قادر عطية فنان جزائري يبحث عن الإنسان في أشيائه المفقودة

عطية ضد النسيان باعتباره عدوّا.
الأحد 2021/10/24
وصفة فنية تثير الفضول

حين يتعلق الأمر بالفنون المعاصرة فإن على المرء أن يتخلى عن الكثير من المعايير الفنية والجمالية التي يمكن وصفها بالتقليدية. لا لشيء إلا لأنها تكون غير صالحة للاستعمال.

لن يكون من النافع أن نبحث عن الجميل مثلا. فالجمال لم يعد بالنسبة إلى فناني الفنون المعاصرة هدفا في حد ذاته. يمكنك أن تتحدث مجازا عن جمال الفكرة. ولكن ذلك لن يكون محببا أو مفهوما أو حتى مقبولا على مستوى الوصف النقدي.

الفكرة وحدها تكفي لكي تكون أشبه بسكين تُشحذ. ذلك هو الدرس الذي استوعبه الفنان الجزائري قادر عطية في محاولة منه لمراجعة تاريخ شعوب غنية بثقافتها وعريقة بتعددها الديني والإثني تعرضت عبر قرون لمواجهات استعمارية متشددة في عنفها. تلك عينة تكشف عن عجز النظام القيمي عن احتواء مثل تلك الأفكار التي سيُقال بطريقة ارتجالية “إنها لا تنتمي إلى الفن”.

من الفردية إلى الجماعة

تجربة عطية تنتمي إلى ما يُسمى بـ”الفن المفاهيمي” أو “فن المفاهيم” وهو فن يستند إلى الأفكار بشكل أساس ولا تصدر عنه صور إلا بالصدفة
تجربة عطية تنتمي إلى ما يُسمى بـ"الفن المفاهيمي" أو "فن المفاهيم" وهو فن يستند إلى الأفكار بشكل أساس ولا تصدر عنه صور إلا بالصدفة

يبدو عطية متخصصا في متابعة تجارب الحرمان والقمع والعنف والخسارة في أعمال مستخرجة من الذاكرة الجماعية حيث يبدو الطابع الفردي مستبعَدا، فالمشكلة التي يعالجها الفنان لا تعنيه إلا على الصعيد الذي يجمعه مع الآخرين وليس البشر الذين يعرفهم هم المقصودون بل البشرية برمتها هي المقصودة. وهو ما يعينه على الانتقال إلى المفردة الثانية الأهم في قاموسه. أقصد “الإصلاح” الذي يعني كيفية العمل على استعادة العلاقة منضبطة الإيقاع والمتوازنة بين الطبيعة والإنسانية والتي غالبا ما تختل بحكم التعرض للشقاء الاستعماري.

يستعين بالتاريخ والأساطير ليراقب الجانب التطوري للطبيعة والثقافة وهما عنصرا الخلق اللذان ينحرف بهما الاستعمار عن مساريهما العاديين. ولكن كيف ينجز الفنان هدفه وما هي وسائله وأدواته الفنية للقيام بذلك؟

في المطلق فإن تجربة عطية تنتمي إلى ما يُسمى بـ”الفن المفاهيمي” أو “فن المفاهيم” وهو فن يستند إلى الأفكار بشكل أساس ولا تصدر عنه صور إلا بالصدفة. هو فن يُرى ولكن الصور التي يظهر من خلالها ليست هدفا نهائيا. يمكنك أن تتحدث عن مشروع غير قابل للاكتمال. لا لأن الفنان يرغب في تحديث فكرته بل لأن الفكرة نفسها يتم تحديثها تلقائيا.

تقنيا يلجأ عطية إلى التجهيز والتصوير وإنتاج الأفلام القصيرة والنحت والكتابة والتركيب. وفي كل التقنيات يحرص عطية على أن يكون تقليليا. بمعنى أنه يستعمل القليل من المفردات ليحصل على نتائج أكثر. لا يميل إلى استعمال المفردات الكثيرة لأن ذلك يشوش طريقته في التفكير في الخلاصات التي تعينه على النظر إلى مرحلة ما بعد الاستعمار وهي مرحلة فوضى مؤكدة أو فراغ مربك.

عنف لغوي جاهز

الحروف بين يدي عطية تصبح أدوات لعنف لغوي جاهز، فهو يركز على سلطة اللغة وليس على جمالها
الحروف بين يدي عطية تصبح أدوات لعنف لغوي جاهز، فهو يركز على سلطة اللغة وليس على جمالها

ولد عطية عام 1970 في باريس في عائلة جزائرية. أمضى عدة سنوات في الكونغو وأميركا اللاتينية قبل أن يلتحق بالمدرسة العليا للفنون التطبيقية والمدرسة الوطنية للعليا للفنون الزخرفية بباريس. بعدها ذهب إلى برشلونة بإسبانيا لدراسة الفن.

عُرضت أعماله في بينالي شنغهاي وفي باليرمو وبينالي البندقية السابع والخمسين وفي ديكيومنتا بكاسل وفيينا وفي متحفي غوغنهايم والفن الحديث “موما” بنيويورك وتيت مودرن بلندن ومركز جورج بومبيدو بباريس وفي سيدني وفرانكفورت وبيروت وبرلين.

عام 1996 عرض أول مرة في برازافيل عاصمة الكونغو. بعده أقام أكثر من عشرين معرضا في مدن عالمية مختلفة. عام 2009 أقام عطية معرضا بعنوان “ألفا بِيتا” أو “الأبجدية”، يتكون ذلك المعرض من 28 سكينا فولاذية خفيفة مصقولة للغاية. كل سكين هي حرف عربي. تلك هي الأبجدية العربية. كل سكين متصلة بالحائط بواسطة مغناطيس. عندما يمسك المتلقي بسكين وهي حرف بين يديه تكشف قوة العمل عن نفسها مما يوفر إحساسا متناقضا بالقدرة المطلقة والخوف والقوة والضعف. هناك مزيج من المتعة الشديدة والرعب. كانت للسلاح لغة.

أعمال عطية تستند على معادلة المرض الاستعماري والشفاء منه ومدى الضرر الذي يقع أثناء تلك المحاولة التي هي أشبه بالعملية الجراحية

من خلال معرضه “ألفا بِيتا” أنهى عطية سلطة المحاولة الحروفية التي قامت على استلهام جمالي مادته الإيقاع الشكلي. بين يديه صارت الحروف أدوات لعنف لغوي جاهز. ركز الفنان على سلطة اللغة وليس على جمالها. وهو يعيش اليوم بين برلين والجزائر.

في مركز ساوث بانك بلندن أقام عطية معرضا استعاديا عام 2019 بعنوان “متحف العاطفة”. احتوى ملصق المعرض على صورة فهد محنط وضع إلى جواره قناع خشبي منقوش بطريقة بدائية. ليسا سوى عملين من أعمال الفنان التي يدور موضوعها حول هوس المستعمرين بجمع أشياء الحياة اليومية الخاصة بالشعوب المستعمَرة. ملابس وأدوات دينية ومواد خاصة بالطقوس الدينية لتذهب إلى أماكن مغلقة تُسمى “المتاحف”.

بين المتحف والحياة اليومية مسافة يقع فيها العدوان على مصائر بشرية كثيرة. وهو ما عالجته أعمال عطية التي تستند على معادلة المرض الاستعماري والشفاء منه ومدى الضرر الذي يقع أثناء تلك المحاولة التي هي أشبه بالعملية الجراحية. فالعينات التي يقوم عطية باستعادتها على هيئة صور أو نسخ منحوتة لا تزال تحمل آثار مرحلة الاستعمار لا لتذكر بها بل لتحذر من إمكانية استمرار ثقافتها.

شيء من السخرية يمتزج بشيء من الألم هما مادة وصفة فنية تثير الفضول أكثر مما تستدعي المتعة. تلك هي الوصفة التي يعتمدها عطية في تنفيذ أعماله من خلال طريقة في النظر تطورت معرفيا عبر الزمن. ربما خيب الوطنيون كل أمل في الخلاص من الفجائع التي تشير إلى مرحلة الاستعمار.  واحد من أكثر الأسئلة حرجا هو “هل يتم استحضار الأشياء المفقودة من خلال الصور والمقاطع والأصوات المشحونة بالمشاعر والعواطف حسب نوع الصلة ونسبتها؟”.

استعادة العالم

عطية يبدو متخصصا في متابعة تجارب الحرمان والقمع والعنف والخسارة

عام 2018 تعرض المتحف الوطني للبرازيل في ريو دي جانيرو لحريق دمر 90 في المئة من مقتنياته التاريخية التي يوثق الجزء الأعظم منها فنون السكان الأصليين واللغات المنقرضة. لم يكن هناك أي من شروط السلامة. لا إنذار ولا شاشات ولا أجهزة للإطفاء. كان المتحف مهملا بطريقة تكشف عن اللامبالاة والازدراء والجهل بالتاريخ إضافة إلى موقف عنصري من الشعوب صاحبة الإنجاز الفني.

 في ظل ذلك الموقف النخبوي والحكومي كان السؤال “كيف يمكن تعويض خسارة مئات الآلاف من الأشياء وانتشال ذاكرة شعوب بأكملها من النسيان والمحو؟”. ذلك هو السؤال الذي يعطي فكرة عن العالم الذي يحاول قادر عطية أن يشيده إلى جوار عالمنا الموزع ما بين الرغبة في إخفاء مظاهر التخريب الذي يلحق الضرر بالمجتمعات والبيئة وبين الامتثال لقوة الاعتراف الذي هو بداية الإصلاح.

ولكن ذلك المتحف قد تحول بأشيائه المنسية إلى رماد، فهل سيكون الإصلاح في مثل تلك الحالة ممكنا؟ بالنسبة إلى المتحف البرازيلي فقد أطلقت مجموعة من الطلاب حملة لاستعادة الأشياء المفقودة من خلال صور ومقاطع فيديو التقطها الزوار على مر السنين. ذلك الفعل الخيالي العميق في دلالاته الإنسانية كان بالنسبة إلى قادر عطية هو مصدر الإلهام لإنشاء متحفه العاطفي.

عطية يبدو متخصصا في متابعة تجارب الحرمان والقمع والعنف والخسارة في أعمال مستخرجة من الذاكرة الجماعية حيث يبدو الطابع الفردي مستبعَدا

كان الفنان وهو ينجز مهمته من خلال تقنيات التجهيز والتصوير والفيديو حريصا على العودة إلى كتابات علماء الاجتماع والنفس ممن عالجوا في كتبهم ظاهرة الاستعمار وعمليات النهب التي مورست في حق الشعوب وهي العمليات التي أفضت إلى إحداث نوع من الفراغ في الذاكرة البشرية بما أحدث خللا في قراءة التاريخ والإمساك بالخيط الذي يربط بين الأشياء المادية والقيم الروحية.

قادر عطية فنان هو في الوقت نفسه باحث في الإنسانيات وتاريخ الأشياء.

9