كيف أصبح الفساد الإداري شكلا من أشكال الالتفاف على صعوبات المعيشة في المجتمعات العربية

الفساد الإداري يعتبر ظاهرة معقدة تكمن جذورها في المؤسسات البيروقراطية والسياسية ويختلف تأثيرها على التنمية باختلاف ظروف البلد.
السبت 2021/07/24
القواعد غير سارية

يعتقد البعض أن استبدال الموظفين الفاسدين بمن هم أنزه كاف للقضاء على الفساد الإداري، إلا أن المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير. فحتى لو استلم من ينعتون بأنهم أنزه النّزهاء وظائف الدولة من أعلاها إلى أدناها وقدّموا أفضل ما عندهم؛ فإن النتيجة ستظل مخيبة للآمال، لأن لبّ القصيد ليس الصّفات الشخصية للموظف العمومي، بل طبيعة العمل البيروقراطي الذي يدفع إلى انحدار النوعية والخدمة و ارتفاع التكلفة.

تونس- استطاع هاني (47 عاما) مراقب الحسابات في وزارة أملاك الدولة، بعد عشرين سنة عمل، الحصول على شهادة طبية تؤكد أنه يعاني مرضا نفسيا لا يمكنه من العمل ومنذ ذلك الوقت يحصل الرجل على مرتبه دون أن يبذل أدنى جهد، بل إن الرجل لا يعاني مكروها ويشتغل  كمراقب حسابات في مكتب خاص في العاصمة تونس. وجد هاني هذه الفكرة، وفق زميله سليم (33 عاما)، بعد أن كادت تقدم به قضايا في الرشوة وضيق عليه الخناق، فأصبح مرتبه لا يكفيه وهو الذي استسهل حياة البذخ.

ويعتبر هاني مثالا صارخا لاستغلال وظيفة “مسمار في حيط”. وتنظر الأغلبية إلى العمل في القطاع الحكومي على أنه “مسمار في حائط”، والمصطلح المستخدم في تونس يعني الأمان الوظيفي.

واقعية نفعية

قال أستاذ علم الاجتماع الراحل المنصف ونّاس في كتاب “الشخصية التونسية” الذي أصدره مطلع 2011 على موضوع الفساد في تونس إن شخصية التونسي “لا ترى غضاضة في مسايرة الفساد الاجتماعي بكل صنوفه شريطة أن يؤدي ذلك إلى مكاسب مادية ومعنوية وحتى مهنية بغض النظر إن كانت صغيرة أو كبيرة”، لافتا إلى أن شخصية التونسي “واقعيّة” و”حريصة على النفع الخاص” و”تتعامل مع الظواهر غير السوية بواقعية شديدة مع درايتها المسبقة بفساد الشخص”.

ولاحظ أنّ “التعامل (في تونس) مع العناصر المرتشية والفاسدة اجتماعيا والتواطؤ معها لقاء تحصيل بعض المكاسب” يعكس ما يتميّز به التونسي من “واقعية نفعيّة مفرطة”.

الرشوة قاعدة

وانتقد الباحث غياب ردع الفاسدين حتى من بين من ثبتت إدانتهم. وقال “موظف عمومي يمارس الابتزاز المادي والمعنوي على امتداد أكثر من 15 سنة، وعلى الرغم من أنه تم إعلام جميع الإدارات المتعاقبة وكبار المسؤولين في الوزارة المعنية بسلوكيات الارتشاء والاتجار والابتزاز ولكن لم يتولد عن ذلك أي إجراء ردعي بحقّه”.

وأشار إلى أن الفساد تحوّل إلى “شكل من أشكال الالتفاف على صعوبات المعيشة والحياة اليومية وتدبير الموارد اللازمة لها بغض النظر عن السبل والكيفيات التي يتمّ الاعتماد عليها للوصول إلى الموارد والمنافع”.

وأوضح أن “محدودية إمكانيات الطبقة الوسطى التي تقدرها السلطة بحوالي 80 في المئة من مجموع سكان تونس المقدر عددهم بحوالي 10 ملايين نسمة” و”تعمّق ظاهرة مديونية الطبقة الوسطى جراء حالة عامة من الاستدانة العائليّة” وشح الموارد والإمكانيات وتوزيعها غير العادل و”التفاوت الكبير بين الطموحات والإمكانيات” و”انتشار خيال شبه جماعي تسوده فكرة الإثراء السريع” و”الانفجار المذهل في طلب الخدمات” إضافة إلى ضعف “الآليات الدفاعية والتحصينيّة في المجتمع والتي تكاد تكون معطلة” هي أبرز الأسباب التي جعلت التونسي يساير الفساد والفاسدين.

واضح ومستتر

يقول النائب في البرلمان التونسي ياسين العياري إن “التونسيين يحبون المسمار في حيط، يريدون العمل في وظائف حكومية، قد يرضى أن يقع فريسة للبطالة لعشر سنوات المهم في الأخير يشتغل عملا حكوميا حتى بأقل من مستواه وبثلث راتب.. لأن العمل في الدولة، حتى بمرتب أقل.. يعني الأمان، الاستقرار والحلم!”.

وينقسم الفساد الإداري إلى نوعين: واضح ومستتر. أما الواضح فذاك الذي توجه إليه أصابع اللوم لكن بعض من يلومون النوع المفضوح هم أنفسهم يمارسون نوعا مستترا. ويضرب البعض مثالا على موظف حكومي من المفترض أن يعمل ثماني ساعات يوميا، لكن تجده يذهب ساعة صباحا ثم يذهب إلى عمل آخر ثم يتحدث عن الفساد وهو رمز للفساد.

ويتحدث محمد، مدير مدرسة، عن مفتش مدرسي نظريا غير ملزم بمكتب يذهب صباحا إلى مدرسة يقضي فيها نصف النهار ثم يعود يكتب تقريره، لكن هذا المفتش لا يأتي على الأغلب وإن أتى فلمدة نصف ساعة.

تعمّق ظاهرة مديونية الطبقة الوسطى جراء حالة عامة من الاستدانة العائلية جعلت التونسي يساير الفساد والفاسدين

ويعتبر حضور الموظف إلى عمله وانصرافه في الوقت المحدد أحد مؤشرات الانضباط والالتزام، وتستكمل هذه الصورة حينما يتوج ذلك بحسن الأداء واحترام متطلبات الوظيفة وتسهيل أمور المراجعين، وتنعكس هذه الصورة من الالتزام على مستوى الإنتاج وقيمة العمل ثم على المجتمع لاحقا.

ويمكن للفساد في القطاع العام أن يتسبب في أضرار جسيمة بما في ذلك تقويض ثقة الجمهور في الحكومة وإهدار الموارد العامة والمال والتسبب في الظلم بامتياز البعض على حساب الأكفاء. كما يضر الفساد بسمعة المؤسسات مما يجعل من الصعب تعيين موظفين مؤهلين والاحتفاظ بهم.

ويعتبر الفساد الإداري ظاهرة معقدة. تكمن جذورها في المؤسسات البيروقراطية والسياسية، وتأثيرها على التنمية يختلف باختلاف ظروف البلد. ولكن في حين أن التكاليف قد تتفاوت وقد يتعايش الفساد المنهجي مع الأداء الاقتصادي، تشير التجربة إلى أن الفساد ضار بالتنمية. إنه يقود الحكومات إلى التدخل حيثما لا يجب، ويقوض قدرتها على سن وتنفيذ السياسات في المجالات التي يلزم فيها تدخل الحكومة بوضوح، سواء التنظيم البيئي، أو تنظيم الصحة والسلامة، أو شبكات الأمان الاجتماعي، أو استقرار الاقتصاد الكلي، أو إنفاذ العقود.

وقد جعل الفساد المتراكم المجتمعات العربية ميؤوسا منها ودفعها إلى فقدان الثقة بقدرات أنظمتها /حكوماتها على تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، حيث أن تلك الأنظمة والفئة الصغيرة المستفيدة منها هي السبب الرئيسي للفساد. لذلك فإن محاربة الفساد تتطلب استعداد الدولة وأنظمة هيكلية واضحة في مؤسسات الدولة. وبالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى خطة شاملة على المدى القصير والمتوسط والطويل.

الفساد ضار بالتنمية

وتنتشر البطالة المقنعة في الدول النامية بقوة، وخاصة المنطقة العربية، وتأتي لسببين رئيسين، هما: إما توافر أعداد كبيرة من العمال لشغل وظائف قليلة جدا، أي أن هناك فائضا من العمالة غالبا بسبب زيادة عدد السكان وعدم توفر وظائف حقيقية كافية، وأما السبب الثاني فهو الفساد والمحسوبية، وهي أيضا أشياء منتشرة في المنطقة بشكل ملحوظ، وأبرز صورها تكدس العاملين في الأجهزة الحكومية بما يفوق احتياجات تلك الأجهزة.

والنتيجة واحدة، فمع وجود جهاز إداري ضخم لا يتناسب إنتاجه مع ما يحصل عليه من رواتب تخسر البلاد مقدرات كبيرة، دون إضافة تذكر للاقتصاد الحقيقي في
البلاد. وبحسب هالة السعيد وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري في مصر، فإن عدد موظفي الحكومة حاليا حوالي 5.2 مليون شخص، والنسبة الكبرى من موظفي الحكومة يعملون في المحليات.

وبلغت مخصصات الأجور في موازنة مصر للعام المالي 2018 /2019 نحو 266 مليار جنيه، وهذه الأجور يحصل عليها العاملون بالوزارات الحكومية، وذلك بخلاف العاملين بالهيئات والوحدات الاقتصادية، والتي لا تدخل أجورهم ضمن هذا الرقم، فيما تحاول الحكومة خفض فاتورة الأجور بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، من خلال تنفيذ قانون الخدمة المدنية، وحظر التعاقد على بند أجور موسميين، وكذا الحظر الوارد بالتأشيرات العامة.

وتعد ظاهرة البطالة المقنعة في العراق الأكبر من بين دول المنطقة، إذ تشير بعض الإحصاءات إلى أن البطالة تصل إلى نحو 59 في المئة، منها نحو 43 في المئة بطالة مقنعة، وهو النوع السائد في أغلب مؤسسات القطاع العام؛ حيث يتكدس في إطارها عدد كبير من العاملين بشكل يفوق الحالة الفعلية للعمل. وتشير التقديرات إلى أن العراق يضم أكثر من 4 ملايين موظف حكومي، وهو ما يعادل نحو 20 في المئة من القوة العاملة، التي تتراوح بين عمر 14 إلى 60 عاما، ويشكلون نحو 58 في المئة من عدد السكان. بينما لا تتجاوز نسبة الإنتاجية للعامل الواحد في المؤسسات الحكومية مدة 17 دقيقة خلال ثماني ساعات، مدة العمل الرسمية في اليوم الواحد، وهي المدة الأقل بين الموظفين العرب.

جدير بالذكر أن أهم ملامح موازنة العراق لعام 2019 هي تضخم حجم الرواتب التي تصل إلى 54 في المئة من إجمالي الموازنة، إذ بلغت مخصصات رواتب الموظفين والمتقاعدين والضمان الاجتماعي 52 مليار دولار.

فساد متجذر

مع وجود جهاز إداري ضخم لا يتناسب إنتاجه مع ما يحصل عليه من رواتب تخسر البلاد مقدرات كبيرة، دون إضافة تذكر للاقتصاد الحقيقي في
البلاد

ترى أستاذة العربية سامية (37 عاما) أن “الفساد الإداري وخسائر المؤسسات العمومية ليس مردهما أن التونسي لا يعمل أبدا أو يعمل 8 دقائق فقط كما يريدون أن يقنعوننا، بل إن السبب الرئيس هو سوء التصرف وغياب أي استراتيجية ممكنة للإصلاح”.

وتضيف أن “التونسيين يريدون خدمة مسمار في حيط ليس لأنهم خائفون أو لا يمتلكون أفكارا، لكن لأن البيروقراطية في تونس كفيلة بأنها تقتل أي فكرة وأي طموح”.

وكثيرا ما تكون أسباب الفساد سياقية ومتجذرة في سياسات الدولة والتقاليد البيروقراطية والتطور السياسي والتاريخ الاجتماعي. ومع ذلك، يميل الفساد إلى الازدهار عندما تكون المؤسسات ضعيفة.

وقد يتم تقويض الدافع الطبيعي لموظفي القطاع العام للعمل بشكل منتج من خلال العديد من العوامل، بما في ذلك انخفاض وتدني رواتب الخدمة المدنية والترقية غير المرتبطة بالأداء. كما أن الميزانيات الحكومية المختلة، وعدم كفاية الإمدادات والمعدات، والتأخير في الإفراج عن أموال الميزانية (بما في ذلك الأجور)، وفقدان الغرض التنظيمي قد تضعف معنويات الموظفين وبالتالي يضعف الدافع للبقاء أمينا أكثر خاصة إذا استخدم كبار المسؤولين والقادة السياسيون المناصب العامة لتحقيق مكاسب خاصة أو إذا كان أولئك الذين يقاومون الفساد يفتقرون إلى الحماية.

وفي بعض البلدان، قد تكون مستويات الأجور منخفضة دائما مع الفهم غير الرسمي أن الموظفين سيجدون طرقهم الخاصة لتكملة الأجور غير الكافية. وفي بعض الأحيان تتفاقم هذه الظروف بسبب الأنظمة السياسية المغلقة التي تهيمن عليها المصالح الخاصة الضيقة. وعندما يكون الفساد منهجيا تظل القواعد الرسمية سارية، لكنها تحل محلها قواعد غير رسمية. قد تكون رشوة موظف عمومي جريمة ولكن في الممارسة العملية لا يتم إنفاذ القانون أو تطبيقه.

ومع مرور الوقت، طورت معظم الدول الصناعية قيما بيروقراطية قائمة على الجدارة، وأسست سياسات تنافسية مؤسسية وأنشأت عمليات حكومية شفافة وعززت وسائل إعلام نشطة ومجتمعا مدنيا مستنيرا. وتعمل هذه الآليات على تقييد الفساد والبيروقراطية، مما يجعلها الاستثناء وليس القاعدة.

في المقابل، في البلدان النامية، تكون المؤسسات الحكومية أضعف والمجتمع المدني أقل مشاركة والعمليات السياسية والبيروقراطية أقل شفافية وخضوعا للمساءلة. وقد يكون جهاز الدولة الفعال والقدرة على إنفاذ القانون غير موجود تقريبا. وفي مثل هذه الأوضاع، يتطلب التقدم المستمر في بناء جهاز دولة نزيه وفعال معالجة مزيج من العوامل في الدولة والمجتمع التي تؤدي إلى الفساد وضعف الأداء الاجتماعي والاقتصادي. وهذا جهد معقد للغاية وطويل الأمد.

20