لوحات تشحن الخيال بواقع فقد كلّ ملامحه

السوري شفيق إشتي يحوّل الحلم إلى ملحمة تراجيدية بصرية.
الثلاثاء 2021/09/07
سحر الرقص مع الألوان

يُعدّ الفنان التشكيلي السوري شفيق إشتي الذي اجتمعت فيه الموهبة واقترنت فيه الحنكة الأدائية بسعة الخيال الجامح، أحد أهم فناني جيله، فهو يمثل بلوحاته المعاصرة ذات التجارب الأسلوبية واللونية، ثمرة طبيعية لمشواره الفني الطويل الذي استمر مخاضه أكثر من ثلاثة عقود في البحث والتجربة، لتكون المحصلة مزيجا سحريا بين العواطف واللون.

لا يمكن أن تتمالك ذاتك وأنت تعوم في بحار الفنان السوري شفيق إشتي (مواليد السويداء في العام 1958) وعوالمه اللونية، لا يمكن أن تبقى سائحا عابرا وأنت تجوب فضاءاته السحرية، بل لن تحافظ على توازنك مهما كنت واثقا من عمل الحفريات المعرفية فيك وفي ملامحك الحاملة لكل مفاتيحك وأنت مقبل على فتح صناديقه السوداء.

لا يمكن ألاّ تتلوّن دواخلك بالغضب حينا، وبالقهر في حين آخر وبالعجز في أكثر الأحيان وأنت تقرأ ملحمة إشتي وتراجيديته، بخصوبة ملوناتها وسحرها، وبالصبغة المعاصرة لأشكالها وتكويناتها، وبالكم المتدفّق من مأساتها التي تقول معزوفته الخالدة عن آلامه الداخلية وآلام شعبه الداكنة بكل حركيتها ومحتواها.

فإذا كانت تلك الملحمة بوصفها لسان حاله ولغته المليئة بالارتفاعات والانخفاضات، المليئة بالمتاهات والتداخلات، بوصفها أداته الأكثر تعبيرا عن أشكاله الخاصة التي ستوحي بأحاسيس ما بين الطموح والكشف التي بها ستزداد قناعاته بأنه من الممكن توظيفها في توسيع دوائر فلسفته وذاكرتها، فهي قاموسه البصري بها يشحن الخيال بواقع فقد كل ملامحه.

تراجيديا غير معلبة

الخصائص الشكلية لعمل إشتي وحدها كافية لحدوث فعل الحضور وفاعليته مع إبراز أهمية المعايير الفنية التي ينحاز إليها

وحدها رؤى إشتي المليئة بالأوجاع بقيت قادرة على التقاط التلاحمات المقامية التي تثور منها تجاورات مبتكرة ويشعل أعواد ثقابها حتى تومض في المعابر كلها، فتولد تراجيديته بنماذجها غير المعلبة، والمنجزة بدقة متناهية حتى تتكامل بما يناسبها من مساحات رحبة ومفتوحة على التداخلات الإنسانية وتغييراتها بقيمها المعرفية، بخصائصها التعبيرية التي تكاد تفسّر وجود الحركات الحزينة وانكساراتها بديناميكية ترتبط بالرؤية وعلاقاتها بالتعبير وحالاته ضمن تصنيفات لها دلالاتها الرمزية بعد أن تخفي ما تحتاجه من تفاصيل وأحاسيس توزّعها بين كرّ وفرّ في دواخلها لتضعها في ما بعد كأساس حقيقي لذاتها المتحركة، ولمداها بتحوّلاتها السريعة والتي ستشكل انتقالات غير آنية بل مركبة يدخل فيها أكثر من عامل بما فيها أبعادها الخاصة التي تحمل أحكامها الجمالية في عمق محدداتها اتساقا وتفضيلا.

وهذا ما يجعل منتجه حاضرا كأحد الكنوز الفنية التي لا يمكن تجاهله أو تركه في إحدى الزوايا مهملة، فالخصائص الشكلية لعمله وحدها كافية لحدوث فعل الحضور وفاعليته مع إبراز أهمية المعايير الفنية التي ينحاز إليها، إن كانت ما تميّز كائناته المتطوّرة التي تساهم في مقارناتها بالكائنات الأعلى تطوّرا، والتي ستؤثر في رسم فردانيته بالانتقال من سلوك يعكس توقعاته إلى سلوك استكشافي به يرتقي بمهاراته وقدراته والتي ستجعل تفضيلاته الجمالية خاصية مميزة له.

خاصية ترتبط بمفاهيم الخبرة لديه كعمليات مفترضة تسمح للشعور بالطغيان عليها، فالأمر هنا مستمد من التمعّن في التفكير الذي يجعل المرء ساعيا نحو مناطق الخطر لمواجهة التحديات الجديدة والاستمتاع بالانتصار عليها، والتي ستولِّد نوعا ما من الإشباع الانفعالي.

كل تلك المشاعر التي يصعب التعبير عنها في الواقع يحوّلها إشتي إلى حالات خيالية تحقّق بعض حاجاته المهمة، وتفتك بمخاوفه المختلفة حتى يبلورها بوسائله المعينة والمخبوءة بين استثاراته وقيمها الإيجابية في البحث عنها وعن مظاهرها، أقلها عمليات الارتياح التي يحصل عليها، فهو الحالم الذي يحوّل الحلم والأشبه به إلى ملحمة تراجيدية بصرية.

معزوفات بصرية خالدة

لوحة تستحضر روح الأمكنة المدمّرة
لوحة تستحضر روح الأمكنة المدمّرة

يهتم إشتي بالجماليات التجريبية وبكيفية حدوث استجاباتها، وهو يثير خصائصها التي تتّسم بالإيجابية والمزدحمة بمستويات مختلفة، والمكسوة بالأسى والزفرات والتنهيدات العميقة.

وإذا ما حاولنا أن نفحص إستراتيجياته عن قرب فسنرى أنها تأكيدات حاسمة لفرضيات عليها تنطوي حضوره دون انتهاكات للذات، ودون الزعم بأن ما يحدث هي فصول يصعب فهمها، أو هي مفاتيح لإيماءات يعتقد بأنها قد تكشف النقاب عن ستائر دواخله بوصفها الدعوة الصريحة عن الكشف عن مكامن الألم دون أن يرتب النتيجة، وعليها فإنه ينسق اختلافاتها كمسائل في غاية الصعوبة، فما يتّضح في الحضور قد لا يتضح في الغياب، أو العكس، وما يظهر في الأسلوب قد لا يظهر في المضمون، أو العكس.

إشتي يهتم بالجماليات التجريبية وبكيفية حدوث استجاباتها، مثيرا خصائصها المكسوة بالأسى والتنهيدات العميقة

الفنان هنا ينسج ظلالا محتفظة بمفاهيمها الخاصة، وإن كانت مسكونة برؤية صارمة قادرة أن توعز التبعية لها، فالمسألة هنا هو التعامل مع الخصائص التي يعيد تحريكها بدافع جمالي وبما عليها من رموز، فيبدأ بتفكيكها وهذا سرّ من أسراره، ثم بطريقة ما يبدأ بجمعها من جديد وهذا سر آخر من أسراره بوصفه إحالات اختلافية من سلسلة تعطي لمشهديته تقييما عاما ومميزا، إن كانت بدلالاتها الاستبدالية أو بصورها المختلفة والعائمة بين الواقع المستغرق فيه والخيال المستيقظ فيه.

فينبغي عليه ألاّ يغفل هذه اللحظات بل عليه أن يقتفيها، لا هربا من متاهة قد يطلب منه صياغتها، وإنما أن يحاول الإمساك بخيوطها التي تشبه خيوط النسيج الموجود في ملحمته التراجيدية، حيث كل شيء فيها قابل للتساؤل والتوسّع فيها حتى تنساب من شبكة ألوانه وكأنها في هجران أبدي من صفحاته البيضاء، أقصد، من مساحاته التي باتت طرقا منها يتحسّس الممرات الكثيرة التي قد تخرجه إحداها إلى حيث الشمس المشع بالرماد والسواد.

أعمال إشتي غير هادئة، بل صاخبة إلى حد الألم، ورغم ذلك فهي مشحونة بكم هائل من الطاقة التي تذهب بها وبتكويناتها الفائقة التركيب نحو ديناميكية هي التي ستمزج كل القوى النشطة فيها، بل ستمزج كل مستويات تركيباتها الفنية والتي ستتطلب بالضرورة وجود قدر كبير من الخبرة ولا يخلو ذلك عند الفنان السوري. فلشفيق إشتي باع طويل في ذلك بما فيها اعتماده على أصالة أحكامها الجمالية ضمن أنساق مختلفة لكل منها مظاهرها الخاصة، وانتماءاتها الخاصة، ومركزيتها الخاصة التي ستحمل ثقلها بلحنها الذي سيثير في حواسنا إمكانات الإحساس بالشكل وبالقدرة على إطلاق العنان للخيال، بلحنها الذي سيثير فينا كمّا هائلا من الانفعالات العاطفية التي ستكون مدخلا لتنشيط مجالات للاستمتاع الجمالي مع تحفيز كبير لعمليات التذوّق مع ظهور تنويعات مختلفة تتردّد على تحديداته البسيطة منها والمعقدة دون أي اتكاء على المعايير المألوفة.

16