في وعد الآخرة

مرت السنوات والشهور والأيام والساعات، على حال الانقسام الفلسطيني الذي تغذيه أوهام عنفوان، وعلى بطالة العاطلين عن العمل، وعلى وعود لا تُلبى بالنصر المؤزر أو بالرشاد البات.
الأحد 2021/10/03
الفلسطينيون في مربع الابتلاءات المتقاطعة

يتنادى رهطٌ من الأصوليين في غزة للقاء يبحث خطة العمل في فلسطين بعد تحريرها، تبعاً لوعد الآخرة، أي بعد انقضاء مدة الإفساد الثاني حسب سورة الإسراء؟

 انبثقت الفكرة، عن جملة لا يكملونها، من آية في القرآن الكريم، أشار فيها رب العالمين، إلى وعد الآخرة. وعلى الرغم من وضوح توقيت هذا الوعد في السورة والآية، إلا أن الرهط الأصولي الذي يأنس في نفسه الجدارة في التنظير للأمة وتحديد المسارات بتفصيلاتها، أراد أن يتهيأ بخطة للتعامل مع هذا الوعد، وجلب التلفزة وكاميرات التصوير للتغطية الإعلامية.

 في تفسيرات “الإسراء” لا شيء يمكن أن تفعله غزة هي وسائر المؤمنين، بعد تصفية الإفساد الأخير، الذي تصدى له المولى تعالى، لكي يشطب المتجبرين. علماً بأن لا خطط يحتاجها المؤمنون عندئذٍ، لأن زمن الحياة الدنيا لن يمتد ـ حسب السورة وشرحها ـ بعد أن يتحقق الوعد. فالخالق وضع الخطة ونفذها وهو الذي تكفل بجعل جهنم للكافرين حصيراً، على أن يُصار بعد ذلك، وعلى الفور، إيصال الخلق إلى خاتمة تجاربهم الدنيوية.

وما قوله تعالى “وإن عدتم عدنا” إلا جملة من نوع الترهيب، إذ ليس هناك إفساد ثالث ولا فرص لجولات أخرى!

يفتح المصابون على أنفسهم أبواب السُخرية والتقريع واتهامات بالكذب والإتجار بالدين، ولن يكون في مقدور هؤلاء، جمع الناس في ساحة عامة، لصلاة استسقاء، إن لم يعقبها غيث، يعقبها وعد

هذا ما يُقال في حديث الدين؛ لكن سؤال الدنيا هو: ماذا يفعل الفلسطينيون قبل تحرير بلادهم أو جزء منها، أي قبل أن يُلبى وعد الآخرة؟ هل يخوضون في سياقات الدروشة وترف الكلام، كأنما المبتغى هو صرف الأذهان والأبصار عن عورات سلطاتهم الراهنة؟ ولماذا لا يعاين الرهط سلوك القائمين على أمر هذه السلطات، ويختبرون مدى تقواها؟ وهل تمتد أعمار الرهط نفسه، إلى يوم الآخرة، لكي يتاح لهم التقدم بخطط للعمل بعد التحرير على اعتبار أن هؤلاء، ينوبون إلى الأبد، عن أمة المسلمين، ولن يجدوا عند الأبد، من هم أكثر منهم ذكاء وعلماً؟

يعجب المرء كيف تنشأ مثل هذه الأفكار الخارقة للزمان، بينما الفلسطينيون في مربع الابتلاءات المتقاطعة: ابتلاؤهم بأنفسهم فوق ابتلائهم بالمحتلين الذين جاؤوا لفيفاً وعَلوا عُلواً كبيراً؟

 الرهط الأصولي نفسه ذو علو أو أوهام علو، يتطلب التدخل الرباني، لكي يلتفتوا إلى بؤس شعبهم ويبحثوا في أسبابه. ثم إن من بين أشراط الساعة، في الإسلام، كثرة الهرج، حتى لا يدري القاتل لماذا قَتَل، ولا يدري القتيل فيمَ قُتل، ولا يدري القائل ماذا يقول، ولا يقبض السامع حرفاً من القائل، ناهيك عن ظهور موت الفجأة، وتقارب
الزمان حتى تصير السنة كالشهر والشهر كالأسبوع والأسبوع كاليوم واليوم كالساعة والساعة كحرق السعفة!

مرت السنوات والشهور والأيام والساعات، على حال الانقسام الفلسطيني الذي تغذيه أوهام عنفوان، وعلى بطالة العاطلين عن العمل، وعلى وعود لا تُلبى بالنصر المؤزر أو بالرشاد البات، وعلى تطيير انطباعات التقوى التي لا تتبعها طبائع!

تندرج هذه الدروشة في خانة النزعة إلى الإشباع النفسي البديل، وهذا عارض مرضي، يصيب الحيارى والمأزومين والفاشلين، فيختلقون المشاهد ويرتبونها صورة صورة، لكي يراها الناظرون أشبه برحله مباركة إلى عالم الروح.

يفتح المصابون على أنفسهم أبواب السُخرية والتقريع واتهامات بالكذب والإتجار بالدين، ولن يكون في مقدور هؤلاء، جمع الناس في ساحة عامة، لصلاة استسقاء، إن لم يعقبها غيث، يعقبها وعد.

الحال جفاف. بل جفاف شُحّت فيه الروح الكريمة الوثابة إلى عمل الخير والتزام العدالة والتواضع والزهد الجميل، مع إنكار كل دواعي الوحدة والبنيان المرصوص.

24