كلمة حق في أذن الرئيس بايدن

إذا كان تنظيم داعش يشكل خطرا فالحقيقة التي يستطيع حتى الأعمى أن يبصرها هي أن هذا التنظيم وُلد من رحم الجرائم والانتهاكات التي مارسها مرتزقة إيران في العراق.
السبت 2020/10/17
لا مجال لسلك الطريق الخطأ

دول الخليج العربي مجتمعة، وليس السعودية وحدها، يجب أن تقول للرئيس جو بايدن، إذا تولى المنصب، جملة واحدة: إما معنا، أو مع إيران.

يمكن للرئيس الأميركي المقبل أن يتصرف مع التهديدات الإيرانية للمصالح الأميركية في المنطقة، كما يشاء. ولكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك على حساب أمن المنطقة، كما لا يستطيع أن يضمن دعمها له.

الأمر لا يتعلق بأي تحالفات جديدة مع قوى دولية أخرى. التحالف الخليجي الأميركي يحسن أن يبقى راسخا وألا يتزعزع. ولكن إذا شاء الرئيس المقبل أن يقدم أي تنازلات، فمن المنطقي أن يدفع ثمنها من جيبه هو. أي من أمن الولايات المتحدة ومصالحها، لا من أمن الآخرين ومصالحهم.

يميل المرشح الديمقراطي للرئاسة إلى العودة إلى الاتفاق النووي. إلا أن هذا الاتفاق ينطوي على عيوب وثغرات هي التي سمحت لإيران بأن تتحول إلى خطر استراتيجي على الولايات المتحدة وعلى دول المنطقة بأسرها. وهو الذي وفر لها الغطاء بأن ترسل وتدعم ميليشيات طائفية لم تكف عن ارتكاب الجرائم والانتهاكات في العراق وسوريا ولبنان واليمن ضد الملايين من الأبرياء.

لو كان لدى الرئيس بايدن أي حس بالمسؤولية، لكان من الواجب عليه أن ينظر في هذه الجرائم، وفي ما تعنيه من أضرار ومخاطر على الأمن والاستقرار الإقليميين.

المسألة ليست بالنسبة لدول الخليج مسألة توازنات بينها وبين إيران. وهي ليست مسألة منافسة أيضا. إيران أقل شأنا من أن تكون في هذا الموضع أصلا. ولكنها مسألة مشروع طائفي يستهدف تمزيق مجتمعات دول المنطقة وإغراقها بدم أبنائها.

فإذا كان تنظيم داعش يشكل خطرا، فالحقيقة التي يستطيع حتى الأعمى أن يبصرها، هي أن هذا التنظيم وُلد من رحم الجرائم والانتهاكات التي مارسها مرتزقة إيران في العراق. واستمرار هذه الجرائم، هو الذي يوفر الأساس المادي والمعنوي لبقاء واستمرار داعش.

ربما يكون من المفيد للولايات المتحدة أن تجعل إيران سوقا لمصالحها التجارية. هذا أمر يمكن فهمه. ولكن هذا “السوق” ليس مجرد سوق كغيره من الأسواق. إنه سوق ميليشيات ومشروع طائفي متطرف. والمال الذي يدخل إليه، إنما يذهب لتمويل ذلك المشروع. لا شيء أكثر من ذلك. وهو ما يعني أن على الولايات المتحدة، كما على غيرها، أن تعي جيدا ما معنى التعاون مع هذا المشروع.

كل قرش يصل إلى إيران، إنما يساعد في تمويل نزعاتها العدوانية وتنظيمات الإرهاب في العراق ولبنان وسوريا واليمن، بينما الكل يدعو إلى تجفيف المنابع.

الخطط التي ترمي إلى تمزيق دول المنطقة وإضعافها، أصبحت مكشوفة. ومجتمعات المنطقة تدرك مخاطرها جيدا. وهذه المجتمعات، ليست بأقل من دولها، مستعدة للتصدي لتلك الخطط، حتى ولو أدى الأمر إلى التضحية بعلاقات لا أحد يريد التضحية بها.

الولايات المتحدة إذا شاءت أن تبقى حليفا استراتيجيا لدول الخليج، فإنها يجب أن تحترم متطلبات هذا التحالف، وأن تُصغي لمشاغل واهتمامات حلفائها، وألا تتصرف بمعزل عنهم، كما فعلت إدارة الرئيس باراك أوباما، عندما اختارت أن تتواطأ مع إيران سرا.

لقد وضعت الولايات المتحدة العراق على طبق من فضة وأعطته لإيران، لتتولى ميليشياتها السيطرة عليه وعلى موارده ولتدفع شعبه إلى الجوع والحرمان والمرض. واليوم، تدفع واشنطن من مصالحها في العراق ثمن تلك الخطيئة.

وهي لم تكن مجرد خطيئة حسابات استراتيجية عابرة. لقد كانت جريمة بكل معنى الكلمة، لأنها انطوت على تسهيلات سمحت لمرتزقة إيران الطائفيين بأن يرتكبوا ما لا حصر له من أعمال تخريب وتشريد وقتل وتعذيب واغتصاب تأثر بسببها الملايين من البشر.

هذه الجريمة، كانت في الواقع جريمة أميركية – إيرانية مشتركة. النظرة الضيقة للمصالح الضيقة هي ما كان يقف خلفها، من دون أن تعي الولايات المتحدة حجم العواقب، ولا أن تدرك التكاليف، ولا أن تستدركها في ما بعد.

لقد استهانت الولايات المتحدة بشعب العراق، وألقته ليصبح لقمة سائغة لذئاب جائعة وشرسة، لمجرد أنها حصلت على ضمانات من طهران، بموجب الاتفاق الأمني، بأن مصالحها لن تتعرض إلى التهديد.

العراقيون أنفسهم ينتفضون الآن ضد تلك الذئاب، وهم يعرفون من هو المجرم الآخر، الذي أتاح لها الفرصة، وسمح لها بأن تفعل كل ما فعلت.

ولو كان لدى مؤسسات التخطيط الاستراتيجي أي حظ من العقلانية، فإنها سرعان ما سوف تدرك أن العراقيين ينتظرون من الولايات المتحدة أن تستدرك، لا أن تعود لتكرر الخطيئة نفسها.

هم يعرفون أيضا أنه ليس من مصلحة التغيير الذي ينشدون، أن يجد نفسه في مواجهة عدوين في آن معا. وينتظرون من الولايات المتحدة، إذا كانت حريصة على مصالحها بالفعل، أن تتبنى سياسات صارمة تجاه المشروع الطائفي ومرتزقته ورؤوسه.

تعمل الولايات المتحدة الآن، على توسيع وجودها العسكري في مناطق شرق سوريا. وهي تقوم بإنشاء قواعد عسكرية هناك لكي تنقل إليها القوات الأميركية التي تضطر، تحت تهديد مرتزقة إيران، إلى مغادرة العراق.

المغادرة نفسها إهانة حقيقية للقوة العظمى التي تمثلها الولايات المتحدة. كما أن القواعد التي يتم إنشاؤها في سوريا لن تكون آمنة. هذا مجرد وهم. لأن الحال في سوريا، هو ذاته الحال في العراق. فهناك حكومة خاضعة لنفوذ إيران. كما أن الميليشيات الإيرانية تمتلك حرية واسعة للحركة. ولسوف يكون من مصلحة روسيا أن تضيق الخناق على الوجود الأميركي، لكي تنعم بنفوذ أوسع في هذا البلد.

بكلام آخر، الولايات المتحدة لن تكسب شيئا من مطاردة الأوهام.

الشيء الوحيد الصحيح، هو أن تتواصل سياسات التضييق الشامل على المشروع الإرهابي الإيراني، حتى يسقط نظامه.

الاتكاء على ثقة الشعوب الإيرانية أفضل للمصالح التجارية الأميركية من الاتكاء على اتفاقات مع مرتزقة.

الإيرانيون أنفسهم ينظرون إلى الولايات المتحدة بعين الصديق والحليف الاستراتيجي، وينتظرون من الإدارة الأميركية الجديدة أن تساعدهم للإطاحة بجمهورية الخميني وخامنئي، لا أن تقف ضدهم.

لقد عالج الاتفاق النووي جزءا طفيفا من التهديد، ولكنه ترك كل أوجهه الأخرى ليدفع نظام الولي الفقيه إلى المغالاة في أعماله العدوانية وتدخلاته وتهديداته. وهذا ما يجب ألا يتكرر.

ولكن إذا شاءت واشنطن أن تختار هذا النظام من جديد، على حساب مصالح شعوب المنطقة، ومنها شعوب إيران، فإنها هي من سيدفع الثمن الأكبر.

لقد أتاحت ظروف الانتفاضات الشعبية ضد سلطة المرتزقة الطائفيين في العراق وسوريا ولبنان وفي إيران نفسها، فرصة ثانية للولايات المتحدة لكي ترسي مصالحها على أسس أقل انتهازية وأوسع أفقا من المصالح الضيقة التي حرصت عليها سلطة الرئيس أوباما. ويحسن بهذه الفرصة ألا تفوت.

إيران الولي الفقيه عدو لنفسها، وللولايات المتحدة، ولشعوب المنطقة ودولها في آن معا. ويحسن بكل المتضررين من سياساتها العدوانية، وكل الذين يدفعون ثمن التهديدات، وكل الذين عانوا الويلات والمآسي، أن يقفوا صفا واحدا لإعادة بناء المستقبل في هذه المنطقة.

ليس هناك مكان، لمشاريع التخريب والدمار وزعزعة الاستقرار في هذا المستقبل. ومثلما أنه لا يمكن لتنظيمات إرهابية مثل القاعدة وداعش والإخوان المسلمين أن تقرر هذا المستقبل أو أن تتحكم فيه، فإن تنظيمات مثل فصائل الحشد الشعبي وحزب الله والحوثي، لا يمكن أن تقرره أو أن تتحكم فيه أيضا.

كل تنظيمات الإسلام السياسي، هي تنظيمات إرهاب بالدليل المشهود وأفعال الواقع، وهي تفرخ بعضها بعضا. ويوفر أحدها مبررا للآخر. والمشروع الطائفي الإيراني هو أول الداء، والقضاء عليه هو أول الدواء.

يمكن للإدارة الأميركية الجديدة أن تختار ما تشاء. يمكنها أن تعود لتتحالف مع المجرم مرة أخرى، كما يمكنها أن تكفر عما ارتكبته من خطايا. ولكن لا يمكنها أن تنتظر من دول المنطقة تساهلا، إذا اختارت سلوك الطريق الخطأ من جديد.

8