لصوص لقمة القاضي

لطالما رافقتنا أغان لسنوات طويلة لنكتشف أنها مسروقة اللحن أو الكلمات. وصاحب الأذن المرهفة حين يصغي جيدا إلى ما تدور به دواليب اللحن، سيتمكن من تمييز الأصيل عن المسروق بسهولة.
الجمعة 2020/09/18
إنتاج العمل الفريد أمر غاية في الصعوبة

لم يعد إنسان هذا العصر ممن يسهل خداعهم بالمنتج الخلاب، وأوّل ما أصبح يفكر فيه حين يشاهد لوحة أو يستمع إلى أغنية السؤالُ: هل هي أصلية أم تقليد؟ وكثيرا ما توقفنا في معارض الأنتيكات لفحص قطع تُعرض على أنها نفائس، وفي الواقع هي مجرد نسخ مقلّدة. والأمر ذاته يتكرّر مع الأفلام والروايات والقصائد والمقالات.

والحق أن إنتاج العمل الفريد أمر غاية في الصعوبة، قد يحدث أو لا يحدث مع المبدعين. وهم يدركون هذا، لكن الأوان يكون قد فات، بعد أن تتحول عملية الإنتاج إلى صنعة. وحينها يتوجب على الصانع أن يرمي بالقطع الجديدة كما يفعل ”مُعلّم العوّامة“، والعوّامة لمن لا يعرفها، حلويات عربية شهيرة في المشرق ومصر والمغرب وتسمى في بعض البلدان ”لقمة القاضي“. وتكون قطعا صغيرة من العجين بحجم الكرات الزجاجية يقذفها الصانع من بين أصابعه في وعاء الزيت العملاق فتطير وتهوي بطريقة آلية وسريعة جدا. ولم يكن ليخطر لي هكذا مثلٌ عجيبٌ لولا أن أحد اللصوص الشعبيين القدامى كان يكرّره وهو يشتكي من الدنيا وانحطاط الأصالة في كل مهنة، ومن بينها حرفته.

ولطالما رافقتنا أغان لسنوات طويلة لنكتشف أنها مسروقة اللحن أو الكلمات. وصاحب الأذن المرهفة حين يصغي جيدا إلى ما تدور به دواليب اللحن، سيتمكن من تمييز الأصيل عن المسروق بسهولة. وقد يقول قائل: ما لك وللحن وتاريخ الأغنية تنبش من تحتها؟ فلعله الفضول الصحافي هو الذي يجعلني لا أصدّق أن هذه القطعة الموسيقية من تأليف الأخوين رحباني أو عبدالوهاب مثلا.

والقراءة والمقارنة مفتاحان لكل سؤال حَرِج مهما مرّ عليه من زمن. والاطلاع على كل ما لحّنه الشرطيان السابقان عاصي ومنصور، يزيد من احترام موهبتهما وإبداعهما، لكن هذا الاطلاع أيضا يقودنا إلى ملحنين كانوا بحاجة دائمة إلى المال، كتبوا موشّحات وقطعا موسيقية بديعة، ولم تكن أوضاعهم تسمح لهم بانتظار أن يتعاقد معهم مُنتجٌ ما يقوم بتسجيلها في أسطوانة أو شريط. والأسهل على الموسيقي عندئذ أن يمنح إنتاجه لأسماء كانت قد بدأت تلمع متنازلا عن حقه بوضع اسمه على ذلك العمل. وكان من أبرز قليلي الصبر أولئك الموسيقار الراحل عزيز غنّام صاحب الموشّحات العظيمة والأغاني المدهشة المعروفة الآن بأن مؤلفيها فلان وعلان. من بينها موشّح ”حامِلُ الهوى تعبُ يستخفُّه الطربُ، إن بكى يحقّ له، ليس ما به لعبُ، كلما انقضى سببٌ منك عاد لي سببُ، تعجبين من سَقَمِي؟ صحّتي هي العجبُ“، عن قصيدة أبي نواس. وكذلك أغنية ”يا ماريّا“.

 وهذا ما حصل مع كثيرين لم تعد قصصهم خافية. فلا تعجبوا من سَقَمِنا، صحّتنا هي العَجَبُ.

24