كيف يمكن للإعلام الحكومي في الدول العربية الدفاع عن مفهوم الدولة الوطنية

"عالم بعد الحقيقة" يفرض تطوير الإعلام الرسمي وتحويله إلى "خدمة عامة".
الخميس 2021/10/21
صوت الحاكم لا يستهوي أحدا

التغيرات الحادة التي طرأت على دول المنطقة العربية تتطلب إعادة الاعتبار للإعلام المدعوم من الدولة والذي يعاني من الترهل في أغلبه لرفع تنافسيته مع الإعلام الخاص ومواقع التواصل الاجتماعي في “عالم ما بعد الحقيقة”، وفق توصيات مؤتمر الإعلام العربي الذي أقيم في تونس.

تونس- أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط على دور الإعلام في صناعة الوعي، مشيرا إلى أن أحداث العقد الماضي في العالم العربي كشفت عن مخاطر كبيرة ينطوي عليها اختراق العقل والتشويش على الفهم والإدراك بسيل من المعلومات المتناقضة والزائفة التي تتدفق على مدار الساعة من كل حدب وصوب، فتكتسح الحقائق أمامها في تدفقها الهادر.

وأشار أبوالغيط في كلمته في اختتام مؤتمر الإعلام العربي الذي أقيم في تونس في اليومين الماضيين إلى “عالم ما بعد الحقيقة” الذي اتخذ تسميته من فرط الكم الهائل من المعلومات الزائفة التي يجري تناقلها في الفضاء الرقمي بسرعة غير مسبوقة.

ووجدت الدول العربية، أسوة بالعالم، نفسها في مواجهة هذا التحدي الصعب الذي تفرضه تكنولوجيات العصر الرقمي والتواصل الاجتماعي، وسرعة تناقل وتبادل المعلومات والإمكانيات الهائلة لصناعة المحتوى على نحو يخدم أهدافاً سياسية معينة، أو يُعزز أفكاراً بعينها.

ويتفق خبراء الإعلام على أن “القرن الحادي والعشرين يعد عصر الإعلام والدعاية الدولية بكل مكوناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، ومع ثورة الاتصالات والمعلومات أصبحت وسائل الإعلام إما مصدرا لقوة الدول أو ضعفها”.

وأضاف أبوالغيط أن صيانة العقل والوعي الجمعي لا تقل أهمية عن تأمين الحدود والتراب الوطني، حيث قد تتسرب إلى العقل أفكار تهدم الأوطان من داخلها وتجعلها فريسة للاستقطاب الحاد، أو عرضة للتدخلات الخارجية والأجندات الأجنبية.

أحمد أبوالغيط: التراجع الخطير لمفهوم الدولة الوطنية سببه خطاب إعلامي يقوم على التحريض والتخوين المتبادل

وأوضح الأمين العام لجامعة الدول العربية أن ثمة عاملا مشتركا بين الأزمات الأمنية والسياسية الخطيرة التي تشهدها بعض الدول العربية، وهو التراجع الخطير لمفهوم الدولة الوطنية عبر خطاب إعلامي يقوم على التحريض والتخوين المتبادل، وتقسيم أبناء الوطن الواحد على أساس الدين أو العرق أو الانتماء الطائفي، حيث يختفي علم الدولة رمز وحدتها وسيادتها ويظهر بدلاً منه علم القبيلة أو الطائفة أو الجهة.

ويدعو خبراء في هذا الإطار إلى إعادة الاعتبار للإعلام الحكومي “المترهل” الذي أصبح “مطيّة لمن يملك المال والحكم”. وتفيد دراسات بأن الناس في الدول العربية يعزفون عن مشاهدة التلفزيونات الرسمية وقراءة الصحف الحكومية. ويعزو خبراء تراجع أعداد المشاهدين إلى نوعية المحتوى المقدّم وسقف الحريات المنخفض بشكل غير مسبوق.

ورغم ذلك يصر أبوالغيط على القول إن “الإعلام هو خط اتصال جوهري بين الحكومة والناس، وإذا حدث وانقطع هذا الخط فإن الفجوة تتسع بينهما، فتفقد الحكومة الشعور بنبض الشعب، ويفقد الشعب الاهتمام بسياسات الحكومة، وهو وضع يُفضي إلى إرباك مسيرة العمل الوطني”.

ويشهد العالم ثورةً تقنية ومعلوماتية أتاحت لوسائل الإعلام المزيد من الفرص لتعظيم دورها، وذلك من خلال ظهور الكثير من وسائل الإعلام الحديثة ذات القدرة العالية على الوصول إلى قطاعات جديدة من الجمهور لم يكُن في مقدور وسائل الإعلام التقليدية الوصول إليها، واستغلت العديد من الجماعات الإرهابية بعض وسائل الإعلام للترويج لخطابها المضلل كما وظفتها فى تجنيد المزيد من الأتباع، فيما بقي الإعلام الرسمي في دول عربية مترهلا وغير قادر على المنافسة، وإن استغل الثورة التقنية فإن المضمون يبقى دون المطلوب.

وشدد أبوالغيط على مسؤولية الإعلام العربي في مواجهة هذا الخطاب المدمر الذي قاد إلى التفكيك والتفتيت، وأشاع الكراهية وجعل استحلال الدم وإرهاب الأبرياء هدفا مشروعا، موضحا أن هذا الخطاب حاضر بصور شتى في الفضاء الإلكتروني بل والتلفزيوني، وهو يشكل المظلة التي تحتمي بها قوى الإرهاب والطائفية لتبرر أهدافها والوسائل البشعة التي تستخدمها في تحقيق هذه الأهداف. وقال إن إعلاما بلا حرية يفقد معناه ومصداقيته، ولكن إعلاما بلا مسؤولية يمكن أن يتحول إلى ثغرة خطيرة في الوعي الوطني.

وأضاف أبوالغيط أنه يتعين على الخطاب الإعلامي، وفي ظل التحديات الاستثنائية التي يواجهها عالمنا العربي، أن يُعيد التركيز على مفهوم الدولة الوطنية الذي تعرض للتشويه والتشويش عن جهل أو قصد.

يذكر أن أفكار إصلاح الإعلام المملوك للدولة لم تكن شائعة في العالم العربي قبل التغيرات الحادة التي طرأت على عدد من دول المنطقة اعتباراً من عام 2011 بعد اندلاع ما يسمى بالربيع العربي الذي هدد مفهوم الدولة الوطنية.

وتوصلت دراسات إلى وجود أدلة قوية تؤكد أن النموذج القائم للبث الإذاعي والتلفزيوني العام (الرسمي) في العالم العربي عفَا عليه الزمن، ويمثّل النهج السائد في البث الإذاعي والتلفزيوني النموذج السلطوي التقليدي، حيث أن البرمجة على القنوات العربية العامة تفتقر إلى الرؤية، ولا تتوافق مع معايير الخدمة العامة للبث المتمثلة في الإخبار والتثقيف والترفيه والالتزام بالجودة المهنية والشمولية والتنوع.

ولم تكن النتيجة السابقة صادمة أو غير متوقعة، فعلى الرغم من أن عددا من الدول العربية قطعت شوطا في تحرير ملكية البث الإذاعي والتلفزيوني من الاحتكار الرسمي والسماح للقطاع الخاص بالاستثمار في هذا المجال، فإن أداء مؤسسات البث الإذاعي والتلفزيوني في العالم العربي لم تشهد تغييرا جوهريا ينقلها إلى مجال الخدمة الإعلامية العامة.

وتتأكد يوماً بعد يوم أهمية إعادة الاعتبار للإعلام الرسمي بسبب دوره المهم في شرح القضايا وطرحها على الرأي العام من أجل تهيئته إعلاميا، وتتعاظم هذه الأهمية مع التقدم التقني الهائل في عالم الاتصالات.

وبالعودة قليلا إلى الوراء، كان الإعلام تقليديا، يقدم رسالته المنوطة به إخبارا وتثقيفا وتوعية وتنويرا، لكنه في الوقت الراهن أصبح سلاحا من أقوى الأسلحة المنوط بها الدفاع عن الدولة الوطنية وتثبيت أركانها، ومجابهة الأخطار التى تحيط بها سواء فى الداخل أو الخارج.

ويشدد خبراء على ضرورة استغلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي بما لها من قدرة عالية على تتبع مثل هذه الأخبار والشائعات الهدامة لتطوير بيئة العمل الإعلامي، مؤكدين أنه على الإعلام العربى أن يقوم بدور مهم فى رأب الصدع بين الحكومات وشعوبها، وأن تسند هذه الرسالة إلى إعلاميين عرب على قدر عال من الثقافة والوعي والوطنية.

16