لماذا خفت صوت اليسار في الإعلام العربي

أي صحوة جديدة لكتاب اليسار مرهونة بالقدرة على مد جذورهم في التربة العربية، وإنتاج نسختهم الخاصة، وتجاوز الأمراض المزمنة والوقوف على علاجها.
الثلاثاء 2021/02/23
غياب اليسار يترك الساحة فارغة لجماعات الإسلام السياسي

فقد اليسار العربي عددا كبيرا من رموزه ومفكريه وكتابه في العقدين الماضيين، وتراجع وجوده في الكثير من وسائل الإعلام العربية، وتلاشى تأثير الجيل الذهبي الذي نشأ وسط موجة مد حركة التحرر الوطني وزخم الانتفاضات والنقاشات والاجتهادات الفكرية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وانحسار الاستعمار القديم.

كانت الشعوب مدفوعة بالثقة والتفاؤل في التخلص من كل أنواع الظلم الاستعماري والطبقي، وكانت كتابات رموز اليسار في الصحافة العربية تتصدر الصحف في بيروت والقاهرة وبغداد ودمشق، وحتى دول المغرب العربي. تنافس فيها اليسار الشيوعي مع اليسار القومي، واتفقا حينا واختلفا أحيانا، لكن نقاش مستقبل الشعوب وتحررها كان محور الكتابات التي حظيت بشعبية كبيرة، من محمد حسنين هيكل كممثل للحقبة الناصرية بمصر في ذلك الحين إلى اليسار الماركسي مثل محمود أمين العالم وإسماعيل صبري عبدالله وسمير أمين وإبراهيم فتحي ومحمد عابد الجابري وإبراهيم نقد ومهدي عامل وحسين مروة وخليل كلفت ورفعت السعيد وعيدروس القصير وصلاح عيسى، وعشرات غيرهم من رموز اليسار في الدول العربية، والذين أثروا الصحافة.

وملأ هؤلاء السمع والبصر من المحيط إلى الخليج، وكان ينتظر كتاباتهم جمهور متعطش ومتحمس للقراءة والمتابعة في زخم فكري وإبداعي امتد إلى الفنون والأدب والسينما.

بعد موجة من الازدهار والزخم طوال ثلاثة عقود بدأ التراجع والخفوت، فالتجربة الناصرية التي أرسى قواعدها الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر تلقت ضربة موجعة إثر هزيمة 5 يونيو 1967، ثم وفاة رمزها في سبتمبر 1970.

وتولى أنور السادات الحكم في مصر، وانقلب على نهج ورجال عبدالناصر فيما أسماه ثورة التصحيح في 15 مايو 1971، وبدأت حركات التحرر الوطني تفقد زخمها بعد أن تحولت من الثورة إلى الدولة، بما كانت له انعكاسات متعددة على كتّاب اليسار.

أخذت تخبو تدريجيا أصواتهم في الصحافة العربية وتظهر جماعات الإسلام السياسي، وكان أنور السادات قد أفرج عن قيادات جماعة الإخوان ودعمها لتواجه المنظمات الناصرية والماركسية المسيطرة على الجامعات المصرية، وأفسحت لها منابر صحافية للتعبير عن أفكارها.

شاركت أجهزة الأمن في ملاحقة اليسار ومنع أنشطته، وتتابعت موجات صعود الإسلام السياسي التي بدأت في السبعينات من القرن الماضي، ومع اتساع نفوذ الجماعات الإسلامية تعرض اليسار إلى استقطابين رئيسيين.

هناك من رأى من الكتاب والمفكرين في تلك الجماعات قوة ثورة بمقدورها أن توحد الجماهير وتقوي مشاركتها، بل وتوحد دول المنطقة تحت راية الإسلام، وتجعل منها قطبا دوليا فاعلا يمكنه أن يواجه الغرب الاستعماري.

في المقابل كان هناك يساريون آخرون يرون فيها حركات رجعية مرتبطة بالاستعمار ومدعومة منه، وتجر الشعوب إلى الخلف والماضي، ووقفت مع صف الدولة لتشارك في حمايتها من جماعات الإسلام السياسي العنيفة والمتصلبة.

انتقل جزء كبير من كتاب اليسار إلى أحد القطبين البارزين على الساحة، ليزداد اليسار ضعفا وتشرذما وانقساما، وظهرت على السطح أعراض أمراضه المزمنة التي كانت متوارية في فترات الصعود والمد الجماهيري.

جاء انهيار الاتحاد السوفييتي ليكون الصدمة الأكبر لكتاب اليسار، فقد سقطت المنارة والداعم الأكبر وفخر الثورات الاشتراكية، وزاد من الأسى تقوقع الثورة الصينية وانكفاؤها على نفسها، ثم اندماجها في السوق العالمية، لتنفرد الرأسمالية بالعالم وتفرض عليه هيمنة تفوق المرحلة الاستعمارية الكلاسيكية بأدوات جديدة. بعضها ناعم، يستغل التطور الكبير في الإعلام والاتصالات والمخابرات، وآخر خشن يستخدم القوة والغزو والحصار الاقتصادي. وظهرت قوى جديدة على الساحة تنافس جماعات الإسلام السياسي النفوذ وترفع رايات حقوق الإنسان وتمكين المرأة وإنصاف المثليين والمتحولين جنسيا والأقليات الاثنية والدينية.

اجتذبت تلك الجماعات قطاعا من كتاب اليسار القومي والشيوعي الذي كان يرزح تحت اليأس والعجز عن العمل العام، والمحاصر من الحكومات وجماعات الإسلام السياسي، وتفرق معظم الكتاب اليساريين بين الاحتماء بالدولة والعمل تحت مظلتها أو الانتقال إلى صفوف جماعات الإسلام السياسي ومراجعة ماضيهم اليساري.

ووجد كتاب آخرون في المنظمات الحقوقية وجمعيات المجتمع المدني ضالتهم، بوصفها ترفع شعارات تحرر إنساني وتقف في صف قطاعات تعاني من الظلم والاضطهاد، وتلقى الترحيب والدعم من الغرب الذي يرى أنها قريبة من منظومة قيم التحرر والحداثة، لكنها تجنبت وضع القضايا الوطنية والطبقية في صدارة برامجها واهتماماتها.

كان كتاب اليسار يحملون عبئا ثقيلا منذ النشأة التي قامت على أيدي جاليات أجنبية أو مثقفين ينتمون فكريا إلى الغرب، فاتسمت حركاتهم ومنظماتهم بالنخبوية، وتركز نفوذهم على أوساط المثقفين والطلاب دون أن يغرسوا جذورهم عميقا في الريف أو الطبقات العاملة، وهي الطبقات المستهدفة وصاحبة المصلحة في الاشتراكية.

بسبب تلك الطبيعة النخبوية كان الانقسام والتنافس من أبرز مظاهرهم، فمجتمع المثقفين والطلاب معروف بنزوعه نحو الفردية والرغبة في الظهور والزعامة، فكانت التصدعات والانشقاقات والخلافات والاتهامات المتبادلة من السمات التي لازمت مسيرة كتاب اليسار، والتي تعود إلى مطلع عشرينات القرن الماضي حيث اقتاتوا على الإنتاج الفكري الأجنبي عموما والأوروبي خصوصا، والذي انعكست مدارسه الفكرية والسياسية على حركة اليسار وكتابه وتوجهاتهم وأزماتهم، وزادتهم انقساما وتناحرا.

ولا توجد سوى القليل من الدراسات عن الواقع العربي وسماته واختلافاته، كأن نخبة المثقفين التي قادت اليسار ألبست الواقع العربي أزياء الغرب وأسقطت عليه فكره وقضاياه، ولم تنبت من أعماق وتحديات الواقع العربي مثلما الحال في الكثير من التجارب الأخرى، وأبرزها تجارب دول أميركا اللاتينية التي سعى فيها كتاب اليسار إلى إنتاج النسخة الخاصة من الاشتراكية التي تلائم الواقع -وإن أخطأوا وتراجعوا حينا- وحاولوا التجديد والتجريب على أرض واقع وتربة بلدانها.

اعتمدت معظم التجارب العربية النسخ المستوردة، وأصيب كتاب اليسار القومي بانتكاسات ومشكلات لا تقل فداحة عن الجناح الشيوعي، وإذا كان الطرفان قد تراجعا بشدة وخفت صوتهما إلى حد التلاشي أحيانا فإن تجدد أزمات الرأسمالية وتوحش اليمين المتطرف وانتكاسات الإسلام السياسي بعد “الربيع العربي” يمكن أن تكون قبلة حياة لكتاب وأفكار اليسار العربي، خاصة مع ظهور ملامح تعددية قطبية وتراجع الهيمنة الأميركية وقرب انتهاء تأثيرات الحقبة النفطية.

لكن أي صحوة جديدة لكتاب اليسار مرهونة بالقدرة على مد جذورهم في التربة العربية وإنتاج نسختهم الخاصة وتجاوز الأمراض المزمنة والوقوف على علاجها، ليكون هؤلاء رافدا لنهوض سياسي معرفي وفكري قادر على إنتاج رؤى تلتف حولها الجماهير وترى فيها مخرجا من أزمات المجتمعات العربية نحو أفق أوسع وأكثر عدالة وإنسانية.

18