لوحات السوري محمد صفوت تتدفّق ألوانا كالفرات في فيضانه

التشكيلي محمد صفوت يقود السرود المصوّرة الجديدة والموحية بتتابع للقطات تجتمع في مشهد مصوّر مع انتقالات الزمان والمكان.
الثلاثاء 2021/08/03
مرئيات غير مسحورة بالفولكلورية

تتميّز أعمال الفنان السوري محمد صفوت بالألوان الانطباعية سواء عند تصويره للمناظر الطبيعية أو اللوحات الشخصية، حيث تنعكس الطبيعة في أبهى تمظهراتها أحاسيس منسابة كفيضان نهر الفرات الذي إليه ينتمي وإليه يلوذ. وهو له في ذلك قدرة خاصة على وضع المؤثرات الجمالية في أعماله الفنية التي تجعل مشاعر المتلقي تهتزّ لها، وتجعله يعيش معها، ويستمتع بها، ويجعلها جزءا من حياته، ورصيدا يزداد على مرّ الزمن.

محمد صفوت ابن مدينة حلب السورية، فيها فتح عينيه على قوس قزح الحياة، وعلى ألوانها السبعة، ويبدو أنه كان مجبولا بها، ولهذا بقيت كتفصيلات مؤثرة فيه، وفي إضاءة روحه، وإغنائها بأحاسيسه ورؤاه، كان ذلك في العام 1949، وفي العام 1972 حمل تلك الروح بقوس قزحها واتجه بها نحو مدينة الرقة لتشهق بألوانها هناك وفي نهرها الجميل.

نهر الفرات الذي أصبح في ما بعد صديقه الأقرب والأعز، بل كأهم صديقين قادرين على أن ينصتا لبعضهما بعضا على امتداد ثلاثة عقود وأكثر دون ضجر ودون تذمّر، وكل منهما يسرد حكايته للآخر، الحكاية التي لا تنتهي، بنبضها وطعنها، بصخبها وهدوئها، بعشقها وأسرارها وبكل ما يمكن أن يترتّب عن علاقاتهما الزمكانية.

محمد صفوت: اشتقت لضفافك أيها الخالد، اشتقت إليك يا فرات

وحين افترقا قسرا، بعد أن اتجه صفوت نحو بيروت بقي الفرات في بيته لم يبرحه قط، حاملا قصبه ونايه ليعزف نشيده الحزين، وحين طال به المكوث بعيدا وبدأت سيمفونية الشوق تعزف بين خلجاته، قالها بصوت عال “اشتقت لضفافك أيها الخالد، اشتقت إليك يا فرات”. كان شوقه للفرات شوق عاشق لحبيبته يكتوي نارا ووهجا.

في الرقة ساهم صفوت مع أسماء أصبحت جلّها مهمة في الحراك التشكيلي السوري ولكل منها قامتها، كالأخوين محمود وعبدالحميد فياض، والأخوين طلال وأحمد معلا، وفواز اليونس وعنايت عطار، وموفق فرزات، وفهد الحسن وآخرين.. في تأسيس تجمّع فناني الرقة، التجمّع الذي لعب دورا مهما وكبيرا وفاعلا في الشارع التشكيلي السوري.

ومحمد صفوت أو “شيخ البورتريه” كما قيل عنه، لتفوّقه فيه، وهو الذي يعدّ من كبار فناني البورتريه في سوريا وله تلاوته في ذلك، وبمحاكاة ملائمة لإبداع خصيب يستثمره الفنان بخصوصية أسلوبية وبنائية، مستعيدا زمن التفاصيل والنسغ الدقيقة، زمن التنوّع والغنى بمبادراتها، فهو وبخبرته الشخصية وتحت شروط داخلة في محيط ثقافاته وخلجانها يواجه اختبارات في صيغ بحثية متعلقة بإشكاليات مطروحة لطموحاته وعواطفه على نحو وقائع منتجة في ذاكرة ترفض نسيان الملامح ومفرداتها.

هو يقود السرود المصوّرة الجديدة والموحية بتتابع للقطات تجتمع في مشهد مصوّر وبلقطات مع انتقالات الزمان والمكان، وكأنها من شريط وسيط مؤهل لدراسة أعمق، فما يميّز منتجه أيضا قيمته المهنية الدقيقة إلى جانب قيمتها الفنية، فهو الرابط بين عناصره بحذر شديد وبتعاظم وتداخل حتى تخرج وجوهه (بورتريهاته) من وطأة الرتابة مخففا بذلك ذرائع تقطيعاته الكثيرة وهي في بلاغتها التعبيرية غير الشائكة مع ابتداع الشخصية وصياغة مجرّداتها بقناعة مفتوحة على تبطين المعنى، وتعميق الفهم والاحتفاء بجمالياته، والتي كان لها تأثيرها المميّز في جيل لاحق، الجيل الباحث عن كل ما هو مختلف، الجيل الذي يُسهم في إضفاء المزيد من الحيوية على المنجز الثريّ لتجارب السابقين الذين تتلمذوا على فرشاتهم وألوانهم.

عنه يقول صديقه الفنان التشكيلي جورج شمعون “سعى محمد صفوت باحثا في إشكالية الهم البصري، فتعدّدت أساليبه وألوانه، إلى أن وجد أن لا جدوى من الخوض في التعدّدية، وأن التعدّدية الأسلوبية ضرب من العبث، هذا الهاجس الذي أتعبه، أخذه إلى البحث المطوّل لتحقيق ذاته، وفعلا استهدى إلى إيجاد نفسه في البورتريه وأتقنه، وصار له حضور سوري في هذا المجال، لقد أوجد لغة بصرية خاصة، أضفى عليها رومانسيته الخاصة، فيها إضفاء روحاني يلامس به وجدان المتلقي، ليتعاطف مع صاحب البورتريه المرسوم”.

وينتمي فن “البورتريه”، وهي كلمة لاتينية تترجم بالعربية وتعني “الصورة الشخصية”، إلى جملة الفنون التي نشأت عبر التاريخ، فلا يوجد تاريخ محدّد لانطلاقته كفن، ولعل القرن الثامن عشر ميلادي، كان نقطة تحوّل حاسمة في الفن الأوروبي في توسع انتشار هذا الفن، ولكن في العالم الشرقي، ما زالت هناك محاذير دون انتشار هذا الفن خارج النخب الفنية أو الاجتماعية.

وعن اختياره للشخصيات التي يرسمها، يقول صفوت “غالبا ما تكون وجوها مميزة فنيا، تحوز إعجاب الفنان، لما تتصّف به من مكونات تعبيرية، من تشريح وجمال و’فوتوجنيك’، وغالبا ما تكون ملكي ولي حرية التصرّف فيها، بالاتفاق مع أصحابها طبعا، أما الشخصيات السياسية أو الفنية أو الاجتماعية، فعادة ما أرسمها بناء على العلاقات الشخصية بيننا، أو أحيانا تكون بتكليف رسمي، وتنفّذ بناء على اتفاق موقع أو اتفاق شفهي”.

أما عن التنفيذ، فيقول الفنان “إنه حسب رغبة الشخص، فهناك نوعان من الرغبات، بعضهم يريد البورتريه نسخة عنه أقرب ما تكون إلى الصورة، ومنهم من يترك لي الحرية في الرسم، حتى لو وصلت نسبة الشبه إلى حدود الأربعين في المئة فقط، وإذا كان الفنان حرا في الأداء، سيكون ذلك على حساب الشبه، وبطبعي أختار أن أتّفق مع رغبات أصحاب اللوحات”.

فضاءات لا عقد فيها ولا غموض
فضاءات لا عقد فيها ولا غموض

الجانب الآخر الذي أجاد صفوت اللعب في ساحاته هو الطبيعة ودقة الوصول إلى ذاتها، وبفهم غير اعتيادي، فهو ما زال يلعب ضمن أسس تقليدية للعمل الفني، أسس أقرب إلى حقيقة الفن من وجهة نظره على الأقل، فالطبيعة ملاذه، وماتيس قد يكون قدوته في ذلك، فهو في كل مرة ومع كل لوحة يغوص في العمق ليخرج كنوزها إلى السطح.

ولهذا لا تحتاج إلى جهد كبير لجمع تلك الكنوز، وبانطباعية واقعية التأثير، فهو لا يغامر بالدخول إلى عوالم قد تكون غريبة إلى حد ما، وبالنسبة له على أقل تقدير، لا يغامر بطرق أبواب يعرف سلفا ما وراءها، ولهذا ينبض على السطح كفيضان جدير بالاكتفاء بالتأمل وبترميم ما تيسّر له من فضاءات لا عقد فيها، ولا غموض.

وحدها المسافات الجمالية تضفي عليها أصالة لغة وواقعية الواقع المقترنة بقيم إنسانية، وبرحابة ملامح السياقات في تطوّراتها التي تمتصّ عزلة الأمكنة والأشجار والبراري، فهو يحيل لحظات اجتياح الطبيعة وأروقة المدينة القديمة إلى نبوءات يسوغ مآله بتكوينات تحمل من العناصر ما تقوده إلى خبايا الألوان بنزعاتها التي تستجيب لعدساته واختياراتها.

وهو في ذلك يلتقط أنغامها المتداخلة من تحوّلات الطبيعة في زمنها، ملتقطا شذاها ليبثها في فضاءاته أولا والتي بدورها ستبثها في فضاءات متلقيه ثانيا، فعمليات الإثارة قائمة على قدم وساق ما تجعل الوعي
متحرّرا من كل عواقبه، وما تجعل لنسجه خطوات غوص وصعود في الحلم الجميل.ذاك هو محمد صفوت فنان البورتريه والطبيعة الذي يطرح في أعماله سلسلة من زمن النشأة والتكوّن، وسلسلة من زمن التجاور والتلامس، وسلسلة من زمن الحركة ودفعها، يطرحها في مجموعات لكل
منها عالمها البنائي التي تحتضنها، ولكل منها صياغاتها الفنية تبعا لمنظوره الخاص، وتبعا لرفضه أو قبوله لكل ما يتبادر إلى العين التي من شأنها أن تجعل لانبثاقاته هوية له، هوية تعرّف به وبتميّزه في حضوره وتنقلاته في الميادين الفنية المختلفة.

16