في مديح القبلة

أتذكر أنني في نوبة براءة نصحت "كاتبا" بأن يتمهل، واقترحت عليه أن يجرّب القبلات، وأغريته بأنها ستكون أجمل مما يليها، وربما تغنيه روعتها عن النشوة الكاذبة وعن "الكتابة" معا.
السبت 2020/06/27
في الحب والكتابة لا تكون العجلة إلا من الشيطان

لا أظن أحدا جرّب طعم البلاستيك، ولكنه يلاحقنا فيعكّر الدماء والأجواء بابتسامات وكلمات، وفوارغ أطعمة ومشروبات. وربما يكون فريق من الناس قد أزعجك بابتسامات بلاستيكية معلّبة، سابقة التجهيز، لا تختلف في بلاستيكيتها من فرد في الفريق إلى آخر، بحكم الانتماء الطائفي لا الجيني. ويمكنك تفادي هذا النوع من الابتسامات، بإتباع المثل المصري "تغور القشطة من وشّ القرد"، وتغور الابتسامة.

وكما تتجنب الابتسامات البلاستيكية، فلا تنس وقاية ذوقك من شظايا كتابات من هذا النوع البلاستيكي، منزوع الروح. ويسهل معرفتها بالنظرة الأولى، من السطر الأول، فهي لا تحرك فيك ساكنا، ولا تجعلك تتوقف عن القراءة، لكي تستوعب الكلمات بالحواس كافة، فتتمنى لو تمدّ طرف لسانك وتتذوق طعم الحروف، ثم تغمض عينيك وتستعيد جملة وترددها مرة في السرّ، ومرة بصوت عال يتبعه أحيانا قولك: "الله، كيف قنص ابن الكلب هذه الجملة؟".

هذا السلوك البادئ بالإعجاب بالكتابة، المنتهي بسباب الكاتب سباب محبة بالطبع، تُحرم منه "كتابة" أخرى، هي كلام كالكلام، يعنيك منها "ماذا" تقول، فتقرؤها مرة أولى وأخيرة رأسيا بداية بالكلمة الأولى في السطر الأول، وتليها كلمة في منتصف السطر الخامس، وكلمة في الفقرة الثانية، وتنتهي بآخر كلمتين في نهاية الصفحة، وقد عرفت "غرض" صاحبها، ولا ترجو منه أكثر.

 وربما تقرأ كتابا ولا تعثر فيه على جملة فيها قبس، شرارة تمسّ عصبا عاريا في روحك، فتنير مساحات من خيال غير مسبوق، وساعتها تشفق على "الكاتب" المحدود الدؤوب الذي لا ينصت إلى نفس لوّامة، ولا ينتبه إلى نصيحة صريحة أو صامتة بأن يتوقف، وأن يُعرض عن هذه الثرثرة.

كما يختلف غناء أم كلثوم للجملة نفسها حسب تفاعل الجمهور، فلا تتشابه "الكتابة" عن قضية محددة مهما أعاد صاحبها كتابتها، فكل كتابة تلائم مزاج الكاتب، والظرف الشخصي والعام وقت الكتابة، وقد يفاجئه اتصال أو رسالة عارضة فتربكه ويكتب شيئا آخر، جميلا أيضا، لم يفكر فيه قبل الاتصال أو الرسالة.

 وعلى العكس من ذلك، يتبارى من يكتبون جملا بلاستيكية، بمقاس اصطناعي خاضع لدقة الآلات، وبشراهة ينتجون أعمالا غزيرة، بلا أخطاء ولا طعم، اللهم إلا طعم البلاستيك، ولا أعرف أحدا ذاق طعم البلاستيك، ولكن من المؤكد أن للبلاستيك طعما بلاستيكيا. وأتذكر أنني في نوبة براءة نصحت "كاتبا" بأن يتمهل، واقترحت عليه أن يجرّب القبلات، وأغريته بأنها ستكون أجمل مما يليها، وربما تغنيه روعتها عن النشوة الكاذبة وعن "الكتابة" معا. قلت له: في الحب والكتابة لا تكون العجلة إلا من الشيطان، والله أعلم.

24