ليبيا.. عندما تُفلسف غزوات عثمانية جديدة

الغزو العثماني الجديد لليبيا، ومحاولة تمجيده ثقافيا وربطه بتاريخ "الرفاهية والحماية" العثمانية، لا يُعبر إلا عن عقل معطوب بالأيديولوجيا.
الخميس 2020/01/09
حالمون بالخلافة الإسلامية

يقف المراقب مندهشا للتحرك التركي، بشخص الرئيس الإخواني رجب طيب أردوغان، لغزو ليبيا بذريعة بسط الاستقرار فيها، لعدم وجود جوار جغرافي أولا، ولا وجود حلف أو معاهدة، بل ولا وجود لدولة ليبية يمكنها اتخاذ قرار للاستعانة بالجيش التركي، وأن هناك جيشاً ليبياً يحارب الميليشيات المنفلتة، فما هي شرعية الميليشيات كي تتحرك تُركيا الإخوانية لإنقاذها، تحت يافطة الدفاع عن ليبيا؟

غير أن الأخطر من هذا أن تدخل الفلسفة والثقافة في تبرير هذا الغزو، فالمهتم بالفلسفة والثقافة الإخواني والقومي العروبي أبويعرب المرزوقي، يعتبر الغزو التركي مشروعاً بالدفاع عن العرب والعروبة، وإذا كانت أوروبا وأميركا وإسرائيل تخشى من هذا التحرك، فلها ما يُبرر ذلك، لأنه ضد مصالحها الاستعمارية، وأنه لولا الدولة العثمانية لما بقي إسلام ولا عرب.

بطبيعة الحال، ينطلق أمثال المرزوقي مِن النهج الإخواني، فدعم الإخوان المسلمين في لبيبا، لبناء دولة إخوانية، هي خطة كادت تنفذ خلال الربيع العربي، ولكن اتضح أن الإخوان ليس وحدهم بليبيا، إنما كانت المفاجأة أن تشتعل ليبيا بمعارك طاحنة بين القوى التي تريد قيام دولة ليبيا على أنقاض نظام القذافي، والقوى الإسلامية التي أرادها الإخوان حلقة من حلقات الخلافة، التي تربط ليبيا بمصر وتركيا وتونس، ثم يتم ربط حلقات الخلافة الإسلامية، بعد أن أعلنوا أردوغان سُلطاناً، والكلام لزميل أبي يعرب المرزوقي ورفيقه ومثاله في الأخونة يوسف القرضاوي.

جعل العثمانيون من المشرق العربي مجرد بستان لسلطنتهم وولاتهم، وربما لم يعرف آلة التعذيب بالخازوق بشر قبل العثمانيين، ولا بناء أهرامات من الجماجم للتنكيل بالسكان

عندما أفصح أبويعرب المرزوقي، والإخوان كافة، عن تضرر إسرائيل من الغزو التركي الأردوغاني، نسوا أو تناسوا العلاقة بين تركيا وإسرائيل، ونسوا أن تركيا الإخوان عضواً في حلف الناتو، وأنها من البلدان الإسلامية القلائل التي توجد فيها سفارة لإسرائيل. فعن أي ضرر يتحدثون لإسرائيل من تركيا الإخوانية؟ أما عن أوروبا فأردوغان ليس لديه أُمنية أكثر من قبول نظامه في الاتحاد الأوروبي، ولم تصل الخلافات مع أميركا بالمستوى الذي يظنه هؤلاء مِن الخطر التركي.إن أشخاصا مثل أبي يعرب المرزوقي، ليس لديهم غير أمجاد الدولة العثمانية، التي يجاهد أردوغان لإعادتها، على أنها حفظت الإسلام والمسلمين، ومعلوم أن الفكرة الإخوانية قامت على ذلك الأمل عام 1928، كي يكون الإخوان الخلافة البديلة، وقد وصل قطاف ثمرة تلك الفترة لولا سقوط إخوان مصر، وكشف حقيقة الإسلام السياسي في المنطقة كافة.

قد لا يُلام العوام مِن أتباع جماعة الإخوان، والحالمين بالخلافة الإسلامية عن جهل، لرفع صورة أردوغان على أنه سلطان المسلمين، ولكن عندما يتبنّى ذلك مثقفاً ومهتماً بالفلسفة، فلا بد مِن وقفة تجاه هذه الظاهرة.

إن مثل هذا الإنسان لم يستطع استيعاب الفلسفة ولا الثقافة الإنسانية، إنما ظل حبيس العقيدة الإخوانية، التي بدأت في العقد الثالث من القرن العشرين ومازالت كما هي في العقد الثالث مِن القرن الحادي والعشرين، وكأن الزمن لا يتحرك ولا يتغير، والأجيال مرتبطة أولها بآخرها.

فما هي الفكرة من تأييد هذا الغزو العسكري المباشر، الذي جاء للدفاع عن منظمات إرهابية، لا علاقة لها بتشكيل دولة أو نظام حقوقي، إنما نظامها مبني على اللانظام، وعلى الغزو والغنيمة، وهي بأي حالٍ من الأحوال لم تختلف عن الجندرمة العثمانية نفسها، التي سيطرت على العالم العربي بذريعة الإسلام، وفي الخفاء كانت تحمل رسالة العثمنة أو التتريك، لذا نادراً لا تجد تركيّا لا يحمل الكراهية للعربي، ولا يكون أردوغان شاذا عن هذه القاعدة.

ليس أسهل من كشف الظلم العثماني للأقاليم التي سيطرت الدولة التركية، القادمة من أواسط آسيا، فهي لم تترك في هذه الأقاليم، والتي هي الآن أصبحت دولا، شيئاً يُذكر، إنما كانت تركيا ولفترة خمسمئة عام حُصر وجودها مِن أجل نهب المال، عن طريق الضرائب الجائرة، وتجنيد المحاربين دفاعاً عن دولة الأتراك، بما عُرف بالسفربرلك. هذه هي الدولة التي يُريد أمثال أبي يعرب المرزوقي مثاله الأعلى، دولة الخلافة، العرب ألا يخافون منها، ويعتبرونها سنداً لهم؟

كيف يكون السند وهو الذي يريد إقامة دولة إخوانية في أي دولة تنالها هيمنته، وإذا أخذنا دول الخليج والجزيرة العربية، التي أخذت وجود خطر جماعة الإخوان على محمل الجد، وصنفتها ضمن الجماعات الإرهابية، لا تجد في تركيا الإخوانية سوى نظام توسعي مخالبه الإخوان في كل مكان، فما بين مصر وتركيا الإخوانية هو الموقف من الإخوان في مصر، وما قامت به الأجهزة الأمنية والإعلامية التركية في قضية الصحافي جمال خاشقجي ضد المملكة العربية السعودية، لا تحتاج إلى متفلسف ومثقف لكشفها الكراهية التي يحملها نظام الإخوان التركي ضد الرياض.

يريد أبويعرب المرزوقي أن تُسلّم دول الخليج مفاتيحها لأردوغان كي تكون بيد الإخوان، لذا هو يرى، حسب منطقه طبعاً، أن تضع دول الخليج إمكانيتها الاقتصادية بيد أردوغان؟ وبهذا تكون في مأمن مِن أي خطر خارجي، وبضمنه وهو الأكثر الخطر الإيراني؟

هل يعتقد المرزوقي أن سامعيه أغبياء إلى هذا الحد، وأنه على حقَّ إلى هذا الحد أيضاً؟ فكأنه لا يعرف العلاقة التي تربط نظام ولاية الفقيه في إيران بنظام الإخوان في تركيا، ولم يعرف أن لتركيا قاعدة عسكرية في قطر تواجه الدول الخليجية الأربع التي قاطعت قطر بسبب تدخلها لصالح الإخوان، وسعيها مع المنظمات الإرهابية إلى زعزعة أمن تلك الدولة.

عندما أفصح أبويعرب المرزوقي، والإخوان كافة، عن تضرر إسرائيل من الغزو التركي الأردوغاني، نسوا أو تناسوا العلاقة بين تركيا وإسرائيل، ونسوا أن تركيا الإخوان عضواً في حلف الناتو

لا نظن أن المتفلسف أبويعرب المرزوقي على هذا المستوى من الجهل، كي يضع تركيا الحامية للبر والماء العربيين، وحجته في ذلك أن السلاجقة كانوا حماة ديار الإسلام، وهم الأتراك القادمون من أواسط آسيا، لكنه لا يُريد أن يفهم بأن السلاجقة قد همشوا الخلافة العباسية لأكثر من مئتي عام، ولم تقم الخلافة من جديد إلا بعد قضاء أواخر خلفاء بني العباس منهم، وعلى وجه الخصوص في زمن الناصر لدين الله العباسي، الذي حكم نحو سبعة وأربعين عاماً، وقد أعاد للخلافة مكانتها.

أما عن الدولة العثمانية، فلم يتجرأ سلاطينها على إعلان أنفسهم خلفاء، لأن ذلك يُخالف حديثاً نبوياً “الأئمة من قريش”، ونحن نعتقد أن المرزوقي كونه إسلامياً يقرّ بهذا الحديث، فالذي لا يقرّه يعتبره الفقه خارجيا، بمعنى الخوارج وحدهم لم يقرّوا الخلافة في قريش وحدها.

اتخذ العثمانيون الإسلام من أجل السلطنة، لا من أجل المسلمين أنفسهم، فبعثات التبشير من أوروبا كان تحمل فرمانات سلطانية، وكذلك بعثات التنقيب الآثارية تحمل آثار المشرق إلى أوروبا برشى للسلاطين، لإصدار فرمانات بذلك.

لقد جعل العثمانيون من المشرق العربي مجرد بستان لسلطنتهم وولاتهم، وربما لم يعرف آلة التعذيب بالخازوق بشر قبل العثمانيين، ولا بناء أهرامات من الجماجم للتنكيل بالسكان.

يبقى القول، إن الغزو العثماني الجديد لليبيا، ومحاولة تمجيده ثقافياً وربطه بتاريخ “الرفاهية والحماية” العثمانية، لا يُعبر إلا عن عقل معطوب بالأيديولوجيا، فكبقية الإخوان أو الإسلام السياسي على العموم، الذين يرون أن تركيا الإسلامية هي تونس وهي ليبيا وهي في كل مكان، فلا حدود جغرافية، فالحدود مفتوحة حيث الأفق العقائدي.

لكل ما تقدم، لا يفهم دور المثقف في تحبيذ غزو بلاده أو جيرانه، أو أوطانه كعربي وكمسلم، بغير استغفال مواطنيه بما يختلقه من محاسن للغزو، وتبريره بنظام هوى قبل أكثر مِن مئة عام.

13