في التكفير والتخوين

الأفكار والآراء التي يطرحها المتشددون في سجالاتهم، ويخاصمون أو يصالحون فيها، تبدو عند التمحيص زئبقية لها بدايات دون سياقات أو نهايات.
الأحد 2021/04/18
أجندات ظلامية مشبوهة مضادة للوطنيات

كان الكاتب السوري الراحل تركي علي الربيعو (1951 – 2007) أحد الذين ناقشوا بضراوة ظاهرتي التكفير والتخوين المتفشيّتين على اللسان العربي بشكل عام. فخلال مسيرة حياته القصيرة، ومن خلفية ثقافته وتحصيله في العلوم الاجتماعية، ركز الكاتب على العلاقة السببية بين البيئة والسلوك، بعد أن أصبح من أهم الباحثين في الأنثربولوجيا. فقد كان لديه ما يقوله عن التراث، وعن البُنية الفكرية للإنسان العربي، ما جعله في ناظر الكثيرين كاتباً إشكالياً، لاسيما بعد أن عرض فهمه الخاص لعلاقة الدين بالإنسان!

ما يعنينا في هذا المُقام هو تحليل تركي الربيعو للدوافع النفسية للتكفير والتخوين، وذاك تحليل جاء في كتابه “المحاكمة والإرهاب” الذي سلط فيه الضوء على “العقلية التآمرية” التي تحاكم الآخرين، فتكفّرهم حيناً باسم الدين، وتخون حيناً آخر بتهمة العمالة للغرب أو “العدو”. ويُفهم مما كتب الرجل أن التكفير والتخوين ليسا إلا من أعراض الشطط في محاكمة الذات، فمثل هذه المحاكمات تنشأ أصلاً في المجتمعات المأزومة التي ذاقت الويلات وأعياها انسداد الأفق، أو دوّختها الدكتاتورية. فالكاتب لم يكن سعيداً بملاحظاته وإنما هو محض باحث اعتنى بتقصي جذور العنف في الفكر، والعنف في الخطاب العربي، بل في خطاب أي أمة، قبل أن تتبدى أفاعيل هذا العنف النظري، على أرض الواقع، بالقنبلة والرصاص والسكين، أو بطائرات وبوارج القتل الرقمي، في إرهاب الدولة.

ما كتبه تركي الربيعو ابن القامشلي ينطبق على كل بادية وحاضرة عربية، لأن منطق التخوين من العيار الثقيل جداً، ويمكن أن تقام عليه دعاوى قضائية في أي بلد متحضر. فما يميز السجالات العربية في مسائل العقيدة والسياسة والثقافة أنها تشمل النُخب كما تشمل قطاعات واسعة من العامة والبسطاء. ويندر في سياق هذه السجالات أن يقول طرف للطرف الآخر إنه مخطئ أو لا يوافقه الرأي، أو أي صيغة مخففة تعبر عن وضعية الاختلاف. فسرعان ما يقع الجزم بأن هناك “أجندات” وأن وراء هذه الأجندات عدو، بل إن الوقت الذي حدث فيه السجال سيصبح عُرضة للتأويل، ليقال بصيغة الاستفهام التقريري: لماذا يُطرح هذا الرأي الآن تحديدا؟

على الرغم من ذلك ليس أكثر من التنظيمات والعناوين والمراكز والأحزاب التي تستخدم كلمة الديمقراطية والحوار في عناوينها. والأطرف أن الأفكار والآراء التي يطرحها المتشددون في سجالاتهم، ويخاصمون أو يصالحون فيها، تبدو عند التمحيص زئبقية لها بدايات دون سياقات أو نهايات. وكثيراً ما يُلاحظ أمر طريف آخر وهو تمسك أصحاب الاتهام بفكرة الخيانة على الرغم من ثبوت براءة المتهم، وكأن الخيانة أعطية من شأنها إسعادهم برفع الحرج عن المهزوم أو القاصر، بمعنى أن من يتهم كان على وشك الانتصار لولا خيانة الخائن. لكن ما مر في تجربة السجال الفلسطيني تحديداً، لا يقتصر على طُرفة أو اثنتين وحسب، وإنما أصبح نوعاً من الفلكلور الزاخر بالصور والمشاهد. فعندما اصطدمت فتح وحماس بادر نحو ربع مليون إنسان، محازبين وموالين ومتعاطفين، إلى اتهام ربع مليون إنسان آخرين، مع التواضع في تقدير الأرقام، بالانتماء إلى فسطاط الخيانة والتفريط. والأخيرون، في الفسطاط المتهم، ردوا كلام الأولين بحديث الأجندات الظلامية المشبوهة المضادة للوطنيات. وهكذا يمتد الموال، حتى الوصول إلى المجاهرة بالرغبة القلبية في إدماج الفسطاطين، وخوضهما الانتخابات معاً، ضد الشعب، لمحاسبته بقسوة على دعوته الطرفين على مر سنوات إلى التعقل وعدم التخوين!

24