قناة أم 100 دولار الحلقة

نحن نستنزف الرصيد الدرامي الموجود بسرعة وقريبا سيتبدد زخم المشاهدة خلال حجر كورونا. الفضائيات في حالة طوارئ.
الأربعاء 2020/08/26
البث الرقمي يفضح النوعية البدائية للتصوير

عندما كانت الفضائيات العربية بحدود 100 قناة فقط، كانت عادة تقليبها مستحكمة عندي. تمسك الريموت كونترول وتقلب. كل من هم حولك يصابون بالغثيان نتيجة سرعة التقليب، ولكن أنا لا “أسيطر” على التلفزيون إلا في وقت متأخر. “يدبروا أمورهم”.

ما كان لافتا للنظر أن قناة عربية تحس أن عقارب الساعة عندها توقفت في نهاية الثمانينات أو بداية التسعينات. المسلسل من بطولة عبدالله غيث. الرجل توفي منذ سنوات طويلة، لكنه حي يرزق على تلك القناة. “ليالي الحلمية” بلغ موسمه الثاني. مشاهد القناة لا يزال يتساءل ماذا سيحدث لعائلة مسلسل “الشهد والدموع”. البث الرقمي يفضح النوعية البدائية للتصوير في كاميرات ليست ديجيتال.

أتيحت لي فرصة التعرف على مديرين لتلك القناة تعاقبا على تولّي المسؤولية. الميزانية لا تسمح بشراء مسلسلات العرض الأول أو الثاني أو الخامس من المسلسلات الحديثة. لا تستطيع القناة أن تنافس “الكبار” مثل أم بي سي وأبوظبي ودبي، بل لا تفكر حتى في منافسة القنوات المصرية. مسلسل رمضاني في عرضه الأول يمكن أن يكلف شراؤه 3 ملايين دولار. الحلقة بمئة ألف دولار. مسلسل “المال والبنون” في عرضه العشرين أو الثلاثين، يكلف 3 آلاف دولار؛ الحلقة بمئة دولار. المسلسل من القدم بحيث يكون “جديدا” لجيل كامل لم يشاهده. النوعية الرقمية البائسة مجرد تفاصيل. هذا منطق القائمين على القناة.

“القديمة تحلى حتى لو كانت وحلة”؛ هذا تعريفهم للمسلسل القديم. وللموضوعية، الأمر ليس سيئا تماما. البعض غامر واشترى أرشيفات الأفلام المصرية ورقمنها وحسّن من نوعية الصورة وأنشأ قنوات متخصصة تعرض أفلام “زمان”. الفرق أن تلك الأفلام كانت على أشرطة سيليلوزية وبنوعية معقولة، فكانت الرقمنة جيدة تحافظ على نوعية ليست سيئة بالأساس. المسلسلات التلفزيونية موضوع ثان، لأنها صورت لشاشات سميكة كاثودية وبحجم 26 بوصة على أقصى تقدير. الآن البث الرقمي مواصفاته غير تلك المواصفات.

لا أعرف مدى تقدم تقنيات تحسين النوعية لمثل هذه التسجيلات الفيديوية. تبقى محدودة مثلا بالأبعاد والشكل (تلفزيونات زمان كانت مربعة وليست مستطيلة، ولا يمكن مط الصورة حتى لو تم تحسين نوعيتها). لكن ما هي الخيارات؟

لماذا؟ لأن الإنتاج التلفزيوني العالمي، والعربي، شبه متوقف بسبب كورونا. ونهم الفضائيات لا يتوقف في البحث عن الجديد. قنوات الصفوة لا تريد عرض قديمها. بالأساس المسلسلات الرمضانية تبدأ عرضا أوّلَ في الموسم، ثم بعده وبعده وبعده. المسلسلات بعمر 10 سنوات معلوكة تماما في قنواتنا. البديل هو الاستعانة بتجربة القناة ذاتها (أم 100 دولار الحلقة). نحن نستنزف الرصيد الدرامي الموجود بسرعة وقريبا سيتبدد زخم المشاهدة خلال حجر كورونا. الفضائيات في حالة طوارئ. مطلوب خبير آثار تلفزيونية.

24