لوحات سمكو أحمد حكايات لجراح لا تندمل

فنان عراقي يستشرف المجرد من عوالم يمتزج فيها التاريخ بالألوان.
السبت 2021/08/14
إعدام وردة

تتّخذ أعمال الفنان الكردي العراقي سمكو أحمد في مجملها طابعا سرياليا، وهو الذي يتّبع من خلالها أسلوب الواقعية الساحرة، جامعا في لوحاته بين المطالب الحقوقية للإنسان عامة، باعتباره أحد العاملين في الإغاثة الإنسانية، وبين رؤاه الجمالية التي تفيض بحساسية خاصة تجاه وطنه ومعاناة أهله من ويلات الحرب.

سمكو أحمد فنان تشكيلي من كردستان العراق، شاءت الصدف أن يكون عمله في اليابان كمهندس وهناك درس الفن في معهد الفنون الجميلة بطوكيو عام 1998، ومنذ ذلك التاريخ وهو عضو في مركز جالا الفني (مجلس الإدارة اليابانية للفنون الدولية/ اليابان وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية) الذي يضم في عضويته أكثر من ستمئة فنان وفنانة ومن مختلف دول العالم.

وفي هذا المركز صالة خاصة أو جناح خاص بالفنانين التشكيليين الكرد باسم كردستان يتم العرض فيه سنويا ما بين خمسين وستين عملا للفنانين الكرد ذاتهم، ولسمكو الدور الأكبر في ذلك، فهو المسؤول عن الاعتناء والاختيار للأعمال الفنية من الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.

سمكو أحمد يمنح الصمت ألوانا قادرة على توليد حقول لا متناهية من الدلالات والكلمات
سمكو أحمد يمنح الصمت ألوانا قادرة على توليد حقول لا متناهية من الدلالات والكلمات

انفجار عذب

الفنان الكردي العراقي يبرز العلاقة ما بين اللوحة كعمل فني والبعد الرابع كفاعل يثير القول البصري عفويا بوصفها لا كتقليص لزاوية النظر بل كاتصال معرفي منه ينبثق من قواعد القراءة والتأويل ويرسي حالاته على حالات باتت مألوفة في إنتاج المعطيات الحسية التي تخصّ هويته، والتي تتصل بفضاءاته ذات الملامح التي تدل على قدرته في استشراف المجرد والمدهش من عوالم محشوة بالتاريخ والألوان.

وهو يأخذ على عاتقه دراسة مجموعة علامات قد تكون أبجدية حياة داخل حياة، فالوحدات اللونية عنده منطوقة بسلسلة من التجاورات تحكمها بدورها مجموعة علاقات تؤدّي حتما إلى تدعيم سياقاته باعتبارها مضمونا زمنيا مرتبطا على نحو كبير ببداية ونهاية إدراكه لفضائه كواقعة بصرية يفترض قراءتها في اللحظة ذاتها، فرائحة إرسالياته حينها تكون متفاعلة جدا مع الأبعاد كلها، خاصة تلك العمودية منها المرتبطة بألوان خاصة في زاويتها المنفرجة، المائلة الباردة التي تنتقل بنفس روحاني، والأفقية الحارة التي تجمع دلالات في حالتي السعادة والتعاسة.. إلخ.

فهو يمنح الصمت ألوانا قادرة على توليد حقول لا متناهية من الدلالات باعتباره تعبيرا تشكيليا، وكلاما لا ينتهي، فالتركيز على مشهده البصري يبدأ من الطواف في الحواف أولا، ثم الانعطاف نحو مركز العمل أو ما يسمّى بؤرة العمل، وهنا يكون الانفجار العذب الذي يجنح بدوره إلى الارتباط بالممارسة الإنسانية بوصفها حالة إبداعية في حالتها القصوى.

وفي ذلك يقول أحمد “الفن رسالة إنسانية وملونة، حيث تتراقص أصابع الخلق على أصوات الفكرة، والجمال والواقع”.

من هناك يبعث الفنان العراقي رسائله بإدراك متّسع إلى الضمير الإنساني مفادها أن النور الموجود في العيون، والحب الموجود في قلوب البشر يسافرون على طرق التاريخ الحقيقية والعريضة.

وهو يرى أنه “إذا لم تكن رسالة الفنان تتعلق بشؤون الإنسان ومعنى الحرية والمساواة، فبوابة التاريخ لن تنفتح أبدا، وسيظل الفنان خارج التاريخ وجاهلا بالمستقبل”.

حكاية البسطاء 

سريالية بأبعاد إنسانية
سريالية بأبعاد إنسانية

أحمد يروي لنا حكايته البصرية بشغف زائد أشبه بشغف الجائع لطريدته، فيفتح قوسين من لون بينهما بياض عليه يروي حكايته البصرية تلك، حكاية فيها من الحزن والسجال الشيء الكثير، فيقدّم نماذج بشرية لا تكفي الآلاف من المقالات الصحافية في رصدها وسردها، إلاّ أنه يفعلها باللون ويلخّصها بالبرتقالي ويرصدها بالسرد الذي يقف وراء تكويناته البصرية المشبعة بالواقعية السحرية، بل الأقرب إلى السريالية.

حكايته هي حكاية البسطاء على هذه الأرض، الصائمون عن الكلام والهواء، فثمة مستحقات عليه، محفوظة في السجل الطويل، وهذا ما يدفعه لمراقبة الضوء وهو يتشظى في أسطحه فارضا عليها الصياغة بتفاعلية زمكانية/ روحية وبانقياد نحو إنتاج المشهد ذاته للقبض على المجمرة التي ترتادها المغامرة ورموزها.

وهو يقول “نحن بحاجة إلى لسان حر حتى ننشد أنشودة حرة؛ وعلينا كسر الأغلال التي تكبل أيادينا حتى نتمكن من الرسم بصدق”.

هكذا ينتج أحمد بنبرة المتحمس للرغبة اللامتناهية أشكالا من التعبيرية المختلفة ترتبط إلى حد كبير بحقول تيارات متعدّدة بتناقضاتها الكثيرة والمتغيرة، ويمكن القول في هذا الجانب إن مستوى تكويناته بعناصرها المجردة قد تتحوّل إلى حامل لدلالاتها تسهل عليه تحديد البؤرة ورصد تموجاتها وهي تنتقل من دائرة ضيقة إلى تنويعات ممكنة.

كل ذلك يحصل عنده وفق استراتيجية تمليها عليه تلك الفرضيات التي تنتج عبر أنامله وتثير اهتمامه واهتمامنا معا، والتي تستند على قيم جمالية يسعى جاهدا لتحقيقها أولا وترسيخها ثانيا، وفق مهارات قابلة للاشتغال عليها من خلال استعمال عناصر منسجمة إجرائيا، متناظرة انتقائيا، تبعا لاستثمار المضامين وتجديدها، بل توليدها مع الانحياز التام لمقولاته التي ستشكل منطق بناء لوحته/ عمله، وعليها يعلق الكثير من محاوراته الصامتة.

ولا يتجاهل أحمد ما يجري حوله من خراب الإنسان وتدميره، فكل ما يجري حوله هو سريالي على نحو ما، وهذا ما دفعه إلى التعبير عن ذلك بذات اللغة، أي بسريالية تمسّ عمق العلاقة ما بين الإنسان والإنسان، فلا يكتفي بإحصاء العلامات التي تتسرّب من الذهن إلى بياض العمل، بل ينتج تقابلات تفضي بالزمن المتحوّل في الجسد الفائض بالمعنى إلى جزيئات الحياة وهي عارية إلاّ من لحظة موتها، وهذه قد تكون جوهر حكايته التي يمسك بها كواقعة دالة والتي سردها لنا وما يزال.

وسمكو أحمد فنان كردي متخصّص في الفنون الجميلة، ولد في السليمانية، جنوب إقليم كردستان العراق، درس الهندسة المدنية في جامعة صلاح الدين في تسعينات القرن الماضي، ثم حصل على درجة الماجستير في التصميم والهندسة من جامعة طوكيو عام 2003، وخلال الفترتين التحق بمعهد الفنون الجميلة في طوكيو عام 1998.

الفنان الكردي العراقي يبرز العلاقة ما بين اللوحة كعمل فني والبعد الرابع كفاعل يثير القول البصري عفويا
الفنان الكردي العراقي يبرز العلاقة ما بين اللوحة كعمل فني والبعد الرابع كفاعل يثير القول البصري عفويا

وشارك الفنان في أكثر من خمسين معرضا وبينالي فنيا حول العالم، على غرار بينالي جالا في متحف طوكيو متروبوليتان، كما شارك في أكبر بينالي في آسيا وهو كوناجو بينالي في كوريا الجنوبية، ومان بلاس سبيس 2000 جالا بينالي في متحف سيول متروبوليتان، وتايوان، وغيرها من الفعاليات.

وهو إلى جانب اهتماماته التشكيلية، أحد عمال الإغاثة الإنسانية، حيث عمل لسنوات ضمن منظمة “بيس ويندز جابان” اليابانية غير الربحية، وانتقل للإقامة في طوكيو عام 1996، ويشارك في مشروعات إنسانية حيث يعمل مهندسا مدنيا لمساعدة المجتمعات المحلية في إعادة بناء بنيتها التحتية خلال الحروب أو الكوارث الطبيعية أو بعدها، كذلك شارك في الكثير من البعثات إلى صراعات البلقان في كردستان وكوسوفو والبوسنة وألبانيا وليبيريا وسيراليون وأفغانستان وباكستان وغيرها.

15