قصف الوطية.. رسالة لا يستطيع أردوغان الرد عليها

الأتراك يحسبون حسابا لجميع تحركاتهم ويحاولون العمل من تحت الطاولة على إيجاد حلول دبلوماسية ليس للخروج من ليبيا ولكن بحثا عمّن يشاركهم تقاسم الكعكة مقابل تأمين وجودهم في طرابلس.
الأربعاء 2020/07/08
الإطاحة بأحلام أردوغان

أخطر ما في القصف الجوي لقاعدة الوطية، غربي ليبيا، فجر الأحد الماضي، أنه كان ولا يزال غامضا، على الأقل من حيث مصدره والجهة التي تقف وراءه؛ الغارات التسع المتتالية التي تم تنفيذها في أقل من 90 دقيقة، دمرت الدفاعات الجوية، ورادارات التشويش التركية، واستراحة “النداب” التي عادة ما تخصص لآمر القاعدة وكبار القادة.

عمليا، يمكن لطيران الجيش الليبي تنفيذ ضربات كهذه انطلاقا من قاعدة الجفرة الجوية الخاضعة لسيطرته؛ الفرنسيون نفوا أن يكونوا على علاقة بالقصف، والمصريون صامتون كعادتهم، ولن يتكلموا إلا في حالة واحدة هي اختراق الخط الأحمر الذي رسمه السيسي للأتراك وحلفائهم حول سرت والجفرة. أما الروس فهم أبعد من أن يكونوا وراء العملية، فاللعب بين بوتين وأردوغان واضح وعلى المكشوف، وما جرى ويجري في سوريا خير دليل.

هل اجتمعت أطراف عدة لتقاسم المسؤولية في ما بينها، من أجل توجيه رسالة بعينها إلى السلطان العثماني الجديد؟ كل المؤشرات تؤكد أن الغارات نجحت في إصابة أهدافها، أي أنها اعتمدت على إحداثيات غاية في الدقة، وأن الهدف منها كان واضحا، ولم يكن لمجرد الرد فقط على وزير الدفاع التركي الذي استفز الجميع، عندما تحدث قبل ساعات عن بقاء قوات بلاده في ليبيا إلى الأبد، وإنما توجيه خطاب مباشر إلى أردوغان بأن سيطرته على تلك القاعدة غير مسموح بها، وهي اعتداء مباشر على مجال حيوي خارج نطاق أمنه القومي.

يوم الخميس الماضي تم نقل منظومة الدفاع الجوي، والرادارات المخصصة للرصد والتشويش على الطيران إلى الوطية، وانطلقت عملية نشرها السبت، وفجر الأحد تم استهدافها وتدميرها بالكامل، هذا يعني أولا أن كل ما يقوم به الأتراك في الغرب الليبي خاضع للمراقبة والمتابعة، وثانيا أن الجانب التركي كان يتحرك بكثير من الثقة في النفس، وكان مطمئنا إلى أنه لن يصطدم بمن يقول له توقف عند حدك. بل كان متأكدا بأنه يستطيع أن يعلن وصايته على غرب ليبيا دون أن يعترض أحد على ذلك.

الروس والمصريون تحدثوا عن خط أحمر في سرت والجفرة، وهو ما اعتبره أردوغان وحلفاؤه مؤشرا على أن أقصى ما قد يعترضهم لاحقا هو الحديث عن تقاسم النفوذ بين طرابلس وبرقة. أما الفرنسيون فأكثر ما يزعجهم هو تمدد الوصاية التركية إلى الجنوب، الذي يمثل امتدادا لمنطقة نفوذهم في دول الساحل والصحراء.

الغارات التي تعرضت لها قاعدة الوطية، كانت قاسية حتى أن الأتراك واجهوها بالكثير من الحذر في نشر التفاصيل وتوجيه أصابع الاتهام، وتركوا لعملائهم في طرابلس المجال ليوزعوا الاتهامات شرقا وغربا.

واضح أن الجميع أدرك أن القصف قلب الموازين، ونبه إلى أن المسألة ليست بسيطة، وأن التدخل التركي في ليبيا لن يكون نزهة مريحة، حتى ولو دعمه ترامب المنهك بأزمات بلاده، والمهموم بالسباق الانتخابي لنوفمبر القادم، وسانده الناتو الذي يواجه صراعا بين أعضائه، بسبب الموقف من حكومة السراج وحليفها التركي.

هناك دول عديدة في المنطقة لا تنظر لأردوغان فقط على أنه لص نفط وغاز ومنتهز فرص لوضع يده على مقدرات الآخرين، بل ترى فيه صاحب مشروع أيديولوجي عابر للحدود بنزعة توسعية، وهو مشروع عنصري قومي رجعي يحاول استعادة عجلة التاريخ بالاعتماد على قوى الإسلام السياسي والجماعات الإرهابية التي وحدها تحت عمامة عثمانية جديدة، وله طابور خامس قوي في شمال أفريقيا وفي دول الساحل والصحراء مستعد لدعمه لتنفيذ مخطط الهيمنة.

استعراض وزير الدفاع التركي لقوة حضور بلاده في ليبيا كان مستفزا حتى لبعض المحسوبين على حكومة الوفاق، فقد جاء بحراسة مسلحة لحمايته، مبديا عدم الثقة في قدرة مستقبليه على تأمينه والوفد والمرافق له. وعندما زار غرفة العمليات التركية رفض أن يصاحبه أمراء الحرب المحليون إليها.

كانت نظرته إليهم تنم عن احتقار وعدم اكتراث، خاطب العسكريين الأتراك بالقول إنهم باقون هناك إلى الأبد، وصفهم بأنهم “جيش محمدي”، في تلميح إلى نزعة دينية حاول التستر بها، هي المشروع الإخواني الذي جعل منه أردوغان حصان طروادة لاختراق المنطقة. وتعامل مع المسؤولين في حكومة السراج على أنهم أتباع لا غير، وقال لهم صراحة “لولا تدخلنا لكان حفتر قد دخل طرابلس وسيطر عليها”.

بعد تلك الاستفزازات وغيرها، جاء قصف قاعدة الوطية ليرفع معنويات الليبيين، فانسحاب الجيش من المنطقة الغربية لا يعني أنه تم التسليم بها للمحتل التركي، والضغوط الإقليمية والدولية التي تم تسليطها على القيادة العامة لسحب قواتها من غرب البلاد، لم تقر تسليم الإقليم الحاضن لمؤسسات السيادة لمرتزقة أجانب بقيادة تركية، بل أن الصمت العالمي على تدخل أردوغان ذاته لدعم حكومة السراج، لم يكن يعني إخضاع ليبيا لوصاية الأتراك.

هل يمكن القول إن سلاح الجو الليبي هو الذي قصف قاعدة الوطية؟ الثابت أن ليبيين نفذوا العملية ولكن بضوء أخضر إقليمي ودولي، والأتراك يدركون ذلك جيدا، ولكنهم عاجزون على رد الفعل، حتى بعد أن هددوا باستهداف قاعدة الجفرة، لأن ذلك سيضعهم وجها لوجه في صدام سياسي مع الروس، والأخطر من ذلك في صدام عسكري مع المصريين الذين يجدون دعما واضحا من عدد من الدول العربية.

مشكلة أردوغان، ونقطة ضعفه، أنه لن يحتمل التعرض إلى أية خسائر في ليبيا، فلديه معارضة قوية تترصده، وشعب غير موافق على مغامراته خارج الحدود، ووضع اقتصادي واجتماعي متأزم، ودخل ليبيا بمرتزقة جلبهم من شمال سوريا، وبتمويل قطري، وأي تصادم مع قوى إقليمية في الداخل الليبي، سيجعله في موقف محرج، فالخسائر ستكون واضحة ومعلنة.

أقرب المقربين إليه نصحوه بعدم الدخول في مواجهة مع مصر، لأنه لن ينتصر فيها، خصوصا وأن الأتراك يدركون جيدا أن تدخلهم في ليبيا مرفوض ليس من القاهرة والدول العربية الأخرى وفرنسا وروسيا فقط، وإنما من الشعب الليبي ذاته، قالوا له لا يغرنك ما تسمعه من فايز السراج وميليشياته، فهم لا يمثلون شيئا مقارنة بالأغلبية الساحقة من الشعب التي ترفض أن يسعى السلطان العثماني إلى استعادة أمجاد أجداده على حسابها.

هل كان قصف قاعدة الوطية فخا لاستدراج أردوغان للرد عليه في سرت أو الجفرة؟ هذا الاحتمال غير مستبعد، لكن الأتراك يبدون منتبهين لأي فخ قد يتم جرهم إليه، ويحسبون حسابا لجميع تحركاتهم، ويحاولون العمل من تحت الطاولة على إيجاد حلول دبلوماسية، ليس للخروج من ليبيا، ولكن للبحث عمن يشاركهم تقاسم الكعكة، مقابل تأمين وجودهم في طرابلس وعدم تقسيم البلاد.

التقسيم يعني الإطاحة بالكثير من أحلام أردوغان وعلى رأسها منطقة المصلحة الاقتصادية البحرية التي وقع حولها اتفاقا مع السراج في نوفمبر الماضي، والتي يوجد جانبها الليبي قبالة إقليم برقة لا إقليم طرابلس.

9