كتاب جديد يعيد النظر في تاريخ الحضارات

لا جدال أن "الأركيولوجيا أصبحت، بفضل الوسائل التقنية التي اعتمدتها لوضع تأويلات المنظومات الاجتماعية وتطورها علما معاصرا لا غنى عنه لفهم تاريخ العالم".
الخميس 2019/05/23
قدر الأركيولوجيا أن تبحث في ما خلّفه الإنسان بعد الدّمار

شغف الإنسان بمعرفة تاريخ وجوده على الأرض منذ بدء الخليقة، وأبدى اهتماما كبيرا بكل الجهود التي حاولت رصد خطوات أجداده الأوائل، من “موجز تاريخ العالم” لهربرت جورج ويلز، و“حضارات” لكينيث كلارك، و“ارتقاء الإنسان” لجاكوب برونوفسكي، وخاصة “قصة الحضارة” لويل ديورانت وزوجته أرييل، ولكنها كانت في معظمها تزعم الكونية فيما هي تضع أوروبا محورا لاهتماماتها، سواء في تاريخ الفنون، أو العلوم والتكنولوجيا، أو ظهور الحضارات وزوالها. ولذلك، لا يسع المهتم إلا أن يستبشر بظهور كتاب “قصة الحضارات”، لكونه سعى إلى مقاربة شاملة في دراسة الوجود الإنساني على هذا الكوكب، لا تستثني عصرا من العصور، ولا منطقة من مناطق العالم.

هذا الكتاب الذي جمع مساهمات واحد وسبعين من كبار علماء الآثار في العالم، تحت إشراف جان بول ديمول أستاذ علم الآثار بالسوربون، ودومنيك غارسيا رئيس المعهد الفرنسي لدراسات الأركيولوجيا الوقائية، وألان شناب أستاذ الأركيولوجيا اليونانية بالسوربون ومؤسس المعهد الوطني لتاريخ الفن، هو عمل جليل جاء نتيجة “ثورة صامتة” كما ورد في مقدمة الكتاب، بدأت في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وغيرت معارفنا عن تاريخ البشرية بفضل التطورات التقنية والمنهجية في علم الآثار، لاسيما في مجال الأركيولوجيا الوقائية، التي تهدف إلى الكشف عن مواقع أثرية قد تدمرها الأشغال المرتبطة بالتهيئة العمرانية، ودراستها علميا.

 ولئن ظهرت منذ ذلك التاريخ مؤلفات عديدة تتوسل بتلك التقنيات، فإنها كانت محصورة في مجالات معينة أو جهات محددة، مثلما كانت تتوجه في عمومها إلى المتخصصين، ولم تكن بمثل هذا الشمول الذي ينهض به هذا الكتاب الضخم (608 ص)، ولا بالوضوح الذي يفهمه القارئ العادي.

يقترح الكتاب قصة جديدة عن الحضارات تشمل كل العصور والقارات، وتتوقف عند مظاهر التقدم الأكثر دلالة، كتحديد مهد الأنسنة، ونشوء الحضارات وتوسعها سواء في الشرق الأوسط أو في أستراليا وأفريقيا أو القارتين الأميركيتين، والاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية التي أدت إلى تأسيس إمبراطوريات عظمى أمثال الإمبراطوريات الصينية والمنغولية والخميرية والرومانية  والبيزنطية، وظروف انحطاطها وتفتتها أو بَيادها، وظهور الديانات، وأنماط العولمة في العصرين الحديث والمعاصر، علاوة على عمليات الهجرة المتتالية من عصور ما قبل التاريخ إلى الآن.

الكتاب يقترح قصة جديدة عن الحضارات تشمل كل العصور والقارات يقدمها برؤية شاملة للمسيرة الإنسانية كشفتها الأركيولوجيا
الكتاب يقترح قصة جديدة عن الحضارات تشمل كل العصور والقارات يقدمها برؤية شاملة للمسيرة الإنسانية كشفتها الأركيولوجيا

 ونكتشف بفضل هذه الرؤية الشاملة للمسيرة الإنسانية كيف ساهمت الأركيولوجيا في معرفة شتى المجتمعات، سواء تلك التي كانت تستعمل الكتابة أم التي لم تعرفها أصلا، وكيف مهدت لإقامة حوار جديد بين المصادر النصية والمصادر المادية، كان من أثره إعادة النظر في كثير من المسلمات المتداولة، واكتشاف ملامح تاريخية أخرى كانت مجهولة.  مثلما نكتشف أن الإنسان العاقل Homo sapiens  ليس وحيدا، بل سبقه بشر آخرون، لولاهم ما كان ليبلغ ما بلغه، إلى جانب نقاط أخرى طالما ظلت حكرا على أهل الاختصاص، ونعني بها فرضيات الاستيطان في القارتين الأميركيتين وأستراليا، والظاهرة العالمية لشيوع العصر الحجري الأخير (النيوليتي) وأثره في منظومات التفكير التي لا نزال نعيش عليها حتى الآن.

وقد شمل الكتاب كل مناحي الوجود البشري منذ ظهور الإنسان ثم خروجه من أفريقيا لغزو العالم، مرورا بالمجتمعات الزراعية في الشرق الأوسط وأستراليا والصين وسواها، وفتح حقول دراسة ومقاربة جديدة لعلم الآثار، بالاستفادة مما تحقق في علم الوراثة وعلم جينات العصور القديمة، واستعمال “الدرون”، ووسائل الاستشعار من بعد، أو بتجديد أساليب التأريخ وأثر الأركيولوجيا في المجتمع.

والمعلوم أن الأركيولوجيا الحديثة ترتكز على ثلاثة مبادئ هي: استخدام التقنيات المتطورة كالحاسوب الذي يستعمل للتحليل البياني والإحصائي للمعلومات، والاستعانة بالوسائل الفضائية والأرضية لدراسة حياة القدماء وتوسيع علوم البيئة الأثرية وتوضيح الأسس المعيشية والاقتصادية في مجتمعات ما قبل التاريخ وما بعده؛ تحديد الحضارات بواسطة منظومات متطورة؛ توثيق العلاقة بين علم الإناسة (الأنثروبولوجيا) وعلم الآثار (الأركيولوجيا)، ودورهما في دراسة أشكال الاستيطان عبر العصور وتبين المتناظرات الاثنوغرافية، إضافة إلى تتبع مسيرة حياة الإنسان في شتى مراحلها عبر التاريخ.

ومجمل القول إن كتاب “قصة الحضارات” يبين لغير العارف أن غاية الأركيولوجيا ليست البحث عن آثار فنية مدهشة أو أنصاب بديعة، وإنما هي معرفة المواقع والمجتمعات السابقة عبر علامات محفوظة في الأرض منذ الآثار الأولى للحضور البشري إلى العصر الحجري، أي منذ ما لا يقل عن خمسمئة ألف عام قبل التاريخ إلى يوم الناس هذا، بفضل مقاربة تقوم على دراسة التقنيات وأنماط العيش والعلاقات الاجتماعية والسياسية إلى جانب الاستيطان، ما يسمح حتى بتبين التطورات المناخية، وتحولات المشهد العام وما يطرأ على النباتات من تغيير.

لا جدال أن “الأركيولوجيا أصبحت، بفضل الوسائل التقنية التي اعتمدتها لوضع تأويلات المنظومات الاجتماعية وتطورها، علما معاصرا لا غنى عنه لفهم تاريخ العالم”، كما ذكر جان بول ديمول في مقدمة الكتاب، ولكن كيف السبيل إلى بلوغ تلك الغايات النبيلة الهادفة إلى رسم خارطة صحيحة عن تطور الوجود الإنساني عبر العصور، من خلال الحفر الأركيولوجي عن دقائق آثاره في مختلف القارات، والإنسان لا ينفك يدمّر حتى البادي منها، سواء بشن الحروب وإزالة مواقع أثرية برمّتها.

 كما حصل خلال العدوان الأميركي على العراق، أو العدوان الفرنسي البريطاني الأميركي على ليبيا، أو بتحطيم كل ما له صلة بالتاريخ بتعلات عقائدية زائفة كما حدث في تدمر بسوريا ومدينة الحضر بالعراق وتماثيل باميان في أفغانستان، على سبيل الذكر لا الحصر، لأن التدمير شمل المواقع جميعا؟ وما مدى نجاعة الأركيولوجيا الوقائية في بلدان تشهد دمارا متواصلا، إما بسبب الحروب وإما بسبب جشع الشركات العملاقة التي لا تنفك تدمّر البيئة وما تكتنزه من آثار الشعوب القديمة، بموافقة الحكومات في أغلب الأحيان؟

لقد كان من غايات الكتاب إقامة الدليل المادي بأن للبشرية قاطبة جذرا واحدا، وأن ما يقرّبنا أكثر مما يفرّقنا، وأن من الحكمة الإقرار بأن أصلنا واحد وقدرنا واحد؛ ولكن الواقع الملتبس، الطافح بالعنف والعدوان في بقاع كثيرة من الأرض، يخالف ذلك، حتى لكأن قدر الأركيولوجيا أن تبحث في ما خلّفه الإنسان بعد الدّمار.

14