في المهرجان الخطابي الفصائلي الفلسطيني

إن اجتماع بيروت، الخطابي، سواء في شكل انعقاده أو في مضامين ما سُمع فيه، لن يرقى إلى مستوى إنعاش اللجنة التي انبثقت عنه، إذ لم يتطرق إلى إحياء اتفاقية للتصالح، دفنها الموقعون عليها.
الخميس 2020/09/10
استعراض خطابات

في اجتماع الفيديو كونفرانس للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية (رام الله ـ بيروت 3 سبتمبر 2020) جرى تقديم أحد المتحدثين باعتباره أمينا عاما لفصيل عُرف في الستينات باسم “طلائع حرب التحرير الشعبية ـ قوات الصاعقة”.

وكان ذلك الفصيل، قد انبثق عن حزب البعث الحاكم في سوريا، أيام حكم الأطباء الرئيس نورالدين الأتاسي، ورئيس الوزراء يوسف زعيّن، ووزير الخارجية إبراهيم ماخوس، ومن ورائهم اللواء صلاح جديد.

وفي الحقيقة إن المتحدث الثمانيني، واسمه معين حامد، لم يكن معروفا لدى الفلسطينيين، وقد بدا واضحا أنه ضحل التعليم ولا قدرة له على طرح جملة واحدة بالعربية الفصحى. فقد التزم العامية الدمشقية، بخلاف اللهجة الفلسطينية المتداولة على مستوى اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.

معلوم أن ما تبقى من فصيل “الصاعقة” لا يزيد عن أنفار من قدامى المنتسبين، لا يغطون العضوية اللازمة لناد اجتماعي، لكن حماد ومن معه، يتلقون من الصندوق القومي الفلسطيني بأوامر من عباس، دعما ماليا عزيزا في الظروف السورية العسيرة. ومعلوم أيضا، أن عملية تجويف أطر ودوائر منظمة التحرير من الحيثيات وإفراغ السلطة الفلسطينية من مؤسساتها الدستورية لكي يتفرد عباس بالقرار الفلسطيني؛ قد تطلبت الإبقاء على العناوين الفصائلية، لاستخدامها كمظهر ديمقراطي، كما لو أنها موجودة ووازنة ومفوضة شعبيا وتعكس الثراء الثقافي وتعددية المجتمع الفلسطيني في وطنه وشتاته.

وهكذا فإن الغالبية العظمى من صغرى العناوين، تلبي لعباس ما يريد، مقابل أن يلبي لها عباس تمويلها من مقدرات الشعب الفلسطيني، ومن دراهم الضرائب المُجباة من سكان الضفة وغزة.

كان اللافت في خطبة معين حامد هو دعوة الجالية الفلسطينية في الإمارات للانقضاض، مستأنسة بعددها، على مستضيفها وأخوتها الذين تعمل معهم وتعيش في بلدهم. فالرجل من سكان العالم الافتراضي مقطوع الصلة عن حقائق حياة الفلسطينيين حتى الذين يعيشون في سوريا. بل إن هؤلاء الفلسطينيين، وبحكم طبائع البشر، لن يكون احترامهم وولاؤهم، لمن تاجروا بهم وتسببوا لهم ولذويهم بالكوارث.

ومن ذا الذي ينكر من الفلسطينيين، أنه حتى  سلطتا الأمر الواقع في الضفة وغزة قد جعلتا الشعب يتمنى عودة الاحتلال المباشر. فالفلسطينيون يعرفون كيف يقاومون هذا الاحتلال ولو بالثقافة والمحاكم، أما سلطة الأمر الواقع، فلا دواء لها ولا طريقة لصد تجاوزاتها، ولا قيمة للمحاكم في أكنافها، فقد أصبحت بممارساتها، أحد أخطر أشكال التغذية لفكرة التطبيع، ولفكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية.

في هذا الإطار، وفي النواة منه حركة فتح، ومقابلها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، انعقد اجتماع رام الله ـ بيروت. ولكي لا يقترب هذا الاجتماع من السياسة بمعناها العملي والمؤسسي، والديمقراطي، الذي يُعلي من شأن النقاش ويؤكد على ضرورته وصولا إلى مفاهيم صحيحة وبوصلة صحيحة؛ اختار عباس أن يقتصر الأمر على خطابات علنية لجميع ممثلي العناوين الفصائلية التي تزيد عن دزينة (أو دوديكا لاتينية) تشكل مجتمعة مهرجان إدانة للتطبيع الرسمي مع إسرائيل.

اجتماع بيروت الخطابي سواء في شكل انعقاده أو في مضامين ما سُمع فيه لن يرقى إلى مستوى إنعاش اللجنة التي انبثقت عنه إذ لم يتطرق إلى إحياء اتفاقية للتصالح دفنها الموقعون عليها

وشرط هذا المهرجان وسببه، هو أن توضع الإمارات في مكان الواجهة من عقد الدار، كما لو أن مسألة التطبيع الرسمي، ليست لها سوابق، أو ليس هناك من العرب والمسلمين، من اتفق على التطبيع من قديم؛ فمنهم من ترقى في الخدمة، في الشراكة الاقتصادية والعسكرية والأمنية، حتى وصل إلى رتبة فريق أو أدميرال، كتركيا، ومنهم من وصل مع مدة الخدمة، إلى رتبة لواء سرا وعلانية بإبرام المعاهدات والاتفاقات، ومن بين هؤلاء من اكتفى برتبة عميد، يتمتع بميزة الوصال اليومي، كما في حالة قطر، وهذه تشبه تحديدا الطريقة الإيرانية أيام الشاه، فعندما طالبه ليفي إشكول في منتصف الستينات بإشهار العلاقة الحميمة مع طهران الفاتنة، أجابه بهلوي: أليس العشق ألذ من الزواج يا صديقي؟

كل تلك العلاقات قامت تحت عنوان السلام الشامل، وقد ظلت تتكاثر كلما ابتعد السلام وتضاءلت فرصه. والطريف، أن الزعيق الجاري الآن ضد التطبيع، على مرأى ومسمع وأحيانا مشاركة الرتب العالية في التطبيع؛ لم يأخذ مداه الهجومي، إلا في اتجاه طرف تطبيعي لم يتحصل حتى الآن على شريطتين في أعلى ذراعه اليُمنى، بل لم يستكمل التخرج من “الدورة”!

معنى ذلك، أن هناك مفارقة لا يخطئ فهمها أي إنسان بسيط. فعباس والعناوين الفصائلية، يتعاملون مع رتب التطبيع العالية، على قاعدة أن العلاقة مع إسرائيل لا تفسد للود قضية، لكنهم بالنسبة للعريف المستجد، يزلزلون الأرض رياء، ويلبدون السماء غيوما ليس فيها غيث، وهذا من شأنه أن يفتح الباب للعديد من الاستنتاجات: الأولى أن التطبيع في حد ذاته ليس سبب الهجوم على الإمارات.

السبب الحقيقي هو أن المطبع المستجد، لا يزال من خصوم التيار التركي والإخواني الأردوغاني، ولا يريد أن تنشأ دولة دينية استبدادية تحتكر الإيمان في العالم العربي، مثلما أن أردوغان نفسه، وهو يحض على الدولة الدينية في الأوطان العربية؛ لا يريدها لبلاده، وإنما يريدها تابعة لدولته العلمانية. لذا هو حريص على تطمين أتباعه العرب، بقليل من الدروشة بطاقية المصلين على الرأس، وبالحركات التمثيلية.

أما في الحقيقة، فهو مستعد للموت دفاعا عن تركيا العلمانية، وعن تركيا الأطلسية، وعن سمات ميدان “تقسيم” في إسطنبول والشوارع المتفرعة منه.

ثاني هذه الاستنتاجات، أن هبوب العاصفة، وانتحال أسبابها من جنس ما يفعله المحرضون على الهبوب؛ يراد منه الإجهاز على مشروع المصالحة الفلسطينية، السياسية والمجتمعية، التي تفتح الباب لعملية التمكين للإرادة الشعبية ولاستعادة المؤسسات، أداة التحقق السياسي المحترم والمقاوم.

إن اجتماع بيروت، الخطابي، سواء في شكل انعقاده أو في مضامين ما سُمع فيه، لن يرقى إلى مستوى إنعاش اللجنة التي انبثقت عنه، إذ لم يتطرق إلى إحياء اتفاقية للتصالح، دفنها الموقعون عليها. ولم يُسمع في هذا الاجتماع ما يؤشر إلى احتمال شد الهمة، لإسقاط صفقة ترامب ـ نتنياهو ومشروع الضم. فما سُمع هو كلام عن وجوب الإسقاط وليس التوصل إلى أدواته ووسائله.

بقدر ما هو فظ، كان ما طرحه معين حامد طريفا في غبائه وفي اجتهاده تزلفا لعباس. والأطرف، أن عباس نفسه، الذي لم يعترض في حينه على المتحدث الداعي إلى الفتنة؛ استدرك بعد ثلاثة أيام وأصدر بيانا يوصي فيه الجاليات الفلسطينية، ومن بينها الجالية الفلسطينية في الإمارات، بالإخلاد إلى السكينة والود الجميل، وكأن هذه الجالية أو غيرها، تطيق رؤية وجه عباس أو سماع صوته.

9