لهذه الأسباب سيعلن الذكاء الاصطناعي نهاية العمل

من اعتقد أن الآلة لن تحل مكان البشر عليه أن يراجع نفسه.
الجمعة 2021/03/12
الآلة حلت مكان العمال في مصانع فولكسفاغن للسيارات

صناع القرار والسياسيون يروجون ويسوقون للذكاء الاصطناعي، بالقول إن تطبيقاته ستعزز من قدرات البشر، ولن تحل محلهم، وإن الحياة ستصبح أطول وأكثر سعادة بفضل الخوارزميات. إنها قصة مطمئنة، ولكنها لسوء الحظ مضللة أيضا.

لم يكن أرسطو قبل 2300 عام يتحدث عن نبوءة بقوله “عندما تنسج الأنوال من تلقاء نفسها، تنتهي عبودية الإنسان”. بل كان يشير إلى استحالة انتهاء العبودية.

العمل حسب المفهوم السائد أيام أرسطو هو عبودية. وتحول مع بروز الثورة الصناعية إلى حق من حقوق البشر، لا تكتمل حرية الإنسان إلا به. رغم القناعة التي سادت حينها بأن الآلة ستحل مكان البشر. ما حدث أن الآلة دعمت البشر ولم تحل محلهم.

الجميع مهدد

ما رآه أرسطو مستحيلا، أصبح ممكنا. اليوم أكثر من أي وقت مضى نحن على أعتاب العصر الذي ستنسج فيه الأنوال دون تدخل من البشر، وتسوق الشاحنات والسيارات ذاتها. كل شيء سيتحرك وينتج بواسطة شكل من أشكال الذكاء الاصطناعي. وهذا لن يحرر العبيد. لأن العبيد استبدلوا بالعمال والموظفين والحرفيين والأخصائيين والفنانين والمحامين والأطباء. وهم مهددون جميع بفقدان فرص عملهم.

جامعة ستانفورد الأميركية تستضيف حدثًا هاما في الخامس والعشرين من هذا الشهر بعنوان “زيادة الذكاء: الذكاء الاصطناعي يمكّن الناس من حل التحديات العالمية”. هذا العنوان نموذج مثالي للتغاضي عن الآثار والندوب العميقة التي سيخلفها الذكاء الاصطناعي.

إذا أردنا أن نكون على استعداد للتأثيرات التي سيحدثها الذكاء الاصطناعي على المجتمع في السنوات القادمة، من المهم أن نكون أكثر وضوحًا بشأن هذه المسألة.

بيع الأوهام والحديث عن فرص عمل جديدة قائمة على المهارات، لن يحل مشكلة التشغيل. ومع ذلك ليس صعبا فهم سبب تقبل الناس لصورة جذابة عن المستقبل، يكون فيها التأثير الأساسي للذكاء الاصطناعي زيادة فرص العمل ودعم النشاط البشري.

بانهيار الشيوعية ظننا أن أفكار ماركس دفنت معها فهل تثبت الثورة الصناعية الرابعة أنه كان على صواب؟

هذه الصورة الوردية قائمة على فكرة تفوق البشر ويصعب التخلي عنها. فالبشر وفق الميثولوجيا والنظريات الفلسفية والاقتصادية، هم العنصر المسيطر دائما، وما الحديث عن غير ذلك سوى خيال علمي.

صورة جذابة لأنها لا تتطلب منا تصورات مثيرة للقلق حول مكانتنا كبشر في العالم.

اليوم، رأينا أن الخيال العلمي يتحقق. وأنه ليس مجرد خيال. ما اعتبره أرسطو مستحيلا، نراه حتى في جيب معطفنا. الذكاء الاصطناعي وفق أصحاب التصور الوردي مجرد أداة أخرى ابتكرها الإنسان “الذكي” لجعل حياته أسهل. مثلها في ذلك مثل العجلة أو المحرك الانفجاري.

لكن، الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة أخرى، وهناك أكثر من داع للقلق، حيث باتت ترتسم في الأفق تحديات واقعية تثير المخاوف.

أفضل مثال يمكن أن نسوقه لتوضيح ذلك هو الشطرنج. في عام 1997 تفوقت الآلة (الكومبيوتر) على البشر. وذلك عندما هزم برنامج “ديب بلو”، وهو من تصميم شركة “آي.بي.أم”، بطل العالم للشطرنج حينها غاري كاسباروف، في مباراة حظيت بتغطية إعلامية واسعة.

كانت رسالة من عملاق شركة الكمبيوتر، ولكن هل هي رسالة ترهيب، أم رسالة ترغيب؟

ما حدث بعد ذلك يأتي في إطار تهدئة المخاوف، بعد سنوات ظهر مفهوم أطلق عليه اسم القنطور (حيوان خرافي نصفه إنسان ونصفه الآخر حصان).

صورة وردية

Thumbnail

شطرنج القنطور الذي اتحد فيه البشر مع الآلة، أصبح منطلقا لجدل ساد النقاش حول الذكاء الاصطناعي: في حين أن أفضل ذكاء اصطناعي يمكنه الآن هزيمة أفضل إنسان في الشطرنج، فإن الذكاء الاصطناعي والإنسان اللذين يعملان معًا (القنطور) ستكون محصلتهما أقوى لاعب على الإطلاق، لأن الإنسان والآلة سيحققان مهارات تكميلية. ولفترة من الوقت تفوق القنطور فعليا على الذكاء الاصطناعي.

ما جرى في عالم الشطرنج، مثّل صورة وردية مبكرة لأسطورة يحاول اليوم البعض تسويقها. وكما تم الترحيب بـ”شطرنج القنطور” يتم اليوم الترحيب والتسويق لعالم تسود فيه المشاركة بين الذكاء الاصطناعي والبشر. وارتاح الجميع لفكرة أن الذكاء الاصطناعي لن يسرق فرص العمل من البشر.

كما قال أحد المدافعين عن القنطور “إن أساتذة الشطرنج البشر بارعون في الاستراتيجيات طويلة المدى، لكنهم فقراء في رؤية الملايين من الحركات المحتملة للأمام. بينما العكس صحيح بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي الذي يلعب الشطرنج. ولأن البشر والذكاء الاصطناعي أقوياء في أبعاد مختلفة، فإنهم معًا، كشركاء، يمكنهم التغلب على البشر بمفردهم، وعلى أجهزة الكمبيوتر بمفردها”.

ولكن مع مرور السنين، استمر ذكاء الآلة في مساره التصاعدي “الذي لا يرحم”، تاركًا البشر بعيدًا عن الركب.

اليوم ، لا يتحدث أحد عن تجربة الشراكة بين الشطرنج والبشر. نسى الجميع قصة القنطور، وأصبح الذكاء الاصطناعي أفضل بكثير من الإنسان، ولن يكون لدى العنصر البشري ببساطة ما يضيفه.

روس التمان: حياة أطول وأكثر سعادة بفضل الذكاء الاصطناعي
روس التمان: حياة أطول وأكثر سعادة بفضل الذكاء الاصطناعي

الشطرنج مجرد لعبة لوحية. فماذا عن الأنشطة في العالم الحقيقي؟

الذكاء المعزز

فقدان الوظائف بسبب الأتمتة بقدر ما هو احتمال مخيف، هو أيضا سلعة جذابة يمكن للسياسيين توظيفها. دعونا نبسط الموضوع. يمكن لرجال الأعمال والسياسيين أن يربحوا الكثير من خلال إقناع الآخرين بالاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل البشر في الوظائف، بل سيكملهم. لم تعد الوظيفة عبودية كما كان الحال أيام أرسطو، بل هي ضرورة من الضروريات الاجتماعية والسياسية الأساسية. وبالتالي، فإن أي نشاط أو سلوك يهدد من مستقبل التشغيل هو نشاط خاسر في العلن.

“الذكاء الاصطناعي سيقرب البشر والآلات من بعضهما البعض ويخلق فرصا جديدة للعمل”، هذه الرواية تتردد على لسان عدد لا يحصى من الرؤساء التنفيذيين في السنوات الأخيرة. فالأمر حسب هؤلاء “لا يتعلق بالآلات التي تحل محل البشر، ولكن بالآلات التي تزيد من إنتاجية البشر. يتمتع البشر والآلات بنقاط قوة ونقاط ضعف نسبية مختلفة، وبدمج هذين الاثنين ستزيد العمليات الإنتاجية والتجارية إلى 100 ضعف وأكثر في السنوات القادمة”.

 لخصت جينا روميتي، الرئيس التنفيذي السابق لشركة “آي.بي.أم”، الأمر بشكل أكثر إيجازًا في مقال رأي نشر في “وول ستريت جورنال” عام 2018 “الذكاء الاصطناعي – الذي يُفهم بشكل أفضل على أنه الذكاء المعزز- يكمل الإدراك البشري بدلاً من أن يحل محله”.

عبيد آليون

دعونا ننظر لما يحدث من زاوية أخرى، زاوية العبيد، وليس من زاوية الأسياد والنبلاء.

التأمل الصادق للحظة يوضح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يتم ابتكارها اليوم ستحل، مكان قطاعات شاسعة من العاملين البشر في جميع القطاعات الاقتصادية.

رجال الصناعة في الغرب الذين نقلوا صناعاتهم إلى دول شرق آسيا بحثا عن أيدي عاملة رخيصة “عبيد”، سيعودون إلى ديارهم. ألا نلاحظ تصاعد النزعة القومية وتراجع نزعة العولمة وترافق ذلك مع هيمنة الذكاء الاصطناعي.

بالأمس وأنا ارتدي معطف من ماسيمو ديوتي، لاحظت أنه كتب عليه بأحرف صغيرة من الداخل “صنع في فيتنام”. لن يحتاج ملوك الصناعة قريبا إلى نقل صناعاتهم لدول فقيرة مثل فيتنام وباكستان والهند. سيكون لديهم “عبيدهم” الآليون.

لنكن صادقين مع أنفسنا، لماذا احتفى الجميع بالذكاء الاصطناعي؟ ببساطة لأنه قادر على إنجاز المهمة الموكولة إليه بدقة أكبر، وبكلفة أقل، وبسرعة أكبر بكثير مما يستطيعه البشر.

بمجرد أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من الوفاء بهذا الوعد، لن يكون هناك مبرر عملي أو اقتصادي للبشر لمواصلة المشاركة في العديد من المجالات. لنأتي بمثلين بارزين من بين المئات من الأمثلة على ذلك:

أمازون تختبر شاحنة ذاتية القيادة على الطرقات.. أي مستقبل غامض للسائقين

ما أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من قيادة السيارة، بشكل أفضل وأكثر أمانًا مما يستطيع الإنسان فعله، وهو فعلا بدأ في ذلك وما يحتاجه مجرد شبكة من الطرقات مجهزة، لن يكون من المنطقي أن يستمر البشر في قيادة الشاحنات والحافلات. وسيخسر مئات الآلاف من السائقين عملهم، بصرف النظر عن تكاليف العمالة الموفرة، لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تتسرع، ولا يتشتت انتباهها، ولا تقود السيارة في حالة سكر، ويمكنها البقاء على الطريق لمدة 24 ساعة في اليوم دون الشعور بالتعب أو النعاس.

قد لا يقر مدراء الشركات المصنعة التي تعمل على تطوير تكنولوجيا الشاحنات ذاتية القيادة بذلك، ولكن نحن نعلم أنهم لا ينفقون المليارات لمجرد التسلية، الهدف النهائي لجهودهم ليس تشغيل العمالة البشرية، بل هو استبدالها.

في المجال الطبي، هناك أمثلة كثيرة أبرزها علم الأشعة حيث تتمثل المسؤولية الأساسية للأخصائيين في فحص الصور بحثًا عن وجود أو عدم وجود أعراض معينة. ونحن نعلم اليوم أن التعرف على الأنماط والتمييز هو بالضبط ما يتفوق فيه الذكاء الاصطناعي، والتعلم العميق تحديدا.

هناك من يقول إن “الذكاء الاصطناعي لن يحل محل أخصائيي الأشعة، لكن أخصائيي الأشعة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي سيحلون محل أطباء الأشعة الذين لا يفعلون ذلك”.

جيمس لانداي: الذكاء الاصطناعي يمنحنا أدواتا جديدة لدعم البشر
جيمس لانداي: الذكاء الاصطناعي يمنحنا أدواتا جديدة لدعم البشر

قد يكون هذا صحيحا حتى هذه اللحظة وعلى المدى القريب. لا نتوقع أن تحل أنظمة الذكاء الاصطناعي محل البشر بين عشية وضحاها، في المجال الطبي، كما هو الحال في أي مجال آخر، قد تستغرق عملية تطوير الأنظمة والبنية التحتية وقتًا لتغييرها.

التكنولوجيا في البداية تبدأ متعثرة، دعونا نتذكر تفاصيل ما حدث مع التصوير الرقمي، من كان يتخيل اختفاء الأفلام، ومع ذلك هذا بالضبط ما حصل.

سيتم استخدام الذكاء الاصطناعي بالفعل لدعم العاملين في مجال التصوير الإشعاعي، لتقديم رأي ثانٍ، أو لفحص مجموعة من الصور لتحديد أولويات تلك التي تستحق المراجعة البشرية. في الواقع، هذا يحدث بالفعل.

بعد خمس أو عشر سنوات وبمجرد إثبات أن الذكاء الاصطناعي يتفوق على أخصائيي الأشعة في تحديد الأعراض وتشخيصها هل سيكون من المنطقي الاستمرار في توظيف عناصر بشرية للقيام بهذه المهمة؟

أسئلة يجب طرحها

مثلما حدث مع التصوير الرقمي، هذه الأنظمة لن تتوقف أبدًا عن التطور. وبمرور الوقت، ستصبح الكلمات المثيرة للجدل لأسطورة الذكاء الاصطناعي جيف هينتون، أيقونة تستحضر دائما “يجب أن نتوقف عن تدريب أخصائيي الأشعة الآن. إذا كنت تعمل كأخصائي أشعة، أنت بالفعل على حافة الهاوية، لكنك ترفض النظر إلى أسفل”.

ماذا يعني كل هذا بالنسبة لنا وللمجتمعات وللبشرية؟

مستقبل يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل النشاط البشري سيكون قاس حتما ويخلف سلسلة من الندوب العميقة لدى الأفراد والمجتمعات.

الخوف من فقدان الوظيفة سيطال الجميع، وستعاني منه مختلف الطبقات الاجتماعية، ولن تنجو من آثاره أي منطقة جغرافية، وسنجد تطبيقاته في مختلف الصناعات والمهن؛ من أبسطها إلى أكثرها تعقيدا؛ من سائق سيارة الأجرة إلى المحامي، ومن أمين صندوق بسيط في شركة حكومية إلى سماسرة الأوراق المالية، ومن التمرجي إلى أخصائيي علم الأمراض.

هناك مؤشرات، وإن بدت مضحكة اليوم، إلا أنها ستكون مبكية مستقبلا، عندما يجد العاملون في الإعلام والفن بمختلف أنواعه مهاراتهم خارج الطلب، مع تزايد تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي لأداء هذه الأنشطة بشكل أفضل وأرخص وأسرع مما نستطيع نحن معشر البشر.

نحتاج كأفراد وحكومات للذكاء والخيال لمواجهة مثل هذه التغيرات وتخفيف آثارها.

أرسطو: عندما تنسج الأنوال من تلقاء نفسها تنتهي عبودية الإنسان
أرسطو: عندما تنسج الأنوال من تلقاء نفسها تنتهي عبودية الإنسان

كل شيء يقودنا للتفكير في اتجاه واحد، العدالة الاجتماعية، نستطيع أن نحوّل العالم إلى يوتوبيا خيالية، تتحول فيه سخرية أرسطو إلى حقيقة، ويتحرر الإنسان من قيود العمل. عالم نصبح فيه جميعا نبلاء، وتقوم الآلة بالنيابة عنا بكل المهام.هذا الاستبدال الوظيفي. يتطلب تحولا في كيفية تصور المجتمع لتخصيص الموارد في عالم تتوافر فيه السلع والخدمات بتكلفة منخفضة بفضل الأتمتة.

وفي وقت يصبح فيه الطلب على العمل البشري المدفوع نادرًا بشكل متزايد. برزت فكرة الدخل الأساسي الشامل، حيث يتشارك المجتمع ثمار النمو، لتؤخذ على محمل الجد من قبل صناع السياسة.

ويتوقع الخبراء أن يصبح الدخل الأساسي الشامل أداة سياسية طبيعية ومتزايدة الأهمية في عصر الذكاء الاصطناعي.

عندما انهارت الكتلة الشيوعية، ظن معظمنا أن أفكار الفيلسوف الألماني كارل ماركس قد دفنت معها. كان ماركس قد تنبأ باليوتوبيا الاجتماعية في الدول الصناعية المتطورة، ما حصل في روسيا لا علاقة له بالفكر الماركسي؛ مجتمع إقطاعي بطريركي حاول حشر جسمه الضخم في لباس ضيق.

هل تثبت اليوم الثورة الصناعية الرابعة أن ماركس كان على صواب؟

هناك مقولة ذكية حول العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي تقول “مع تحسن الذكاء الاصطناعي في معرفة الإجابات الصحيحة، سيكون الدور الأكثر أهمية للبشر هو معرفة الأسئلة التي يجب طرحها”.

12