كأنما حفتر العقبة الوحيدة للإسلام السياسي

الأصوليات الدينية تمثل مشاريع إفشال للدولة التي تُبتلى بها.
الأربعاء 2020/01/22
حفتر صاحب مشروع دولة مستقرة وعلمانية

حين يتتبع المهتمون بالشأن الليبي تطورات ومجريات الصراع المحتدم في هذا البلد؛ يسترعي انتباههم، وربما دهشتهم، صوت جماعة ما يسمى الإسلام السياسي وهو يختزل كل تعقيدات هذا الصراع، في شخص المشير خليفة حفتر، واهمين أن انكساره وجيشه، سيضمن لهم الكعكة الليبية. وكعادة هذا الصوت عندما يركز على عدو له؛ فإنه لا يعترف له بشيء إيجابي من كينونته وتاريخه، مثلما لا يعترف بذميمة واحدة، لآخرين تتعدد ذمائمهم ويساندون الإسلام السياسي. وهذه، بالمناسبة، منهجية قديمة ـ جديدة في التاريخ الحكائي لأبواق هذا التيار الخائب.

ليبيا باتت الآن، بلداً يسكنه خليط وافد من كل حدب وصوب، يمثل مصالح دول وقارات، وتُبنى في ليبيا قواعد أجنبية، وتُنقل إليها جموع من المرتزقة المسلحين، وأطياف شتى ذات أقنعة مختلفة. وبدل أن تعطي جماعات الإسلام السياسي شيئاً من الأهمية للمخاطر الحقيقية الكامنة في هذا الاحتشاد؛ فإنها لا ترى خطراً إلا في القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر ومشروعه لتوحيد ليبيا واستقرارها. وليس التركيز على حفتر، لأنه يسيطر على غالبية أراضي هذا البلد وحسب، ولا لأنه يقف على مشارف طرابلس مصمما على اقتحامها وإخلائها من الميليشيات الإسلامية وحسب، وإنما لكونه يتطلع إلى دولة علمانية لن يكون بمقدور أي قوة ميليشياوية، أن تمارس فيها الإكراه وتمتلك القدرة على تحدي سلطاتها صاحبة الحق الحصري في الإكراه، نيابة عن المجتمع ولمصلحته.

فقد أثبتت كل التجارب منذ نشأة الإسلام السياسي وظهور التيار الأصولي المعارض لعلمانية الدولة؛ أن الأصوليات السياسية جميعها، تمثل مشاريع إفشال للدولة التي تُبتلى بها. ولعل من المفارقات، أن مرجعيات هذه الأصوليات، عندما تتمكن سرعان ما تتبدّى عديمة التقوى والزهد، وفاسدة وتفتش لنفسها عن رُعاة وأسياد، وهذا الذي يجعل المواطنين البسطاء يصفون رموزها بـ”تُجار الدين”. فعندما تَبني الأصوليات مؤسساتها وتصبح قادرة على التأثير في السياسات الداخلية، سرعان ما تُقيم جدران العزل بين المواطنين، وبعدئذٍ تصنع لمواليها، كوارث اجتماعية– اقتصادية تضطرهم إلى الانفجار في وجهها، مثلما يحدث في العراق.

جماعات الإسلام السياسي في العاصمة الليبية طرابلس، وقد اضطرت للانضواء في بوتقة التوافق المرحلي لمواجهة الخطر الوجودي الذي يتهددها؛ تغاضت عن كل أشكال التواجد الأجنبي، وركزت على الجيش الليبي الذي أراد الإجهاز عليها وطيّ صفحتها. ولهذا السبب كان الأهم بالنسبة لها شيطنة وازدراء خليفة حفتر، ومن بعيد اشتغلت أبواق الإسلام السياسي التي تتركز الآن في تركيا الأردوغانية، وتطرح رواية واحدة، مع اختلاف صيغ العرض، على تنميط الأعداء من خلال تعبيرات مثل “العسكر” و”الخونة” و”المهزومين”.

ومع انتشار سلاح الفيديو والفيديو المضاد، أصبح النطق الأردوغاني مرهقا لصاحبه. فإن حاول حامي الإسلام السياسي أن يتمثل موقف المعارض للإرهاب والخصم العنيد للإرهابيين؛ سرعان ما يفضحه شريط يحمل قرينة لا مجال لتفنيدها، تؤكد على أنه هو الذي يجمعهم، بلحاهم المختلقة وشعورهم المرسلة وأسلحتهم، لكي ينقلهم من مكان إلى مكان، ويحاول الآن، اللعب بهم في ليبيا وسوريا وسواهما. ذلك على الرغم من كونه لا يتمنى لهؤلاء أن يحكموا بلاده، ولا يأمنهم على نفسه، وله مع تنظيم داعش تجربة مريرة.

لكن الصراع في ليبيا، أعقد من أن يحظى فيه الإسلام السياسي بأي صدى. ففي ليبيا، تتصارع مصالح دول وازنة، وتختلط الأمور على النحو الذي لن يستطيع رجب طيب أردوغان فك ألغازه. والأقطار الأوروبية من بين هذه الدول الوازنة، باتت- فضلاً عن تطلعها إلى ثروات البلاد- تنام على وسادة القلق من توطن “الجهاديين” واستمرار توافد أفواج منهم إلى ليبيا، ويتطلع جزء معتبر من عناصر هذه الأفواج، إلى ارتياد البحر، للوصول إلى أوروبا والانتشار فيها.

تفضيل فوضى الميليشيات على معايير الدولة
تفضيل فوضى الميليشيات على معايير الدولة

ويعلم الأوروبيون أن هؤلاء يختلفون عن المهاجرين الفقراء الذين يستقلون المراكب المهشمة ويغرقون. فلديهم من يمدهم بوسائط النقل البحري الحديثة مع فرص التسلل عبر الوسائل التجارية. لذلك عندما يتمادى صوت الإسلام السياسي في وصف جيش حفتر باعتباره محض عصابات من المجرمين؛ فإنهم يحسون بالخيبة عندما يتعاطى قادة الدول الوازنة، مع حفتر على أساس كونه صاحب مشروع دولة مستقرة وعلمانية، من شأنها حمايتهم من خطر محقق، وأيضاً باعتباره قوة تسيطر على غالبية أراضي البلاد، وعلى أكثر من نصف مصادر الطاقة فيها، بل وعلى الغالبية العظمى من الأراضي التي تكمن في باطنها ثروات هائلة مكتشفة حديثاً. لذا فإن الازدراء يحيق بصوت الإسلام السياسي الذي لم يكن هناك أي صدى لتوصيفاته الشائنة لخليفة حفتر، في أي محفل أو مؤتمر، أو في أي لقاء في إطار محاولات إيجاد مخرج للمأزق الليبي.

ومن نافل القول، أن الإسلاميين الذين يحاولون الظفر بثروات ليبيا، لكي يعيدوا الزخم إلى مشروعهم من خلال توفير مصادر تمويله؛ جعلوا رهانهم على أردوغان، وهم في ذلك حالمون. فمن جهة، ليس لأردوغان سابقة نجاح في مشروعاته الخارجية، بل إن تواجد القوات التركية شرق الفرات الآن، ليس إلا برهان خيبة، تشرحه الذميمة الثانية وهي أنه متقلب في تحالفاته ومن النوع الانتهازي الذي يغدر بأصحابه، وأنه استبدل انتفاضة السوريين بالجيش الروسي، بعد أن أفسد الأولى بضخ “الجهاديين” إلى بلادهم. وثالثاً لأن أردوغان، راعي الخطاب الإسلامي الذي يهجو الجميع، يريد الثروة الليبية لتركيا العلمانية وليس للمشروع الإسلامي، وغرضه تحسين مواقعه في تركيا. وعلى هذا المستوى، هو لن يفلح أيضا، وربما أحس بذلك فأصبحت تصريحاته فجة ونزقة، تفضحها مبالغاتها وتراجعاتها.

ورابعاً لأن أردوغان يراهن على السراج وحكومته، ربما مطمئناً إلى كون الرجل من أبناء العائلات ذات الأصول التركية. وسيكتشف أن صديقه فلاديمير بوتين، لن يعجز عن احتواء السراج الذي يقف الآن في مساحة صغيرة في غرب ليبيا وتواليه بعض القبائل في شريط في الجنوب. وخامساً لأن اتفاقه مع السراج مرفوض من الإقليم، وأهم بنود الرفض تتسم بصفة دولية، كمنع تصدير السلاح ومنع تدخل أطراف خارجية.

أصحاب الصوت الهجائي الإسلامي، عاجزون عن قراءة المشهد، لذا فإنهم يركزون على حفتر، مثلما ركزوا ولا زالوا يركزون في الهجاء على جمال عبدالناصر بعد نصف قرن من موته، فيُستعاد إيجابياً في وعي الناس بتأثير عكسي لخطابهم. فلا يحلم هؤلاء بأي فوز لأن هويتهم مفتضحة وتجارتهم في الدين مشهودة، وتناقضهم مع طبائع الدول والعلاقات الدولية لا ريب فيه، وبالتالي ليست مشكلتهم مع حفتر وحده!َ

13