لماذا تغيب الدراما السياسية عن شاشات مجتمعات تتنفس سياسة

الدراما السياسية في العالم العربي حقل مثمر وغني، إلا أن السياسة الدرامية حولته إلى أرض يباب.
الاثنين 2021/09/13
"بقعة ضوء" نجح في نقد بعض الظواهر السياسية من بوابة الكوميديا

الدراما السياسية في العالم العربي شبه غائبة عن الشاشات رغم وفرة وغنى مواضيعها، بالإضافة إلى كونها حديث الناس، لكنها، إن وجدت، فإنها لا تعدو أن تكون إما دعاية سياسية أو استخدامها كرأس حربة لتصفية الحسابات الخارجية، وذلك لتشديد الرقابة والتكتم تحت ذريعة المحافظة على الخصوصيات.

فائض هائل من التحوّلات الدراماتيكية والسير المثيرة للجدل في حياة الساسة العرب بقي في أغلبه مغمورا، وسجين الأدراج والمذكرات الشخصية.

لم تقترب كاميرا الدراما العربية من هذه الملفات إلاّ بالقدر النادر واليسير، ولمجرد التوثيق التاريخي لحدث ما، كأن نلمح صورة حاكم البلاد تعلو مكتب محقّق في الشرطة مثلا.. وما عدا ذلك فالأمر لا يتمّ إلاّ عبر تكليف رسمي أو شبه رسمي يهدف، في معظمه، إلى الدعاية السياسية لزعيم أو تيار بعينه كما حدث مع سيرتي جمال عبدالناصر وخلفه أنور السادات.

نجاح كوميدي

المسلسل المصري "الاختيار 2" لامس بعض القضايا السياسية الحارقة، لكنه لم يكسر طوق الوطنيات الحماسية

أسباب عدم الاقتراب من حياة السياسيين في الدراما العربية، تبدو في ظاهرها واضحة، ولا تحتمل مجرد النقاش.. ألا وهي المسألة الرقابية وتعقيداتها أولا، بالإضافة إلى عدم الرغبة في التعرّض للشأن الشخصي لأفراد مازال أبناؤهم وأحفادهم على قيد الحياة.

نعم، قد يكون الأمر مقنعا في حدود هذه الضوابط والمعطيات التي يؤخذ بعضها بعين الاعتبار في الديمقراطيات الغربية أيضا، لكن السؤال هنا يتعلق بامتناع الدراما العربية عن التطرّق إلى الشأن السياسي، واكتفائها بالاجتماعي والتاريخي.

لماذا تغيب الدراما السياسية عن شاشات مجتمعات تتنفس سياسة “صباحا مساء، وقبل الصباح وبعد المساء ويوم الأحد”، كما يقول الشاعر التونسي الراحل محمد الصغير أولاد أحمد؟

لا شكّ أن ما يحدث على الساحة السياسية العربية وفي كواليسها، ينافس أعتى أنواع العمل الدرامي من تراجيديا وكوميديا، وأكشن، وحتى الفانتازيا التاريخية، تتناولها الألسن في المقاهي والمنازل همسا وجهرا، فلماذا لا تقترب منها الكاميرا؟ خصوصا وأن التداخل بين السياسي والاجتماعي صار واقعا.. وقد يزيد من دسامة المادة الدرامية، ويزيدها غنى وتنوّعا.

عادة لا تطل السياسة برأسها في الشاشات العربية إلاّ عبر اللوحات والحلقات الكوميدية المتصلة حينا والمنفصلة حينا آخر، لكنها تتناول فقط ظلالها وتأثيراتها عن طريق كاركترات نمطية تعتمد النقد عبر القفشات والنكات، ولا تهتم لمسارات درامية أكثر واقعية وعمقا وجدية.

الكوميديا السياسية في العالم العربي تظهر في الموسم الرمضاني على شكل وجبات خفيفة، بهدف التسلية والإضحاك كمتنفس اجتماعي يتصدّى للاحتقانات الاجتماعية دون الاستناد إلى نصوص احترافية تتوفّر فيها شروط الدراما الحقيقية.

ومن هذه الأعمال التي نجح بعضها وأخفق بعضها الآخر منذ قرابة العقدين، نذكر سلسلة “مرايا” للفنان السوري ياسر العظمة، “بقعة ضوء” التي يتناوب على كتابتها مؤلفون متباينو الموهبة، بالإضافة إلى الفنان السعودي الموهوب ناصر القصبي، وآخرون من هنا وهناك لعل أميزها ما أنتجته القنوات التلفزيونية التونسية التي لم تعد تُبالي بالرقابة السياسية في ظل هامش ديمقراطي مريح، وأصبحت لا تخشى إلاّ من الرقابة الاجتماعية.. وهي الأخطر على ما يبدو.

استقطاب موجّه

"أم هارون".. دراما حقبوية تم توظيفها سياسيا

القضية أن الخط السياسي في أي عمل درامي، يساير وقد يساند أو يوازي خطوطا أخرى تتعرّض للعلاقات الاجتماعية، وليس موضوعا في ذاته كما نجد في أعمال أجنبية متخصّصة.

قد يقول قائل إن الموضوع السياسي يدعو للملل والضجر لدى جمهور عريض من الناس الذين اعتادوا قصص الغرام وغيرها في التلفزيونات العربية، لكن الواقع والتجربة يثبتان عكس ذلك، خصوصا في قضايا تتعلق بالفساد والإرهاب وما يتعلق بهما من استقطابات ومحسوبيات بل وحتى الجاسوسية والمغامرات البوليسية بالنسبة إلى عشاق مشاهد الحركة والمطاردات.

صحيح أن السياسة قد ألقت بظلالها على عدد كبير من المسلسلات الرمضانية المصرية التي عرضت في موسم هذا العام، كما يمكن القول إن نسبتها فاقت الأعوام الماضية، لكنها لم تكسر طوق ما يمكن تسميته بـ”الوطنيات الحماسية” كما في مسلسل “الاختيار 2” الذي قد يراه البعض معبّرا عن سياسة وأحداث مصرية داخلية، ووصل إلى جمهور واسع في العالم العربي.

لكن المشكلة في الأمر هي ليّ عنق الدراما السياسية وتوظيفها في الاتجاه الدعائي تحت مسميات وذرائع مختلفة كما ورد في حديث الناقد المصري أحمد النجار، الذي يساند هذا التوجه التعبوي بقوله إن “الدراما أصبحت منذ سنوات قليلة وسيلة من وسائل الوعي السياسي والتوضيح في ظل التضليل الذي تمارسه بعض الجهات الإعلامية الأجنبية ووجود قنوات تحرّض على الفتنة وتقلب الحقائق، ومن هنا بزغت الدراما لتكون وسيلة وعي ضد التضليل”.

ما يحدث على الساحة السياسية العربية وفي كواليسها، ينافس أعتى أنواع الدراما، لكن للرقابة رأي آخر

أما الأخطر من ذلك هو أن توظف الدراما السياسية لتصفية الحسابات وتغذية الخلافات العربية العربية.. ساعتها يصبح الخوض في الشأن السياسي ملغّما وموبوءا حين يدير ظهره إلى مشاكل الداخل ويلتفت إلى الخارج مثله مثل أي آلة إعلامية مأجورة وتشتغل على تزوير الحقائق.

ولعل أبرز مثال على ذلك، الممثل السوري زهير رمضان رئيس نقابة الفنانين في الداخل السوري، حين استعار شخصية “المختار” في المسلسل الناجح “ضيعة ضايعة” ليستخدمها في الدعاية السياسية للنظام الحاكم، ومهاجمة دول عربية لم تقف إلى جانب السياسة السورية، ممّا يقيم الدليل على أن الأنظمة الشمولية تقف بالمرصاد لأي دراما تتناول الشأن الداخلي، وتستخدمها كرأس حربة للتهجّم على الخارج من أجل إبعاد الشبهات.

وثمة مثال آخر أكثر افتراء ممّا سبق ذكره، وهو أن يقتطع النقد المغرض والموجه جزءا من حكاية درامية ليكسوها بلبوس سياسية، ثم يرفقها بالمزايدات القومية كما حصل مع المسلسل الخليجي “أم هارون” الذي تؤدّي البطولة فيه الكويتية حياة الفهد، التي لعبت دور طبيبة يهودية ضمن نسيج اجتماعي كان سائدا فترة الأربعينات.

صفوة القول إن الدراما السياسية في العالم العربي اثنتان (وللأسف الشديد): واحدة تتمحور حول الدعاية لنظام بعينه أو تستخدم ضد خصوم في الخارج، وثانية توجد خارج المادة الدرامية نفسها، وتتعلق حول التوظيف السياسي لأعمال لا تتناول السياسة أصلا، كموضوع لها، وإنما وقع ليّ عنقها وذراعها.

هل بات من المؤسف التحسّر على الدراما العربية في بواكيرها الأولى حين قدّم يحيى العلمي مسلسلي “العملاق” و”الأيام”، ويتناول الأول سيرة محمود العقاد، والثاني سيرة طه حسين، ضمن تحوّلات فكرية وسياسية هامة، لم تثر أي حساسية نقدية بل وجدت لها جمهورا عريضا على امتداد العالم العربي. الدراما السياسية في العالم العربي حقل مثمر وغني، لكن السياسة الدرامية حولته إلى أرض يباب.

"صديق العمر" الدعاية السياسية همّشت بعض الوقائع التاريخية

 

17