قرار إنهاء الرقابة على الأفلام في إيطاليا يأتي متأخرا

الدين والسياسة والأخلاق حاصرت أفلام كبار المخرجين على مدى قرن كامل.
الخميس 2021/04/08
أفلام بازوليني عانت من الرقابة

لا أحد ينكر أهمية السينما الإيطالية وأبرز مدارسها "الواقعية الجديدة" التي لم تطبع الفن السابع في مختلف أنحاء العالم فحسب، بل وكان لها تأثير على الأدب والفنون البصرية الأخرى وحتى على الأغاني والموسيقى. هذه المكانة رسخها مخرجون كبار للسينما الإيطالية، لكنهم كانوا من ناحية أخرى يعانون من جهاز الرقابة بما فرضه عليهم من تضييق وابتزاز.

روما – وضعت الحكومة الإيطالية حداً لنظام الرقابة التي كانت مطبقة على الأفلام السينمائية منذ عام 1914 والتي طال مقصّها الكثير من روائع الشاشة الكبيرة ومنها مثلاً “ذي لاست تانغو إن باريس”.

من الآن فصاعداً، بعد هذا القرار، لن يكون ممكناً منع عرض فيلم ما في الصالات، أو إخضاعه للتقطيع أو التعديل على أساس مبررات أخلاقية أو دينية.

ترحيب بالخطوة

في معظم بلدان العالم لم يعد جهاز الرقابة السينمائية جهازا للمنع أو التصريح، بل هو مجرد لجنة لتصنيف الأفلام حسب أعمار المشاهدين وغير ذلك. وهذا ما تسعى إليه إيطاليا، حيث ستستحدث بدلا من الجهاز الرقابي لجنة لتصنيف الأعمال السينمائية في المديرية العامة للسينما بوزارة الثقافة.

وتتولى هذه اللجنة تحديد الفئات العمرية التي يصلح لها كل فيلم، وتتألف من 49 عضواً، بينهم خبراء في صناعة السينما وحماية القاصرين وممثلون عن جمعيات الآباء وجماعات حقوق الحيوان.

الرقابة على الأفلام لم تكن تحصل بسبب عنفها وإنما هي نظام سمح للدولة بالتدخل في حرية إبداع الفنانين

ورحب وزير الثقافة الإيطالي داريو فرانسيشيني “بإلغاء الرقابة في السينما”، وقال في بيان “نترك نهائياً نظام الرقابة الذي سمح للدولة بالتدخل في حرية إبداع الفنانين”.

واعتبرت خبيرة السينما الإيطالية إيلينا بويرو في تصريح لها أن إلغاء الرقابة “خطوة مهمة وتاريخية للسينما الإيطالية. لقد تأخرت”.

أما المخرج بوبو أفاتي، الذي كان فيلمه “بورديلا” عن إقامة شركة أميركية عالمية بيت دعارة للنساء في ميلانو ضحية الرقابة عام 1975، فقال “يشكل القرار أحد أشكال الاتكال على حس المسؤولية. لقد نضجنا”.

وطالت الرقابة عدداً كبيراً من الأفلام على مدى أكثر من قرن من العمل بها، وفي مقدّمة هذه الأشرطة كل أفلام الكاتب والشاعر والمخرج بيير باولو بازوليني، أو حتى فيلم “ذي لاست تانغو إن باريس” للمخرج الإيطالي برناردو بيرتولوتشي مع الممثل الأميركي مارلون براندو والفرنسية ماريا شنايدر، وقد أُتلِفَت نسخه باستثناء ثلاث نسخ محفوظة في السينماتيك الوطنية.

ومن الأمثلة الأخرى الشهيرة على الرقابة تحفة لوكينو فيسكونتي “روكو إيه إي سواي فراتيلي” (روكو وإخوانه) عام 1960، مع الفرنسيين آلان ديلون وآني جيراردو.

ووفقاً لإحصاء أجراه موقع “تشينيتشين سورا”، وهو معرض افتراضي عبر الإنترنت روجت له وزارة الثقافة، مُنِع 274 فيلماً إيطالياً و130 فيلماً أميركياً و321 فيلما من دول أخرى منذ عام 1944.

وسُمِح بعرض أكثر من عشرة آلاف فيلم في دور السينما بعد حذف مشاهد منها أو تعديلها.

لكنّ المفارقة أن هذه الرقابة “جعلت الأفلام أيضاً أكثر جاذبية، من خلال إثارة فضول الجمهور، وخصوصاً في المجال الإيروسي”، وفق ملاحظة بوبي أفاتي الذي أشار إلى أن “الرقابة على الأفلام لم تكن تحصل بسبب عنفها”.

وتطورت دوافع الرقابة على مدار أكثر من قرن من وجودها، إذ تحولت من أداة لضبط الأفلام سياسيا وأخلاقياً ودينياً إلى نوع من الانتهازية، لجهة الحرص على تجنب الرقابة من أجل التمكن من الحصول على الإعانات الحكومية.

نجاح السينما الإيطالية

تعود آخر حالة رقابة لافتة في إيطاليا إلى عام 1998 وتتعلق بفيلم “توتو كي فيسيه دويه فولتيه” (توتو الذي عاش مرتين)، لدانييلي تشيبري وفرانكو ماريسكويست، الذي تعرّض لهجوم عنيف من الأوساط الكاثوليكية نظراً إلى أن شخصياته اعتبرت تجديفية.

الرقابة تحولت من أداة لضبط الأفلام سياسيا وأخلاقياً ودينياً إلى نوع من الانتهازية

ونشير إلى أن الرقابة في السينما لا تتعلق بإيطاليا فحسب، بل حتى هوليوود شهدت إرساء “اتحاد منتجي وموزعي الأفلام في أميركا” وتعيين ويل هايز رئيسا له، وهو الشخص المعروف بكونه جمهوريا شديد المحافظة ومنتميا إلى الكنيسة البروتستانتية والذي أعد قائمة بأكثر من 115 نجما ممنوعين من العمل ضمن أفلام شركات الاتحاد بناء على سلوكياتهم وفضائحهم في حياتهم الخاصة في محاولة منه لاستعادة صورة أفضل عن النجم الهوليوودي بالاضافة إلى مراجعته لنصوص الأفلام التي تقدمها له شركات الإنتاج لتحصل على موافقته قبل بداية العمل.

وسميت الضوابط التي حددتها اللجنة بـ”قوانين هايز” التي تروج للقيم التقليدية وتسلط رقابة على كل ما يتعلق بالجنس والدين والمخدرات والسياسة والعلاقات الدولية والعنصرية والعائلة الأميركية وفكرة الخير والشر وغيرها.

وقد انتهى العمل بهذه القوانين في الستينات من القرن الماضي، فيما تأخرت إيطاليا نسبيا في تحرير فنها السابع من مقص الرقيب والوصاية الأخلاقية، رغم أن الرقابة تراجعت حدتها في العقود الأخيرة ولكنها بقيت نافذة في التضييق على الكثير من الأعمال بحجج دينية أو أخلاقية وحرمانها من الدعم.

التضييق حصل لاحقا مع عدة أفلام وإن كان ذلك بشكل غير مباشر، حيث تدخلت المؤسسات الدينية في حث أجهزة الرقابة على تضييق الخناق على بعض الأفلام التي كانت تراها منافية للمبادئ والتعاليم المسيحية المحافظة، خاصة الأفلام التي كانت تتناول قضايا الجنس بشكل جريء.

ورغم تأخير إقرار إلغاء الرقابة فإن هذه الأخيرة لم تؤثر في ولادة حركة سينمائية إيطالية عالمية قدمت أعمالا خالدة للفن السابع مثل “ماما روما” لبازوليني و”روما فيلليني” لفيديريكو فيلليني وغيرهما، وتيارات مؤثرة مثل الواقعية الجديدة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية ومآسيها.

ولم تتوقف السينما الإيطالية عن العطاء حتى في أزمنة لاحقة مع مخرجين أمثال ماتيو غاروني وإيرمانو أولمي وجياني إيميليو وغيرهم ممن نالت أفلامهم تتويجات عالمية وشهرة واسعة ببصمتها التي تميزها عن مختلف الأعمال السينمائية الأخرى.

14