"كان يا ماكانش" كوميديا تونسية تتمرّد على النمطية شكلا ومضمونا

عمل يجمع بين الفانتازيا التاريخية والخيال العلمي وكوميديا الموقف والنقد اللاذع لكل ما هو اجتماعي وسياسي واقتصادي.
الثلاثاء 2021/05/11
خيال درامي يمزج بين الخُرافة الشعبية والقصص العالمية

شهد الموسم الدرامي الرمضاني التونسي حضور عدد كبير من السلسلات الكوميدية، أتت غالبيتها بطابع بوليسي على غرار سلسلتي "الجاسوس" و"1616"، وبدرجة أقل السلسلة التونسية الجزائرية المشتركة “المليونير”، فيما أتت أخرى ضمن ما يُصطلح على تسميته باللايت كوميدي كـ"ابن خلدون" و"عيشة فل". لتحلّق وحدها سلسلة "كان يا ماكانش" خارج السرب مقترحة فانتازيا كوميدية تستلهم من التاريخ مُفرداتها الدرامية في إسقاط على الراهن التونسي المعيش.

تونس - ما الجدوى من وراء الفن والثقافة إن لم يكونا محفّزيْن على التفكير، فإعادة التفكير مع تقويض قناعاتنا السابقة شكلا ومضمونا؟

عن هذا السؤال تُجيبنا سلسلة "كان يا ماكانش" التونسية التي عُرضت في 15 حلقة متصلة في الموسم الرمضاني الذي شارف على الانتهاء، وهي بالمناسبة لمن فاته متابعتها في النصف الأول من شهر رمضان، فبإمكانه مُشاهدة بقية حلقاتها المعروضة حاليا على "الوطنية 1" (عمومية) في إعادة ثانية قد تعقبها ثالثة ورابعة، وربما إلى ما لا نهاية، بعد انقضاء الشهر، وهي عادة جُبلت عليها القناة المنتجة للعمل، متى تحقّق لأحد إنتاجاتها النجاح في استقطاب المُشاهدين ومن ثمة المُعلنين، طبعا.

ولنا في سلسلة "شوفلي حل" المُستمر عرضها على امتداد الفصول الأربعة وللعام السابع على التوالي، نموذجا صارخا لهذا الاستثمار المُنتصر للمُؤسّسة على حساب المُمثلين المُشاركين فيه في ظل الغياب المُستمر لقانون الفنان وحقوق التأليف في بلد يُخصّص أقل من واحد في المئة من موازنته لوزارة الشؤون الثقافية، لا أكثر.

وللصدفة فكلا السلسلتين، أي “شوفلي حل” بأجزائه الستة، و”كان يا ماكانش” في جزئه الأول المحفّز نجاحه على إنجاز أجزاء أخرى، من تأليف الصحافي والسيناريست حاتم بلحاج الذي اشترك في كتابته هذه المرة مع مخرج العمل عبدالحميد بوشناق وبطله عزيز الجبالي الذي جسّد شخصية “برغل”.

"كان يا ماكانش" أتى عنوانه مُعارضة كوميدية لجملة "كان يا ماكان"، ما يعلنه منذ البداية عملا مختلفا
"كان يا ماكانش" أتى عنوانه مُعارضة كوميدية لجملة "كان يا ماكان"، ما يعلنه منذ البداية عملا مختلفا

ومهما يكن من أمر القناة العمومية التي استعادت هذا العام بعضا من بريقها الغائب منذ نحو عشرية، بفضل مراهنتها على عملين استثنائيين جمعت فيهما خيرة الأسماء التمثيلية التونسية، علاوة على السيناريو الجيّد والإخراج المُبتكر سواء في “حرقة” التراجيدي أو “كان يا ماكانش” الكوميدي، فالثابت أن العملين، قدّما طرحا مُغايرا، بل استشرافيا يبشّر بانطلاقة جديدة للدراما التونسية تقطع مع ثقافة العنف في الأعمال التراجيدية والإسفاف والابتذال في السلسلات الكوميدية، اللذين استشريا منذ العام 2011 وما تلاه.

“كان يا ماكانش” تحديدا وتخصيصا، وكعادة المخرج عبدالحميد بوشناق الذي ما انفكّ يفاجئ المُشاهد التونسي، ومن ثمة العربي، رغم قصر تجربته الإخراجية بالتجديد والتنوّع، قاطعا مع النمطية والاستكانة في المنطقة الآمنة.

فصاحب أول فيلم رعب تونسي “دشرة”، ومسلسل “نوبة” الدرامي الذي عرف في موسمين متعاقبين 2019 و2020 نسب مشاهدة عالية وإشادة من قبل النقاد والجمهور على السواء، اختار هذا العام اللعب على وتر الفانتازيا السحرية، مُستعرضا قصة متخيّلة بأبطال من الشباب والمُخضرمين وبإخراج مُبتكر، يؤسّس لشكل درامي مُختلف ومُربك في الآن ذاته.

عمل فانتازي قسّم الشارع التونسي والنقاد إلى فريقين، فريق مرحّب بالطرح الجديد الذي استطاع دون تكلّف وبعيدا عن الابتذال وافتعال الضحكات المجانية الجمع بين الفانتازيا التاريخية والخيال العلمي وكوميديا الموقف والنقد اللاذع لكل ما هو اجتماعي وسياسي واقتصادي، بل وتاريخي أيضا في دعوة صريحة لإعادة قراءة تاريخ تونس لثلاثة آلاف سنة حضارة وأنين.

الأمر الذي جعل جلّ جوائز الدورة السادسة من مسابقة “رمضان أوارد” التي تنظمها سنويا المجلة التونسية “تونيفيزيون” (خاصة) بالشراكة مع “إذاعة الشباب” (عمومية) تذهب إلى “كان يا ماكانش”.

في حين رأى فريق آخر أن العمل عصيّ على الفهم برموزه العديدة وحكاياته المتشعّبة والمستلهمة من أمهات القصّ العالمي كحكايات “ليلى والذئب” و”بيضاء الثلج” و”أليس في بلاد العجائب”، إلى جانب إسقاطاته التاريخية المتكرّرة في استحضار لأساطير عليسة وجنكيز خان والإسكندر، لكنه الأصغر هذه المرة، وبجمعه بين العامية والفصحى في بعض الحلقات كحلقة “الشنفخاء”، إلى جانب إطنابه في الانتقال من حقبة تاريخية إلى أخرى دون تسلسل منطقي، ممّا أربك انتباه المُواطن البسيط الذي لم يستطع السباحة ضد تيار ما اعتاد على مُشاهدته لعقود مُتعاقبة.

والحال أن السلسلة ومنذ حلقتها الأولى، بل ومن خلال عنوانها الذي أتى مُعارضة كوميدية للجملة المعروفة “كان يا ماكان”، أعلنت نفسها عملا مُغايرا من خارج الصندوق، يتمرّد على التقليدية والنمطية والقوالب الكوميدية المتوقّعة، وهو ما يُحسب للسلسلة التي جعلت المُتابع الحصيف يذهب بعيدا في التأويل كلّ حسب ثقافته واطلاعه البصري على كبرى الأعمال العالمية كـ”سيّد الخواتم” و”هاري بوتر” و”صراع العروش”، و”كاملوت” الفرنسية و”عاشور العاشر” الجزائرية. لكن بنكهة تونسية من الألف إلى الياء.

هذا على مستوى البناء الدرامي، أما الإخراج فقد حفل بصورة ناصعة وساطعة لونا وضوءا، يؤسّس لمشهد كوميدي مليء بالحركة والإيقاع رغم السواد والكساد اللذين يحيطان بالبلاد من كل جانب.

كوميديا بأزياء مُبهرة ومناظر طبيعية خلاّبة وإكسسوارات مُبهجة وزوايا تصوير مدروسة تخدم النسق الدرامي بإنشائية بصرية تنهل من الفنون التشكيلية ومفرداتها المفاهيمية والتجهيزية حتى، وكأننا إزاء مشاهد/لوحات جمعت بين التعبيرية حينا والتكعيبية في أحيان أخرى والوحوشية أيضا، لتمنحنا أيقونات سريالية تُعيدنا في جزء كبير منها إلى ما ابتدعته ريشتي البلجيكي رينيه ماغريت والإسباني سلفادور دالي، لكن بالصورة والصوت.

وكلّ هذه التعبيرية الصوريّة ما كان لها أن تصل إلى اكتمالها، ولو أن الاكتمال غاية لا تدرك في عالم الفنون والجنون، في غياب كاستينغ مُتقن، جمع بين المواهب الصاعدة على غرار اكتشاف الموسم الدرامي الحالي سيف عمران في دور “مهراس”، وأخرى مُخضرمة كجمال مداني في دور “خفّاش” وهالة عياد في دور “الملكة سموم”، وثالثة مكرّسة كعبدالحميد قياس في دور “بقراج” وفاطمة بن سعيدان في دور “ميمة” في أول ظهور تلفزيوني لها.

شخصيات بأسماء غريبة، وما هي بغريبة على المواطن التونسي، فهي مُستلهمة من استعمالاته اليومية كـ”بقراج” و”مهراس” و”قلادة” وأكلاته المحلية ومحيطه الطبيعي كـ”نعنان” و”برغل” و”داموس”، أسماء/شخصيات مُختارة بعناية كي تطبع عميقا في الذاكرة الشعبية للمواطن التونسي الذي تروقه طرافة الأسماء المُشابهة التي تجود بها قريحة كتاب السيناريو من قبيل “سطيّش” في “الخطاب على الباب” و”سطوكو” في “لوتيل” و”ببوشة” في “نسيبتي العزيزة”.

هكذا استطاع بوشناق في ثالث أعماله الإخراجية التلفزيونية بعد “هاذوكم” و”نوبة”، وخاصة “كان يا ماكانش”، من تقديم طبق كوميدي دسم منطلقاته ما كانت ترويه الجدات لأحفادهن قبل أن يخلدوا إلى النوم. لكن بخيال جامح يجمع الماضي بالحاضر في استشراف لمستقبل غامض لبلد كان يسمى في ما مضى بمطمورة روما ودرة المتوسّط، قبل أن تجفّ ينابيع الخيال فيه، فيسقط من عليائه إلى يم سحيق لا يُرجى منه النهوض من جديد -في المدى القريب على الأقل- إلاّ متى تكاثفت جهود أهله ومن مروا به ولو لمسافة يوم وليلة، لطرد الغُزاة الجُدد من أبناء الوطن الواحد الطامعين في العرش كحال “الخضراء” أو “مملكة ساطور” في “كان يا ماكانش”.

16