لله "صبرك" يا مروان

إن كان عنوان فيلم مروان عن الفنان علي عيسى "الرجل الذي أصبح متحفا"، فحقّ توصيف مروان الطرابلسي بـ"الرجل الذي أصبح أيوب".
الخميس 2020/03/26
المخرج مروان الطرابلسي عالق في مصر

الخصلة التي يمنحها لك السفر ضمن إطار مهني بحت، علاوة على مواكبة بعض الفعاليات الثقافية الخارجية، ومن ثمة تجديد الدماء وشحن “الزيت” الراكد، هي اكتشاف الناس وتكوين صداقات جديدة. وهو ما حصل معي في زيارتي الأخيرة والوحيدة إلى مصر.

فضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، المنتهية قبل موعدها، بعد أن أعلنت وزارة الصحة المصرية عن أول حالة وفاة في مصر وأفريقيا، حينها، ممّا استوجب إيقاف العروض الجماهيرية، أولا، فإلغاء الفعاليات، لاحقا، درءا للتجمّعات.

تعرّفت عن قرب على المخرج التونسي مروان الطرابلسي، وشاهدت فيلمه البديع “الرجل الذي أصبح متحفا” والذي شارك ضمن مسابقة الفيلم التسجيلي الطويل بالمهرجان.

فيلم يصوّر يوميات الفنان التشكيلي التونسي علي عيسى، قبل رحيله، والذي اختار العزلة في بيته/ مرسمه، لما يزيد عن 15 عاما، فيأكل ويشرب وينام، ويرسم فقط.

فيلم بإيقاع بطيء كحال يوميات العجوز الوحيد، فيلم ظلّ مروان يعمل على تصويره لمدّة خمس سنوات بالتمام والكمال، ليأتينا في 61 دقيقة من الشجن والحنين والدهشة أمام رجل/ رسام أوصى بمنح مرسمه قبل وفاته إلى الدولة التونسية.

أذكر أنني سألته بعد عرض الفيلم: أعتقد أن تجربة علي عيسى الحياتية ألقت بظلالها على قناعاتك الشخصية إزاء الموت والحياة والخلود، رمزيا؟

فأجابني باقتضاب: حقيقة لا أدري حاليا، ربما سيظهر ذلك عليّ لاحقا.

إجابة لامستها بأم عيني مع توطّد علاقتي بمروان، حيث كنّا نقيم بالنزل نفسه، والطابق ذاته ولا تفصل بيننا سوى بضع غرف.

فغدونا، نصحو معا، ونأكل معا، ونسهر معا، والأهم عشنا معا الخبر الكارثة إثر تفشي الجائحة بصعيد مصر، لكن كلّ على طريقته.

مروان لم يهتّز أو يجزع، واصل حياته وكأن شيئا لم يكن، وحين أسأله: ألست قلقا؟ كان يجيب “إلّي باش يصير.. يصير يا صاحبي”.

وبالفعل صار، أن غادرت مصر، في الرابع عشر من مارس، يوما بعد إعلان وقف الطيران من وإلى مصر بقرار حكومي تونسي. لكن مروان آثر البقاء في القاهرة لزيارة بعض الأصدقاء ومشاهدة معالمها التاريخية ومواكبة الحياة اليومية فيها، على أن يعود إلى تونس في السادس عشر من الشهر.

من يومها ومروان عالق هناك، لم يهتز، لم يرتعب ولم يهلع. فكلما اتصلت به هاتفيا، إلاّ وقال جملته الأثيرة “إليّ باش يصير.. يصير يا صاحبي”.

فإن كان عنوان فيلم مروان عن الفنان علي عيسى "الرجل الذي أصبح متحفا"، فحقّ توصيف مروان الطرابلسي بـ"الرجل الذي أصبح أيوب".

ولله "صبرك" يا صديقي.

24