لاءات ثلاث تعمّق الأزمة بين الجيش وقوى الحرية والتغيير في السودان

عبدالفتاح البرهان يتعهد بإجراء انتخابات “حرة نزيهة” في العام 2023.
الجمعة 2021/11/26
لا تراجع ولو اختلفنا

الخرطوم - بعد أن كانت تطالب بالعودة إلى ما قبل الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، صارت قوى إعلان الحرية والتغيير بالسودان ترفع لاءات ثلاث ألا وهي “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية”، في وجه عبدالفتاح البرهان، وذلك بعد سقوط العشرات من القتلى خلال مظاهرات ضد إجراءات الجيش في الأسبوع الماضي.

وبهذا الموقف، اقتربت قوى الحرية والتغيير ومكوناتها الرئيسية من حلفائها السابقين تجمع المهنيين والحزب الشيوعي، فضلا عن لجان المقاومة التي ظلت تنادي بإسقاط الشراكة العسكرية مع السلطة، متهمة القيادة العسكرية بفض اعتصام أمام مقر قيادة الجيش بالخرطوم في يونيو 2019، إبان حكم المجلس العسكري المنحل، حيث سقط العشرات من القتلى والمئات من الجرحى، وهو ما ينفيه العسكر.

وتأسس ائتلاف قوى إعلان الحرية والتغيير في يناير 2019، وقاد احتجاجات شعبية أجبرت قيادة الجيش في أبريل من العام ذاته على عزل عمر البشير من الرئاسة (1989 ـ 2019)، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية.

خالد الفكي: قوى الحرية تحتاج إلى الوحدة والاتفاق كما كانت سابقا

وضم الائتلاف آنذاك تجمع المهنيين وتحالف “نداء السودان”، و”قوى الإجماع الوطني” و”التجمع الاتحادي”، إضافة إلى قوى المجتمع المدني.

ومنذ الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي يعاني السودان أزمة حادة، حيث أعلن قائد الجيش  البرهان حالة الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين وإعفاء الولاة، عقب اعتقال قيادات حزبية ووزراء ومسؤولين، مقابل احتجاجات مستمرة ترفض هذه الإجراءات، باعتبارها “انقلابا عسكريا”.

ثم عاد ووقع اتفاقا سياسيا مع رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، يتضمن أربعة عشر بندا، من أبرزها عودة حمدوك إلى منصبه بعد نحو شهر من عزله، وتشكيل حكومة كفاءات، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتعهد الطرفين بالعمل سويا لاستكمال المسار الديمقراطي.

وجاء الاتفاق بعد مطالبات دولية وإقليمية للجيش بالعودة إلى الوثيقة الدستورية وإعادة الحكومة المدنية برئاسة حمدوك وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وهي مطالب قوى إعلان الحرية والتغيير في بداية الأزمة.

وتعهد البرهان مجددا الاثنين خلال اجتماع مع قيادات من الجيش وقوات الدعم السريع (ميليشيا شبه عسكرية) بإجراء انتخابات “حرة نزيهة” في العام 2023. لكن ذلك لم يقنع قوى إعلان الحرّية والتغيير، الكتلة المدنيّة الرئيسة التي قادت الاحتجاجات المناهضة للبشير ووقّعت اتّفاق تقاسم السلطة عام 2019 مع الجيش.

وطالبت بمحاكمة قادة الانقلاب بتهمة تقويض شرعية العملية الانتقالية وقمع المتظاهرين وقتلهم.

وتأكيدا لموقفها الرافض للاتفاق، أعلن معظم وزراء قوى الحرية والتغيير الاثنين تقديم استقالاتهم إلى رئيس الوزراء الذي أعيد إلى منصبه.

وبتبني الحرية والتغيير اللاءات الثلاث ”لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية“، يعني أن الشراكة مع العسكر وصلت إلى نهايتها، وأصبح إسقاط البرهان ومجلسه السيادي هو هدف القوى.

وقبل قرارات الجيش الأخيرة، كان السودان يعيش منذ أغسطس 2019 فترة انتقالية تستمر 53 شهرا تنتهي بإجراء انتخابات مطلع 2024، ويتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وقوى إعلان الحرية والتغيير وحركات مسلحة وقعت مع الحكومة اتفاق سلام العام الماضي.

وقوى الحرية والتغيير هي من رشحت حمدوك لرئاسة الوزراء ووزراء حكومته المعزولة، بحسب الوثيقة الدستورية عام 2019.

وكانت وسائل إعلام محلية أفادت بمشاركة قيادات في الحرية والتغيير، على رأسهم فضل الله برمة ناصر، في التوصل للاتفاق السياسي بين البرهان وحمدوك.

وبعد ساعات من إعلان وكالة الأنباء السودانية الرسمية ومكتب حمدوك الثلاثاء عن لقاء الأخير بوفد من المجلس المركزي بقوى الحرية والتغيير، نفى الأخير حدوث اللقاء، مؤكدا أنه لم يسم ممثلا عنه للقاء حمدوك وأن “من قابله لا يملك تفويضا من الحرية والتغيير”، وأن موقفه “رافض للتفاوض والشراكة مع الانقلابيين، ولن يمنحهم الشرعية”.

عمرو شعبان: قوى الحرية تعيد إنتاج نفسها بالتماهي مع مطالب الشارع

وبناء على ذلك، رأى محللون أن قوى إعلان الحرية والتغيير تشهد تفككا جديدا. ويقول المحلل السياسي عمرو شعبان إن قوى إعلان الحرية والتغيير أصبحت لا تمتلك قرارها، فهي تنخرط مع الشارع ومطالبه المتمثلة في اللاءات الثلاث، وهي تتماهى مع الشارع لأنه قد تجاوزها بمطالبه بإسقاط الانقلاب والحكم المدني الكامل.

ويضيف “هي تحاول أن تعيد إنتاج نفسها من خلال تماهيها مع مطالب الشارع لاسيما الأحزاب الأكثر تأثيرا مثل الأمة القومي، والمؤتمر السوداني، والبعث، وكذلك التجمع الاتحادي”.

وأفاد شعبان بأن هناك تيارا آخر عقلانيا تمثله بعض قيادات الحرية والتغيير، والتي ترى أنها مع مطالب الشارع الرافضة للانقلاب، لكن في ذات الوقت لا ترفض التفاوض مع المكون العسكري لتسليم السلطة.

وفي المقابل، يرى المحلل السياسي خالد الفكي أن الحرية والتغيير تحتاج إلى إعادة صياغة ووضع خارطة طريق في ظل التطورات السياسية بالبلاد.

وأشار الفكي إلى “التباين بين تيارات قوى الحرية، حيث أن البعض يعتبر ما حدث من قائد الجيش انقلابا، وهناك قيادات أخرى تبارك لحمدوك خطواته بتوقيع الاتفاق السياسي”.

وأضاف “لهذا التباين تحتاج قوى الحرية والتغيير للاتحاد والتوصل لاتفاق مثل ما حدث منها في مواجهة الرئيس المعزول عمر البشير”.

وأردف “إذا لم تضع قوى الحرية والتغيير خطة واضحة للتعامل مع حمدوك سيلجـأ إلى العسكر وقوى الميثاق الوطني بقوى التغيير والقوى المجتمعية الأخرى من إدارة أهلية وطرق صوفية”.

ولفت إلى أن بداية الانقسام وضحت من خلال مشاركة قيادة من قوى الحرية والتغيير في التوصل لاتفاق سياسي بين البرهان وحمدوك وهذا بمثابة بداية انقسام حقيقي في هذه القوى.

7