لبنان أمام اختبار حسم مهمة تدقيق حسابات المركزي

ضغوط المانحين تدفع حكومة ميقاتي إلى الإسراع في إعادة التعاقد مع ألفاريز آند مارسال.
الأربعاء 2021/09/15
مراجعة الحسابات خطوة مصيرية

ينظر المتابعون للشأن اللبناني بعين التشكيك إلى المحاولة الجديدة التي تنوي بيروت القيام بها حول الاتفاق مع شركة استشارات دولية لاستئناف جهود تدقيق حسابات مصرف لبنان المركزي، المتهم بالتسبب في الانهيار المالي للبلاد، في خطوة إن حظيت بالنجاح ستشكل مفتاحا مهما يمهد للحصول على قروض خارجية.

بيروت – تعتزم حكومة نجيب ميقاتي على التواصل مع شركة ألفاريز آند مارسال للاستشارات لإبرام اتفاق جديد يتم بموجبه استئناف التدقيق الجنائي في الهندسة المالية للمركزي، الذي توجه إليه مسؤولية انخرام الاقتصاد في ظل محاولات شاقة لإقناع المانحين الدوليين بتقديم مساعدات.

وقال غازي وزني، وزير المالية في الحكومة المنصرفة، للصحافيين خلال مراسم تسليم مهامه لخلفه يوسف خليل الثلاثاء إن “الحكومة الجديدة ستوقع عقدا بشأن التدقيق الجنائي للبنك المركزي في غضون بضعة أيام مع ألفاريز آند مارسال”.

ويعد التدقيق المحاسبي الجنائي لحسابات المركزي ومؤسسات الدولة، من مستلزمات تفاوض لبنان مع صندوق النقد الدولي لدعم البلد، وهو واحد من متطلبات خارطة طريق فرنسية تحدد خطوات لضمان حصول البلد على مساعدة دولية يحتاجها بشدة، وتساعد في إنهاء أزمة مالية خانقة تمثل أكبر تهديد لاستقرار البلاد منذ الحرب الأهلية.

رياض سلامة: الكشف عن حسابات البنوك المحلية يتطلب تغييرا تشريعيا

ووصل التدقيق إلى طريق مسدود في نوفمبر الماضي، حينما انسحبت هذه الشركة من استكمال مهمتها، قائلة إنها “لم تتلق المعلومات التي تحتاجها من المركزي”. وكانت الحكومة السابقة التي ترأسها حسان دياب قد وافقت في يوليو 2020 على تعيين الشركة لإجراء التدقيق، والذي يشمل عادة فحصا دقيقا للسجلات المالية للمؤسسات ويرصد أي إساءة استخدام للأموال.

وقال حاكم المركزي رياض سلامة، الذي يتهمه بعض المسؤولين اللبنانيين بالتذرع بالسرية المصرفية لتبرير حجب المعلومات، ردا على قرار ألفاريز آند مارسال آنذاك إنه “يحبذ إجراء تدقيق، لكن الكشف عن حسابات البنوك المحلية سيتطلب تغييرا تشريعيا”.

ودافع سلامة، الذي يتولى إدارة المركزي منذ قرابة 28 عاما، عن دور البنك في الكثير من المناسبات قائلا إنه “حافظ على الاستقرار بينما كانت الحكومات المتعاقبة تزيد الديون”.

ويعتمد لبنان قانون السرية المصرفية منذ العام 1956، حيث يمنع كشف السر المصرفي لأي جهة، سواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في بعض القضايا، وقد شكل هذا القانون دافعا لجذب رؤوس الأموال من دول عربية وأجنبية. ولكن البرلمان قام بشكل استثنائي العام الماضي برفع السرية المصرفية لمدة عام من أجل المضي قدما في هذا المسار المعقد والمليء بالمطبات.

وثمة قناعة سائدة بين المحللين بأن حكومة ميقاتي ستواجه عراقيل، وذلك بالنظر إلى التجارب السابقة والمتعلقة بتمسك المسؤولين في المركزي بشرط أساسي، وهو أن تحظى أي عملية تدقيق مالية بالمشروعية القانونية.

وليس ذلك فحسب، بل يرى خبراء ماليون أن من المحتمل أن يعقّد انعدام الشفافية في تقديم بيانات المركزي وتضارب المعلومات مهمة ألفاريز آند مارسال، وقد لا تصل إلى نتيجة واقعية تعكس حجم الضرر المالي الذي تعرض له الاقتصاد اللبناني، الذي صنفه البنك الدولي ضمن أسوأ اقتصادات العالم منذ قرن ونصف القرن.

وتحمّل جهات سياسية في لبنان سلامة، الذي يعتبر عراب استقرار الليرة، مسؤولية انهيار العملة المحلية، وهي تنتقد السياسات النقدية التي اعتمدها باعتبار أنها راكمت الديون، لكن سلامة دافع عن نفسه بالتأكيد على أنه “موّل الدولة ولكنه لم يصرف الأموال”.

غازي وزني: لا مخرج للبنان من الأزمة إلا عبر برنامج صندوق النقد

وسبق أن كشفت الحسابات السنوية المدققة للمركزي أن حاكمه ضخّم من قيمة أصوله عند مستوى اقترب من 7 مليارات دولار قبل ثلاث سنوات، مما سلط الضوء على مدى إسهام سياسة الهندسة المالية المتبعة في دعم اقتصاد البلاد. ورغم أن البيانات المالية للعام 2018 حظيت بمصادقة من شركتي تدقيق هما إي.وأي وديلويت في أغسطس الماضي، لكنها لم تخرج إلى العلن حتى اليوم.

وتظهر الحسابات أن المركزي ضبط دفاتره مع المساعدة في تمويل عجز حكومي دائم الاتساع، بما في ذلك تسجيل أصول بقيمة 6.82 مليار دولار تحت بند “رسم سك عملة تحت حساب الاستقرار المالي”.

ووفق دفاتر الحسابات، فإن سلامة هو من يحدد بشكل سنوي المبلغ الذي يتعين تخصيصه من رصيد التزامات رسم سك العملة لنفقات الفائدة المرحّلة وتكاليف مالية أخرى. وتقيد أغلب البنوك المركزية رسم سك العملة عادة بأرباح تجنى من طبع النقود، باعتبارها بند دخل، لكن المركزي اللبناني يسجل الأرباح المتوقعة من رسوم سك العملة تحت بند الأصول.

واتبع سلامة طيلة سنوات توليه مسؤولية المركزي “هندسة مالية” لصيانة ملاءة المالية العامة للبنان وربط الليرة بالدولار الأميركي، وذلك عن طريق امتصاص الدولارات من البنوك المحلية بأسعار فائدة مرتفعة. وتوقفت مفاوضات صندوق النقد الدولي العام الماضي عندما شكك سياسيون والقطاع المصرفي في حجم الخسائر المالية المحددة في خطة التعافي المالي التي وضعتها الحكومة.

ومنذ ذلك الحين تعمق الانهيار المالي في لبنان، حيث أصبح أكثر من ثلاثة أرباع السكان يعيشون تحت خط الفقر، وفقدت العملة المحلية أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأصيب البلد بالشلل بسبب نقص الوقود.

وقال وزني “لا مخرج لهذه الحكومة من أزمتها إلا من خلال برنامج صندوق النقد. عندما بدأنا المفاوضات مع الصندوق في مارس 2020 كانت الأغلبية ضد هذا الأمر والجميع اليوم يعتبر أن التفاوض معه أمر لا بد منه”. وأضاف “أوقفنا التفاوض مع صندوق النقد الدولي في آخر يوليو الماضي لأسباب داخلية، وقد قدمت حكومتنا للصندوق خطة التعافي الاقتصادي واعتبرها إيجابية وصالحة وجيدة بغض النظر عن أي تعليق”.

وأكد وزني، الذي شارك في محادثات صندوق النقد الدولي العام الماضي، أنه لم تعد هناك معارضة داخل لبنان لبرنامج صندوق النقد الدولي، وأن الجميع ينظر الآن إلى المفاوضات على أنها حتمية.

10