها الرافضة للتقارب مع الإسلاميين بسبب ما يحملونه من فكر أحادي لا يحتمل الاختلاف والتعدد.

انضمام المرأة أثار فرضيات وتخمينات حول مغزى القرار في ظل المواقف السياسية والخلفية الأيديولوجية لليلى عسلاوى، المناهضة للإسلاميين والمحافظين

وصرحت حينها أنها تعتقد بأن هناك حملة تستهدف الجيش الجزائري تشارك فيها عدة أطراف ودوائر فرنسية وأصولية تصب في نهاية المطاف ضمن أفكار الرئيس بوتفليقة، ووجهت آنذاك دعوة مبطنة إلى قادة المؤسسة العسكرية للتدخل من أجل منع الرئيس بوتفليقة من تنفيذ خطته الهادفة إلى تحقيق المصالحة في الجزائر، وإعادة الاعتبار لجميع التيارات السياسية بما فيها الأصولية.

وانضم إليها الإعلامي المعارض محمد بن تشيكو بالقول إن بوتفليقة لا يجب أن يبقى طليق اليدين يمارس سياسته الإصلاحية كما يخطط لها أو كما يفهمها خصومه، وعلى جنرالات الجيش اتخاذ موقف حازم من هذه المسألة، فمن غير المعقول أن يقود الجيش معركة طويلة المدى ويترك الآخرين يعقدون اتفاقيات مع العدو.

وخاطب مستشار الرئيس بوتفليقة للشؤون العسكرية آنذاك الجنرال محمد تواتي قائلا "كيف تعلن أن المبادرات السياسية التي تنطلق من قانون الوئام المدني هي من اختصاص الرئيس بوتفليقة لوحده، وفي نفس الوقت يبعث الجيش شباب الجيش للموت في معركة لا يعلمون أسبابها ولا غايتها؟".

واجهة مدنية لصقور الجيش 

مواقف المرأة التي أدت اليمين الدستورية للانضمام إلى هيئة المحكمة الدستورية هي نفسها التي يمثلها الآن الرئيس تبون
مواقف المرأة التي أدت اليمين الدستورية للانضمام إلى هيئة المحكمة الدستورية هي نفسها التي يمثلها الآن الرئيس تبون

ما الذي حدث في مواقف المرأة التي أدت اليمين الدستورية للانضمام إلى هيئة المحكمة الدستورية، فالسلطة والمؤسسات التي انتقدتها بشدة في السابق، هي نفسها التي يمثلها الآن الرئيس تبون الذي قضى مشوار 40 عاما متدرجا بين مختلف مواقعها من مسؤول محلي بسيط إلى محافظ ووزير ورئيس وزراء ورئيس جمهورية، كما أن الوجوه العائدة إلى الواجهة هي التي كانت خلال العهد البائد بما فيها هي نفسها.

عودة الوزيرة السابقة المحسوبة على التيار "الاستئصالي" الموالي لصقور المؤسسة العسكرية، خلفت موجة من الاستفهامات والانتقادات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث هاجم مرتادو الفضاء الأزرق عسلاوي على اعتبار أنها حاولت ركوب موجة الحراك الشعبي، قبل أن تسترجع من طرف السلطة، وتكرم بمنصب هام وهي في سن متقدمة.

لكن للمرأة التي فجعت بزوجها، طبيب الأسنان، في منتصف التسعينات، جراء عمل إرهابي، وجها آخر وشخصية أخرى تحمل رؤية مغايرة للمشروع الظلامي الذي أراد إسلاميون متطرفون فرضه على المجتمع، فلم تبخل على جمهورها بمحاضراتها ومؤلفاتها الفكرية والأدبية. فأصدرت "المحفظة الزرقاء" عن دار "داليمان" بالجزائر، عادت فيه عسلاوي إلى فترة العشرية الدموية، وهو مؤلف تأرجح بين النص السردي وبين الرواية والسيرة الذاتية، ويتضمن شخوصا وأحداثا متخيلة تدور بين عامي 1992 و2032، لكنه ينطلق بالأساس من تجربة صاحبته التي فقدت زوجها خلال سنوات الدم، لتضمنه مواقفها التي تعلن عنها صراحة، مثل تنديدها بالإرهاب الإسلاموي، ورفضها القاطع التسامح مع من تورط في قتل الأبرياء الجزائريين.

ليلى عسلاوي

الكتاب من الأعمال التي لا يمكن أن تقرأ بمعزل عن مؤلفها، فعسلاوي، الزوجة، تحضر بوضوح بين سطوره، حتى وإن حاولت التخفي وراء شخصية الجدة ”داهيلة” التي تحتفظ بالمحفظة، فيكتشفها أحفادها بعد 38 عاما، ويطلعون من خلال ما دونته فيها من تواريخ وأمكنة وأحداث، على جوانب جديدة من مرحلة مظلمة في تاريخ الجزائر.

ولم يفصح الأحفاد الذين منحت لهم فرصة للتعبير عن موقفهم من العفو، عن آرائهم الشخصية، فتحدثت هي على ألسنتهم، وجاء العمل كمرافعة ضد القوانين التي سنتها الدولة، منذ مجيء الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى الحكم، بدءا بالوئام المدني ووصولا إلى المصالحة الوطنية.

وفي كتابها "رسائل إلى نايلة مريم" فضلت عسلاوي أن تكون وصيتها لحفيدتها معنوية بدلا من أن تكون مادية، وهي التمسك بالأعراف والتقاليد والقيم الأخلاقية في الجزائر، واختارت فيه سرد تجاربها المختلفة منذ الاستقلال إلى غاية الفترة الحالية، حيث تطرقت إلى العديد من المواضيع على غرار تاريخ الجزائر ووضعية المجتمع الجزائري في مختلف الفترات التاريخية التي مرت بها.

وقالت عسلاوي عن هذا الكتاب إنها أخذت من تجارب والدتها واستفادت منها، ولذلك أرادت أن تستفيد حفيدتها بدورها من تجارب جدتها حتى تنعم بحياة متوازنة يميزها التمسك بالجذور والقيم الأخلاقية.

وفي "همسات" سردت عسلاوي حكاية “حورية” المحامية وابنة الشهيد، التي تذهب في رحلة بحث عن أخيها المحامي المفقود إبان العشرية السوداء، وخلال رحلتها تكتشف الكثير من الأسرار والمعلومات عن المجتمع وعن  ثورة التحرير الوطني، وعن  العشرية السوداء، الأمر الذي يغير نظرتها إلى المحيط وإلى الأحداث والتاريخ بالكامل.

وعن دلالة الصوت الخافت في رواية “همسات”، تبين عسلاوي أنها أرادت أن تنقل إلى القارئ ذلك النوع من الغموض والإحساس بعدم الارتياح الذي يلف حاملي الأسرار الخطيرة والثقيلة، عندما يريدون البوح بها لغيرهم، فيهمسون بها مخافة أن يسمعها الجميع، وهي رؤية عن المجتمع الجزائري، وحنين إلى كل القيم والمبادئ الاجتماعية والأخلاقية السامية التي تميزه والتي أصبحت اليوم شبه مفقودة.

8