"لورنس العرب" يخلخل المفاهيم ويستقر على فوهة بركان

توصيف مرتبك لما كانت عليه حالة الشرق الأوسط بداية القرن الماضي، ضمن صراعات تخص موازين القوى واتفاق الغرب في إجهازهم على تركة تركيا العثمانية، "الرجل المريض" داخل مشهد الصراعات العالمية.
السبت 2020/05/23
البطولة للصحراء والغنيمة لمن غلب

القراءات المختلفة والمتعددة حد التباين لشخصية الضابط الإنجليزي توماس إدوارد في فيلم لورنس العرب الشهير والذي أنتج عام 1962 وحصل على العديد من الجوائز والتكريم، لا “تفسد للود قضية” كما يقول الراغبون في التصالح مع شأن يستصعبون قبوله ويستسهلون رفضه. “لورنس العرب” فيلم ينتمي لتلك الفصيلة المحيرة من الأعمال الإبداعية التي يقبل عليها المرء بشغف ومتعة ثم يتراجع القهقرى حين تسأله رأيه، وقد فعلت فيه الأحكام المسبقة والآراء الموجهة فعلها.

ولأن “الأذن تعشق قبل العين أحيانا” كما قال الشاعر الكفيف بشار بن برد، فلا ضرر ولا عيب في أن نستخدم مفتاح الموسيقى لقراءة فيلم “لورنس العرب”، ونتلمس صحراء التيه والأسئلة التي رافقت سيرة الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورنس (1888 ـ 1935)، الذي يكلف بمهمة من قبل السلطات البريطانية بمعاونة العرب بقيادة الشريف الحسين بن علي، وابنه الأمير فيصل آنذاك، في حربهم لتحرير جزيرة العرب من حكم الخلافة العثمانية سنة 1916.

تشابه المصائر

عصا الموسيقي الفرنسي موريس جار (1924 ـ 2009) الملقب بذي الألف أذن، تقودنا، كما عصا الكفيف، بين كل خطوة خطاها صاحب كتاب “أعمدة الحكمة السبعة” الذي من خلاله جاء هذا الفيلم كأروع ما يمكن أن يُقتفى من بعده أثر.

يكاد المرء أن يقتنع بأن موسيقى جار في “لورنس العرب” قد تكفلت وحدها بالرسالة، وأقنعت “من به صمم”. كان كل ذلك، لولا فصاحة كاميرا المخرج البريطاني ديفيد لين (1908 ـ 1991) الذي أنتجت له الفيلم، وبسخاء كبير، شركة “سام سبيجل”، وبلاغة الأداء لكل من هبيتر أوتول، الذي لعب دور لورنس، وعمر الشريف بدور الشريف علي، وأنتوني كوين بدور عودة أبو تايه، وأليك غينيس بدور الأمير فيصل.. بالإضافة إلى سحر منطقة “الطبيق” في الأردن التي جعلت الفيلم يحصل على جائزة أوسكار للتصوير.

الموسيقي العبقري موريس جار، أريد له أن يكون وحده في هذه الرائعة السينمائية التي تروي حربا ليست ككل الحروب، ذلك أنها ارتبطت برجل يكاد أن يكون وحده في هذه الملحمة التي تفصل كيانا عربيا ثائرا وحالما عن آخر تركي غاشم ومستبد.. ولكن بمساعدة إنجليزي ثالث، صار في ما بعد يُشك في صدق نواياه.

موريس جار: أعطتني الحياة فرصتين: النجاة من الموت والنجاة من غياهب النسيان
موريس جار: أعطتني الحياة فرصتين: النجاة من الموت والنجاة من غياهب النسيان

هي طريق وعرة، أُوكلت موسيقيا في الفيلم إلى موريس جار، وجعلته يتربع على عرش موسيقى الأفلام، ويتهافت عليه في ما بعد كبار المخرجين مثل ألفريد هتشكوك، وجون هستون، وإيليا كازان وفرانكو زيفريللي ومصطفى العقاد.

تناسى كل هؤلاء أن منتج “لورنس العرب” قد كلفه وحده، في فترة وجيزة ودون معيّة أحد، بتأليف موسيقى هذا العمل الذي أعلنه النقاد كواحد من أفضل 10 أفلام في تاريخ السينما الأميركية بالقرن الماضي.. ألا يشبه ذلك نفس التكليف الذي أحيط بعهدة الملازم الإنجليزي توماس إدوارد لورنس، في إعلان الحرب على السلطنة العثمانية، والإجهاز على “الرجل المريض”؟

لنمض بعيدا في هذه المقاربة التي كنا قد أردناها مدخلا لقراءة فيلم “لورنس العرب” بين مؤلف موسيقي من بلاد “بيكو” وقائد عسكري من بلاد “سايكس” أي الدبلوماسيان الفرنسي والإنجليزي اللذان قسما المنطقة العربية بعد ثورة 1916. أليس في الأمر بعض التشابه في المصائر، وإن اختلفت السرائر بين فنان وسياسي؟

لقد قال موريس جار في حوار أجرته معه صحيفة لوكوتيديان الفرنسية سنة 1994، وذلك بعد حصوله على “نجمة الخلود والشهرة” على رصيف شارع هوليوود التي ترمز لعبقريته “النجوم للمجلات، أما أنا فلست ممثلا بل مؤلف. المؤلفون ليسوا نجوما أبدا، والنجمة هي أسطورة. لقد كنت محظوظا جدا لتمكني من العمل مع مخرجين كبار”.

أمّا الإنجليزي توماس إدوارد لورانس، المؤلف الذي تلوثت كتاباته بالسياسة والمكر الاستخباراتي، فقد غادر الحياة عن سن تربو عن 47 عاما وفي حادث دراجة يشك في أمره. حضرت جنازته شخصيات سياسية وعسكرية مهمة، وضع له تمثال نصفي أمام كاتدرائية القديس بول في لندن. ولا ندري إن كان يجدر الاحتفاء به كمفكّر مغامر أم كمخبر متآمر.

الاثنان يلتقيان عند كلمة تختصر المغامرتين، وقالها موريس جار، نيابة عن لورنس العرب: في الواقع أعطتني الحياة فرصتين؛ الأولى فرصة النجاة من الموت، والثانية فرصة النجاة من غياهب النسيان.

نجاح لم يكتمل

أطلال منزل لورنس العرب في المنطقة التاريخية بينبع  خنجر زين وسط لورانس
أطلال منزل لورنس العرب في المنطقة التاريخية بينبع خنجر زين وسط لورانس

ما السر الذي يجعل من حكاية مغامر إنجليزي برتبة ملازم، ينخرط في عملية عسكرية ذات طابع تجسسي في الصحراء العربية وقد فتن بها، وأخلص إليها أكثر من إخلاصه لأهلها الذين تركهم لمصيرهم، وكأن مهمته قد انتهت هنا، وبنجاح منقوص؟ لا شك أن هذا “النجاح” قد كان “منقوصا”.. وإلا لما كان هذا الفيلم.. وما كان ذلك التصوير الملحمي الذي بلغت تكاليف إنتاجه 15 مليون دولار، وتوزع بين الصحراء الأردنية بمنطقة وادي رم، ثم مدينة ورزازات بالمغرب، ثم إسبانيا وبريطانيا وهوليوود.. ومن ثم 7 جوائز أوسكار، و4 جوائز غولدن غلوب، والكثير من الجوائز الأخرى.. والحديث الكثير عن قصة تدور حول فكرة “نجاح لم يكتمل”.

لا غرابة في رصد سيرة جاسوس إنجليزي يخدم مصالح بلاده مثل ما جاء في سيرة توماس إدوارد، الملقب بـ”لورنس العرب”، ووصولا إلى من سوف يأتي بعده كجيمس بوند، المكنى بـ”العميل 007″ كما تصوره كاميرات الإثارة. لا جديد في إخبار القارئ وإدهاش المتفرج بقدرة إنجليزي على اختراق الشرق وتنويم أهله، والعالم، مؤكدين على أن أحفاد شكسبير، هم سادة اللعبة وصانعو الكراسي والأمجاد الدائمة والزائلة على حد السواء.

باختصار شديد.. لا جديد في قصة لورنس العرب غير فيلم “لورنس العرب”، ذلك أن التحدث عن الأفعال أحيانا، أهم من تلك الأفعال غالبا.

عرب متعطشون للاستقلال عن الدولة العثمانية في أوائل القرن الماضي، عانوا الأمرين من سلطة ظالمة تحكم باسم الخلافة الإسلامية، وتستثمر حتى المقدس مما جاء به الموروث العربي ضد الكيان العربي، في نوع من الوصاية القاهرة الظالمة.

يقرأ ويتفطن إلى هذا المشهد، عقل غربي يقظ، يستفيد من المتناقضات، يستنهض العصبيات، ويصطاد في المياه العكرة.

شأن سينمائي

انتفاضة العرب ضد العثمانيين.. وعي الضرورة وضرورة الوعي
انتفاضة العرب ضد العثمانيين.. وعي الضرورة وضرورة الوعي

ربما كان هذا توصيفا مرتبكا واختصارا مجتزئا لما كانت عليه حالة الشرق الأوسط بداية القرن الماضي، ضمن صراعات تخص موازين القوى، واتفاق الغرب في إجهازهم على تركة تركيا العثمانية، “الرجل المريض” داخل مشهد الصراعات العالمية، مثل حيوان مستضعف، وفق منطق القوة والبقاء للأصلح.

كل ما في الأمر، وما في الفيلم، أن السلطات البريطانية استدعت الضابط توماس إدوارد (لورنس العرب) الذي عرف كعالم للآثار في تلك الفترة، وعينته على قسم الخرائط لتتأكد من صحتها على أرض الواقع.

علاقة لورنس بالعرب وإتقانه للغتهم ولهجاتها البدوية المتفرعة عنها، جعلت هذا الفهلوي المغامر يوهمهم بأنّه يريد مساعدتهم في التخلص من النفوذ التركيّ.. وهو مطمح العرب وغايتهم آنذاك. أين يتوقف دهاء العرب من مكر الإنجليز، وعند أي نقطة يلتقيان أو يختلفان؟ هذا سؤال في عهدة صناع الفيلم وقرائه أيضا.. إنه شأن سينمائي بامتياز.

كيف يلعب رجل أعزل، بسيط ومستضعف في ظاهره، بقبائل وشعوب ومصائر، يزلزل عروش الأتراك العثمانيين من تحت أقدامهم، يستنهض همم قوم لا يسلّمون رقابهم بسهولة.. ويصنع ما لم تصنعه جيوش نظامية وسياسات حكومية صريحة.

آل لهذا الإنجليزي الماكر كل ذلك، بثوب عربي فضفاض، بلهجة بدوية طوعها تحت لسانه الأعجمي، وبعلاقات ومسامرات ودسائس ومؤامرات لم يقو عليها دهاة العرب، من أولئك الذين خبروا قسوة الصحراء وروعة واحاتها.. ألا يستحق هذا الرجل الإعجاب والتصفيق، سواء كان ممثلا في مسرحي السياسة أو التمثيل؟

وبغض النظر عما آلت إليه الأمور، فإن لورنس حقق نجاحات باهرة في نظر المؤمنين بفكرته، نصّب حكومات وأسقط أخرى، نصّب ودفع بأسماء مثل نوري السعيد في بغداد، وهمّش وأحرج أخرى مثل الأخوين جزائري في دمشق.. انتصر للإنجليز في المنطقة ثم عاد ليكتب “أعمدة الحكمة السبعة” في مسقط رأسه.. ومن هنا تبدأ حكاية “لورنس” في النسخة الفيلمية التي أبهرت العالم فنيا قبل أن تبهره سياسيا أو أيديولوجيا.

“لورنس العرب” كان شريطا مدهشا بكل المقاييس، فعلى الصعيد الفني استوفى الفيلم جمالياته من حيث الأداء التمثيلي والتصوير الفني بكل ما رافقه من “لزوم ما يلزم” دون تقشف أو إفراط، ولكن بسخاء يليق بوجهته الإنتاجية ونواياه الهوليوودية.

لا إدانة واضحة ومكتملة الحجج والقرائن في الفيلم إلى جهة دون غيرها. لورنس، بدوره، قد يكون مغفلا ومغررا به كما هو حال العرب في مقاومتهم للأتراك، التجاوزات التي ارتكبتها السلطات عند وقوع لورنس في أسرها، لا تتحملها الدولة كاملة، العشائر العربية تحمل نبلا لا مثيل له في التعامل كما تظهر قسوة وغلاظة منفرة.. باختصار، لا طرف يدعي العفة الكاملة، الجميع مدان، الجميع مغفل ومخدوع.

ليس في الأمر تعويم، ولكن طرح وجودي لا يبرئ أحدا ولا ينتصر انتصارا مطلقا لأحد؟

البطولة في “لورنس العرب” للصحراء وحكمتها، وحتى “أعمدة الحكمة السبعة” التي ألفها لورنس، كانت بعد فوات الأوان، ولم يستفد منها الملازم البريطاني منها الشيء الكثير، ذلك أنه خذلها وخذلته مثل كل صاحب حكمة أمام أول تجربة على المحك.

سذاجة طهرانية

شتيفان فايدنر: إن لورنس بصفته نقيض البطل كان أكثر من بطل سلبي محطم الآمال
شتيفان فايدنر: إن لورنس بصفته نقيض البطل كان أكثر من بطل سلبي محطم الآمال

خيبة الأمل هي ثيمة كل الأعمال الكبيرة، واسطة عقدها وجوهرة تاجها، ذلك أن الهزيمة هي قدر الكبار، أما الانتصارات، فانتصارات تأتي على حجم الأوهام التي تشبه نهايات قصص الأطفال، وأحلام البسطاء والمغفلين.هل من المعقول أن تدور بكرة العرض السينمائي طيلة ساعات ونصف الساعة كي تروي قصة ملازم إنجليزي يكلف من قبل السلطات البريطانية بمهمة مؤازرة العرب بقيادة الشريف حسين بن علي وابنه الملك فيصل بن الحسين في الحرب لتحرير العرب من حكم الخلافة العثمانية، ويكون ذلك ذريعة لتقديم لمحة عن حال العرب في تلك الفترة والتي كانت مشبعة بروح القبلية؟

هل من المعقول أن ينتج الأميركيون والبريطانيون فيلما يدين نوايا أسلافهم بهذه السذاجة الطهرانية والتعصب للعرب والعداء للأتراك؟

الأمر أبعد وأشرف وأرق من هذا بكثير، وقد يكون أخبث أحيانا، لكنه إخلاص لطرف واحد وتحيز سافر له.. هذا الطرف اسمه “السينما”.

وفي هذا الصدد يقول الناقد السينمائي الألماني شتيفان فايدنر “إذا كان لورنس لا يزال، حتى اليوم الراهن، يجسد قدوة للآخرين، فليس بوصفه الإنسان، الذي جعلت منه وسائل الإعلام بطلا متعاظما، بل بصفته الإنسان الساخط، الإنسان الخائب أمله، المضيع أحلامه، الإنسان الذي، نذر حياته لأمر، كان، هو نفسه، يؤمن به بشك ولا يطمئن إليه بلا ريب، وظنون”.

ويضيف الكاتب المتخصص في تحليل تراجيدي للشخصية بمجلة “فكر وفن” حول الفيلم “إن لورنس، بصفته نقيض البطل، كان أكثر من بطل سلبي، محطم الآمال. ففي المقام الأول الذي أساء المرء فهمه، وأخطأ في سبر غوره، وعجز عن تشخيص روحه، إنسان، ما كان يستطيع، تحديد هويته، من خلال الدور الذي نهض به، إنه ليس ذلك الإنسان، الذي يبدو لنا”.

لن نكون حتما حياديين تجاه لورنس العرب، ذلك أن جرحنا من السلطنة العثمانية مازال يجرح ويتجدد، من يساند عرب اليوم أقل بكثير مما كانوا عليه أيام الثورة العربية الكبرى، لكن ماذا لو تعلمنا قليلا أن القناعات السياسية يجب أن تبقى على مأمن من الانحيازات الجمالية.. دعونا لا نطلب من لورنس أن يكون عربيا أكثر من العرب.

16