كيف ساعد ترامب إيران على تفادي الحظر بمساعدة تركية

افتتان ترامب بأردوغان كان متجذرا في سياسة تبادل المصالح لكن تقديم خدمة لحاكم مستبد كان بمثابة تضارب مباشر مع المصالح الأميركية المعلنة وقانون الولايات المتحدة.
الأربعاء 2021/01/13
مقايضات ولامبالاة على حساب الأمن القومي

ستبدأ محكمة جزئية أميركية بعد أسابيع  محاكمة ما يُزعم أنه أكبر مخطط للتهرب من العقوبات على الإطلاق، بقيمة تقدر بعشرين مليار دولار، يقول المدعون إن بنك خلق التركي نفذه بالتواطؤ مع كبار المسؤولين الحكوميين الأتراك، لمساعدة إيران على تجنب العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، والذي كان افتتانه بسياسة الرئيس رجب طيب أردوغان أحد الدوافع الرئيسية على ما يبدو في سياسة تبادل المصالح على حساب الأمن القومي للولايات المتحدة.

واشنطن- يجد الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب نفسه متورطا في قضية مثيرة للجدل تتعلق بتقديم تسهيلات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان من خلال بنك خلق التركي للاتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

وإذا تم إثبات التهمة على بنك خلق، وانتهى به الأمر خارج النظام المالي الأميركي، فقد تكون التداعيات على الاقتصاد التركي المترنح بالفعل هائلة، وبالمثل يمكن أن تكون الهزات السياسية الارتدادية في تركيا نتيجة المحاكمة مدمرة لأردوغان، الذي حاول إلقاء اللوم على الأعداء السياسيين في المخطط بأكمله.

ومنذ أن بدأت القضية قبل أكثر من أربع سنوات سعى ترامب إلى حماية البنك من العقوبات المسلطة عليه بسبب دوره في مساعدة إيران، بما في ذلك إقالة اثنين من المدعين الفيدراليين ومطالبة كبار مسؤولي الحكومة بالضغط على وزارة العدل لإسقاط التهمة.

مصالح شخصية

طوال الوقت، ظل هناك سؤال واحد مهم وهو لماذا يحاول ترامب، الذي اتخذت إدارته موقفًا متشددًا ضد طهران، بما في ذلك ما تصفه بحملة “الضغط الأقصى” لخنق اقتصادها، حماية أحد أكبر حلفاء إيران في التهرب من تلك العقوبات بالذات؟

جون بولتون: أنا لا أعتقد أن ترامب قد استوعب تماما طبيعة التهم الأساسية
جون بولتون: أنا لا أعتقد أن ترامب قد استوعب تماما طبيعة التهم الأساسية

ويبدو الجواب بسيطا، فترامب لم يفهم أبدًا التهم الموجهة إلى البنك أو علاقتها بإيران وأراد فقط أن يقدم خدمة لزميله القوي، أردوغان. وقال جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق “رغم إعلامه بسبب التحقيق مع بنك خلق، ما زلت غير متأكد من تقديره الكامل لانتهاك العقوبات الأميركية ضد إيران، ثم ارتكاب الاحتيال المالي من خلال الكذب بشأن الانتهاكات. لا أعتقد أن ترامب قد استوعب تمامًا طبيعة التهم الأساسية”.

ويتعلق هذا النهج بافتتان ترامب بالقادة الاستبداديين وأسلوبه الشخصي والمعاملات في مجال السياسة الخارجية. ويقول بولتون لمجلة “فورين بوليسي” “أعتقد أن ترامب قد أُعجب بالطريقة التي يتصرف بها كل من الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأردوغان في بلدانهم وهم بمنأى عن المحاسبة عليها”.

وبدأ المخطط الذي يقول المدعون إنه أكبر جهد للتهرب من العقوبات في التاريخ في أواخر 2012 بطلب من أردوغان، حينما كان رئيسا للوزراء، وفقًا لشهادة المتورط الرئيسي في المخطط، تاجر الذهب التركي رضا ضراب. وكانت الخطة أن تقوم إيران بتحويل صادراتها من النفط والغاز إلى ذهب يمكنها التحكم به، وهو ما زاد من صعوبة العقوبات الأميركية الحالية.

وحتى بعد أن حذر مسؤولو العقوبات الأميركية بنك خلق مطلع 2013 من التمادي في ارتكاب الجريمة، وجد مديرو البنك وضراب طريقة للمضي قدمًا في المخطط. وقال جون سميث، المدير السابق لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، إن “هذه المزاعم غير مسبوقة إلى حد ما من حيث خطورة ونطاق الخداع والتهرب المزعوم”.

ورغم إغلاق السلطات التركية البنك، عاد إلى العمل بعد ذلك بفترة قصيرة. ووفقًا للائحة الاتهام الأميركية، دفع ضراب رشاوى لضمان الإفراج عنه وعن زملائه المتهمين وتأمين إسقاط القضية في 2014 ثم ناشد بنك خلق إعادة تشغيل مخطط التهرب من العقوبات، كما أن أردوغان ورفاقه “أصدروا تعليمات لبنك خلق باستئناف المخطط، ووافق بنك خلق”.

عندما طلبت تركيا من ترامب سحب القوات الأميركية من شمال سوريا وتمهيد الطريق لهجوم تركي امتثل ترامب لهذا الطلب

واستمر المخطط حتى اعتقال ضراب في ميامي في 2016 وأغلق المخطط نهائيا، ومنذ ذلك الحين بدأت أنقرة تضغط على المسؤولين الأميركيين للتخلي عن القضية بدءا من الاعتماد على نائب الرئيس آنذاك جو بايدن. وحاول أردوغان فيما بعد إقناع الرئيس باراك أوباما بالتدخل ولكن كليهما رفض ذلك.

ومع تنصيب ترامب في 2017 سافر رودي جولياني، مستشار البيت الأبيض ثم المحامي الشخصي للرئيس فيما بعد، ومايكل موكاسي، المدعي العام السابق في عهد جورج دبليو بوش، الذي بدأ تمثيل ضراب، إلى تركيا لمناقشة القضية مع أردوغان. وفي الشهر التالي تم فصل بريت بارارا، المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية من نيويورك الذي كان يشرف على القضية.

وفي وقت لاحق من نفس العام حاول ترامب إقناع وزير الخارجية آنذاك، ريكس تيلرسون، بالضغط على وزارة العدل لإسقاط القضية ضد ضراب. وقال تيلرسون إنه رفض ذلك واعترض على جهود ترامب معتبرا أنها تدخل غير قانوني.

وقال تيلرسون لمجلة “فورين بوليسي” إنه “لم يكن متأكدًا حقًا من أن ترامب فهم حجم قضية بنك خلق”، وحاول شرح خطورة قضية بنك خلق دون نجاح. وظل جولياني وموكاسي يضغطان على تيلرسون للتدخل في القضية، وكشف أنه قال لهم “أنتم جميعًا أخأطتم هدفكم هنا لأنكم لن تجدوا وكالة في الحكومة ستقدم المشورة للحكومة لفعل هذا”.

خدمة مقابل معروف

نيكولاس دانفورث: ترامب بدا سعيدا تماما بانحيازه إلى كل ما يفعله أردوغان
نيكولاس دانفورث: ترامب بدا سعيدا تماما بانحيازه إلى كل ما يفعله أردوغان

على مدى سنوات، واصلت تركيا وجماعات الضغط التي عينتها في واشنطن محاولة إقناع المسؤولين في إدارة ترامب بإلغاء تحقيق بنك خلق. وحاول ترامب إقناع خلفاء سيشنز، القائم بأعمال النائب العام السابق ماثيو ويتاكر والمدعي العام السابق ويليام بار، الذي قاد جهود التفاوض على صفقة يمكن للبنك بموجبها تجنب الاتهامات، بإسقاط القضايا ضد ضراب وأتيلا والبنك.

ورغم ذلك استمر التدخل الشخصي لترامب. ففي مطلع ديسمبر 2018، اجتمع مع أردوغان على هامش قمة مجموعة العشرين في بوينس آيرس، وناقشا قضية العقوبات. وذكر بولتون في كتابه الأخير أن ترامب أخبر أردوغان بأنه “سيهتم بالأمر”.

وذكر بولتون أن أردوغان “قدم إلى ترامب مذكرة من مؤسسة كينغ آند سبيلندنغ، التي مثلت بنك خلق، وقلّب ترامب الصفحات ثم قال إنه يعتقد أن بنك خلق بريء، أستطيع أن أقول لكم إن ترامب لم يقرأ المذكرة، لكنه كان يقلّب الصفحات فقط”.

وبعد أسبوعين تحدث القادة عبر الهاتف، وأخبر ترامب، وفقًا لبولتون، نظيره التركي “أننا نقترب كثيرا من إيجاد حل بشأن بنك خلق”. وفي أبريل 2019 أخبر ترامب أردوغان بأنه كلف بار ووزير الخزانة ستيفن منوتشين بمعالجة القضية. وفي ذلك الشهر، وخلال اجتماع بالمكتب البيضاوي، التقى ترامب وصهره جاريد كوشنر ومنوتشين ببراءت البيرق، صهر أردوغان ووزير الخزانة التركي حينها، وهو متورط أيضا في المخطط.

وعقد منوتشين ستة اجتماعات إضافية مع القيادة التركية العليا بين عامي 2017 و2019 واستمرت الجهود حتى العام الماضي، عندما أمر ترامب بإقالة مدعي عام آخر في المنطقة الجنوبية في نيويورك، هذه المرة جيفري بيرمان.

لقد أشار بولتون في كتابه إلى ميل ترامب إلى تقديم خدمات شخصية للطغاة والحكام المستبدين الذين يحبهم. لكن في قضية بنك خلق، فإن تقديم خدمة لحاكم مستبد كان بمثابة تضارب مباشر مع المصالح الأميركية المعلنة وقانون الولايات المتحدة.

ترامب لم يفهم أبدًا التهم الموجهة إلى البنك أو علاقتها بإيران وأراد فقط أن يقدم خدمة لزميله القوي، أردوغان

ويؤكد بولتون أن افتتان ترامب بالقادة الاستبداديين متجذر في سياسة تبادل المصالح، حيث يقول ترامب دائما “أنت بحاجة إلى خدمة، سأقدم لك معروفًا”، مع العلم أنه يمكن أن يعود إلى أردوغان للحصول على معروف في المقابل. وقال بولتون إن ترامب قال لأردوغان “أنا أفعل ذلك من أجلك فقط”.

ولم تطرح إدارة ترامب أبدًا أي مصلحة للأمن القومي كسبب لإلغاء القضية وسيكون من الصعب الضغط عليها لإبراز ذلك السبب، حيث تغض الطرف عن الجهود الإيرانية الهائلة للتهرب من العقوبات وتأمين مليارات الدولارات بشكل مباشر ضد الأمن القومي الأميركي.

ويقول نيكولاس دانفورث، زميل أبحاث كبير غير مقيم في المؤسسة الهيلينية للسياسة الأوروبية والخارجية، متحدثا عن هذه المسألة “في الكثير من القضايا الثنائية بين الولايات المتحدة وتركيا، لأسباب لا تزال غير قابلة للتفسير، بدا ترامب سعيدًا تمامًا بانحيازه إلى جانب أردوغان”.

وأشار دانفورث إلى أنه في قضية الأسلحة الروسية وقضية بنك خلق تضمنت جهود ترامب لاستيعاب أردوغان تقويض سيادة القانون في الولايات المتحدة.

لا أهداف إستراتيجية

ترامب سعى إلى حماية بنك خلق من العقوبات المسلطة عليه بسبب دوره في مساعدة إيران
ترامب سعى إلى حماية بنك خلق من العقوبات المسلطة عليه بسبب دوره في مساعدة إيران

من نواحٍ عديدة، عكس تعامل ترامب مع تركيا وقضية بنك خلق علاقته الأوسع مع أنقرة، وعندما اشترت تركيا أنظمة دفاع جوي روسية الصنع، يعاقب عليها بعقوبات إلزامية بموجب القانون الأميركي، تردد ترامب في فرض هذه العقوبات.

وقال سميث، الرئيس السابق لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية، “الخطورة الأكبر من الاتهامات هي مزاعم أن النظام المالي الأميركي قد تم استخدامه وإساءة استخدامه بطريقة تقوض سلامة تلك العقوبات ضد إيران في تلك الفترة، حيث كان برنامج الأسلحة النووية احتمالًا حقيقيًا”.

وقال تيلرسون إنه لم تكن هناك سياسة خارجية أو هدف إستراتيجي وراء سلوك الرئيس تجاه أردوغان وبنك خلق، وهذا ما جعل الأمر صعبًا دائمًا في التعامل مع المواقف التي يبدو أن الرئيس يريد من خلالها إغاثة شخصيات استبدادية، مثل أردوغان وزعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون”.

تمت معاقبة المتهربين من العقوبات السابقة مثل البنك الفرنسي بي.أن.بي باريبا بتوقيع غرامات ضخمة، لكن قيمة العقوبات تتلاشى إذا تمكن أكبر المتهربين من التخلص من هذا المأزق. وقد حذر تيلرسون الرئيس “إذا لم تكن على استعداد لمحاكمة هؤلاء الأشخاص على هذه الانتهاكات بموجب قوانين العقوبات، فما الذي ستفعله في المستقبل مع أي شخص؟”.

على مدى سنوات، واصلت تركيا وجماعات الضغط التي عينتها في واشنطن محاولة إقناع المسؤولين في إدارة ترامب بإلغاء تحقيق بنك خلق

وعندما طلبت تركيا من ترامب سحب القوات الأميركية من شمال سوريا وتمهيد الطريق لهجوم تركي من شأنه أن يهدد شركاء الولايات المتحدة الأكراد على الأرض، امتثل ترامب لهذا الطلب.

وقال أيكان إردمير، العضو السابق في البرلمان التركي والمدير الأول لبرنامج تركيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن “الأمر سينطبق أيضا على مشكلات أردوغان السياسية والاقتصادية”. وأكد أنه “كانت هناك خطة ضخمة لخرق العقوبات الأميركية، وتواطأ وزراء أتراك وكبار المسؤولين في ثاني أكبر مقرض عام في تركيا مع عملاء إيرانيين على تحقيق ذلك، بمباركة أردوغان”.

وفي خضم كل ذلك، خلص تيلرسون إلى أن سبب اهتمام أردوغان المستمر بهذا الأمر هو أنه متخوف مما سيظهر أو سيتم كشفه بشأن تورطه في هذه المسألة، بالإضافة إلى أشياء أخرى.

6