كاتب ليبي يصدر كتابه رقم 140بينما مؤلفاته ممنوعة في ليبيا

محمد سعيد القشاط يرى أن الشعر الشعبي وسيلة تأريخ للشعوب.
الاثنين 2021/10/18
التاريخ الليبي يرويه الشعراء (لوحة للفنان معتوق بوراوي)

يعتبر الشعر الشعبي في شمال أفريقيا مدوّنة الشعوب التي من خلاله تخزن ذاكرتها وتروي أهم الأحداث التي مرت بها، مقدمة تفاصيل اجتماعية وثقافية وسياسية قد لا ينتبه إليها المؤرخون، ما يجعل من هذا الشعر وثيقة تاريخية حية لا بد للشعوب أن تحافظ عليها وهو ما يتصدى له الباحث والشاعر الشعبي الليبي محمد سعيد القشاط، الذي يقدم قراءة جريئة للتاريخ الليبي.

أصدر الكاتب والشاعر والباحث في تاريخ الأماكن والأنساب والتراث الشعبي الليبي والدبلوماسي السابق الدكتور محمد سعيد القشاط، كتابه رقم 140 ليحطّم بذلك رقما قياسيا في عدد الإصدارات وتنوّع المضامين، التي تراوحت بين الجمع والتحقيق والتوثيق والتأريخ للقبائل والشخصيات والقصة والشعر الفصيح والشعبي والرسائل والمذكرات والموسوعات والأعلام.

والكتاب الجديد يحمل عنوان “أم الفار.. روضة الشعراء والشاعرات” وهو يهتم بمنطقة أم الفار المتاخمة للحدود المشتركة مع تونس على مستوى منطقة ذهيبة، ويتضمن سير أكثر من 100 شاعر شعبي من قبائل الصيعان التي ينتمي إليها القشاط، ومقتطفات من أشعارهم وعلى رأسهم الشاعر الكبير الراحل الشيخ بلقاسم بن زعيمة وردوده عن الشعراء، ويهتم بعدد من الشاعرات من بينهن الشاعرة رميلة بنت بلقاسم بن زعيمة.

محمد سعيد القشاط: الشعر الشعبي في أغلب البلدان العربية هو مذكرات الشعب ويمكن اعتماده كمصدر لتاريخ البلد

الشعر الشعبي

يقول القشاط الذي لا يزال مقيما في القاهرة “اهتممت بمنطقة أم الفار وموقعها في التاريخ والجغرافيا والجذور والتراث والعادات والتقاليد والأنساب، ووجدت أن أغلب العوائل تقول الشعر وتحفظه، فجمعت نماذج من أشعارها وضمنتها في هذا الكتاب الذي صادف أن كان رقم 140 في مسيرتي”.

ويضيف “كان لي في أم الفار صديق عزيز هو الشاعر الكبير المرحوم بلقاسم بن زعيمة الذي كانت بيني وبينه محاورات شعرية، ومن خلاله اكتشفت مجموعة من الشاعرات اللواتي كان يخفيهن الحياء والعادات الاجتماعية، فرأيت أن أجمع ما أستطيع جمعه من شعرهن مع شعر شعراء المنطقة وأنشره، عساه يكون مادة يستفيد منها محبو الأدب والباحثون فيه”.

كما تعرض الكتاب لأحداث العام 2011 عندما تعرضت المنطقة لهجوم مسلحي الميليشيات فتم تشريد أهلها وحرق منازلهم ونهب أرزاقهم وخنق صوت الشعر لديهم.

وفي مقابلة مع “العرب” يتحدث القشاط عن بداياته مع الكتابة، يقول “كنت في أول حياتي قارئا نهما، إذ اطلعت على الآلاف من الكتب في الأدب والشعر والرواية والتاريخ والمذكرات الشخصية لأغلب عظماء العالم من الهند وباكستان والصين وروسيا ومن الغرب فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأميركا. وما كتب عن الحربين العالميتين، وما كتبه الضباط الذين خاضوها، ومعظم ما كتبه العرب من تاريخ وشعر ومذكرات”.

أول قرية رأيتها في حياتي

ويضيف “كانت ذاكرتي جيدة تستوعب كل ما أقرأ، ووهبني الله ملكة الشعر منذ الصغر، لقد كان والدي شاعرا وجدي لأمي شاعرا وأغلب رجال القبيلة شعراء. كنت أحفظ كل ما أسمع، وكانت خيمتنا تجمع الكثير من رجال القبيلة، إذ كان والدي شيخا على القبيلة. وكان كبار السن في القبيلة يروون تاريخ الجهاد ضد الاحتلالين العثماني والإيطالي والأحداث التي عاصروها والمعارك التي خاضوها، وصرت شغوفا بالتاريخ، وانضممت للحركة الكشفية. وعرفني المرحوم الأستاذ علي خليفة الزائدي بجماعة من الكشافين بلبنان يملكون مطبعة ودارا للنشر، فطبعت عندهم أول كتاب في الشعر الشعبي، وهو أول كتاب ينشر في ليبيا في هذا المجال عام 1964، وواصلت بعدها النشر”.

واعتبر القشاط أن منزل الأسرة كان مدرسته الأولى التي تعلم فيها الاهتمام بالتاريخ والأنساب والشعر، وأضاف “أنا ولدت في الصحراء.. ولما شببت عن الطوق تنقلت في صحراء ليبيا وكنت مغرما بالصيد. ففي كل واد لي ذكرى. وكل ‘قرعاة‘ لي فيها ذكريات. والجوش هي أول قرية رأيتها في حياتي، وتعلمت في مدرستها المرحلة الابتدائية. وكان البدو يتنقلون في الصحراء تقودهم المطر. ويتركون أولادهم عند أصحابهم من أهل الجوش يدرسون. فيعاملونهم كأبنائهم، وأنا كنت من ضمنهم. ولذلك فإن لهذه البلدة جميلا في أعناقنا. رأيت أن أسجل تاريخها وعاداتها وتقاليدها في كتاب ردا للجميل”.

مهتم بتاريخ القبائل

وحول تعدد المواضيع والاهتمامات لديه، يرى القشاط أنها تنبع من معين واحد، فالحديث عن الأعلام تاريخ، والأنساب تاريخ، والشعر في الكثير من قصائده يسجل أحداثا تاريخية. وقد اعتمدوه كوثيقة تاريخية ولاسيما في علاقة بحياة البدو ومعاركهم وصراعاتهم ومقاومتهم للغزاة، ولا يزال إلى اليوم يوثق الأحداث بدقة كبيرة ولاسيما في المجتمعات البدوية حيث يبقى الشعر ديوان العرب وأداتهم الأولى للتعبير وتسجيل الانفعالات ورصد التحولات.

 ويردف القشاط “الشعر الشعبي في ليبيا وفي أغلب البلدان العربية هو مذكرات الشعب وتسجيل للأحداث واعتمدنا عليه في ليبيا وتونس كمصدر لتاريخ البلد. وقد كان الباحث في التراث وأحد أبرز رموز الثقافة التونسية المرحوم الأستاذ محمد المرزوقي أول من نبه لهذا”.

حول كتابه “إلى سلمى” الصادر في يوليو الماضي، يقول القشاط “سلمى هي ابنتي الكبرى، وأمينة مكتبتي التي كانت تديرها فتقرأ كل ما تقع عليه يدها من الكتب. وكانت تقرأ مسودات كتبي قبل طباعتها. وفي الهجرة تركت أغلب الأبناء في طرابلس، ومن ضمنهم سلمى.

الشعر يسجل في كثير من قصائدة أحداثا تاريخية

فرأيت أن أخصص لها كتابا عبارة عن رسالة أحكي لها فيها تاريخ الأسرة والأحداث التي لم تشهدها سواء في ليبيا أو في الوطن العربي، وأروي لها تفاصيل حياتي في المهجر بعد عدوان الناتو على بلدي في العام 2011، وما تعرضت له بيوتنا من تخريب وممتلكاتنا من نهب حتى أن مكتبتي التي كانت تضم ما لا يقل عن 30 ألف كتاب جمعتها منذ بداياتي وأكثر من 400 مخطوطة وما لا يقل عن 1000 ساعة من التسجيلات النادرة مع مقاومين وشعراء، تعرضت للحرق والإتلاف بالكامل، وهي خسارة لا تعوض تألمت لها كثيرا”.

وحول مخطوطاته ومراجعه التي خسرها بحرق مكتبته يقول القشاط “هي خسارة فادحة دون شك، ولكنني والحمد لله أملك ذاكرة قوية للحفظ حتى أن بعض الكتب التي كنت أعددتها للطبع وتعرضت للإتلاف، أعدت كتابتها من الذاكرة، وكتبت حوالي سبعة كتب نشرتها في تونس، ونشرت في مصر كتابا، فيما هناك حوالي 14 مخطوطا لا تزال في انتظار النشر”.

التأريخ بجرأة

نسأل الدكتور القشاط عن مدى صدقية سرد الأحداث في ما يتعلق باهتمامه بتاريخ القبائل، وما إذا كان قادرا على ذكر الوقائع دون مجاملات، ولاسيما من حيث التطرق للخيانات والتعاملات مع المستعمر الإيطالي التي حاولت الدولة الوطنية سواء في العهد الملكي أو “الجماهيري” التستر عليها من باب الحفاظ على السلم الأهلي، فيقول “نحن في ليبيا مع الأسف، وعند دخول الطليان لاستعمار ليبيا انضمت بعض الزعامات للعدو، وشكلت جماعات مسلحة وقاتلت معه، وساهمت في استعمار وطنها. وهكذا فعل الاستعمار الفرنسي أو الإنجليزي في البلدان التي احتلها حيث جند البعض من المواطنين ليساعدوه على احتلال أوطانهم”.

إلى ابنتي سلمي

ويضيف “كان المؤرخون الذين كتبوا قبلي في هذه المواضيع يتجنبون ذكر الخيانات لأن أبناء وأحفاد الخونة يحتلون مراكز في الدولة، وكتبت أنا الحقائق كما هي. وذكرت الخونة والخيانات وتجنّد أولادهم وأحفادهم يتهمونني بالتزوير. طلبت منهم مناظرتي في الجامعة، أو في مركز جهاد الليبيين أو في التلفزيون. وتمت مناظرة في مركز الجهاد، ودمغتهم بالحجج والوثائق. ومع ذلك استمروا في دعاياتهم. ولا أزال أطالبهم للمناظرة”.

وحول دور القبيلة في المشهد السياسي الليبي الحالي، يقول القشاط “القبيلة مكون اجتماعي مهم ولكنه لن يكون مؤثرا في سياسة البلد. وقد يوضح لنا تاريخ القبائل أنها تتبع قادتها (مشائخها) فالشيخ الذي ينضم للعدو تذهب معه القبيلة. والذي يستمر في النضال تكون معه القبيلة”.

نسأل القشاط عن “الكتاب الأزرق” الذي تطرق من خلاله للحلّ السياسي والاجتماعي للأزمة الليبية، فيجيبنا “هو رؤية للحلّ في ليبيا. واتفقت حوله مع المشير خليفة حفتر عندما جاءني إلى الجزائر حيث كنت أقيم بعد 2011 وهو يعد لمشروعه العسكري. نشرت هذا الكتاب ليطلع عليه الليبيون علّهم يستفيدون من بعض أفكاره”.

أما عن مبدأ المصالحة الوطنية فيقول إنها “لن تتم قبل رحيل القوات الأجنبية من ليبيا وحل الميليشيات وتجميع السلاح ووضعه تحت سيطرة الجيش وإخراج المرتزقة من ليبيا، وإطلاق سراح المساجين والسجينات. وقتها يجتمع الليبيون وتجري المصالحة ويتم تعويض المتضررين، ويقر الليبيون نظام الحكم والعلم والنشيد”.

وكان القشاط قد أصدر عددا من المؤلفات حول أحداث 2011، ومنه كتابه “أنا والقذافي وبن علي” الذي يروي فيه قصة لقائه وهو سفير لبلاده في الرياض، مع الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، بعد أيام قليلة من وصوله إلى مدينة جدة السعودية، وذلك بطلب من الزعيم الراحل معمّر القذافي، ويقدم فيه رواية مختلفة عما تم ترويجه آنذاك، كما نشر موسوعة “معارف والقذافي يتحدثون” والذي ضمنه شهادات من كانوا مقربين من الزعيم الليبي قبل الإطاحة بنظامه.

وفي هذا السياق يؤكد القشاط أن كتبه ممنوعة من العرض في ليبيا بأمر من سلطات طرابلس، التي يقول إنها تسعى إلى كتابة التاريخ وفق وجهة نظرها وبما يخدم مصالحها.

13