فيلم "الصندوق الأسود".. ليلة طويلة لامرأة مخدوعة

لصّان يتسبّبان في اكتشاف خيانة زوجية.
الأحد 2021/02/14
فيلم شابت حبكته بعض الثغرات

بعد أربع سنوات من الغياب السينمائي، عادت الفنانة المصرية منى زكي إلى الشاشة الكبيرة من خلال فيلم “الصندوق الأسود” الذي تحمّلت فيه أعباء البطولة المطلقة، حيث ينتمي هذا العمل إلى أفلام اليوم الواحد، ويعدّ الإقبال على بطولته مجازفة فنية، تحتاج إلى جرأة كبيرة من الممثلة. وفعلا بعد عرض الفيلم كتب حوله الكثير، خاصة في ما يتعلق بالسيناريو والإخراج.

تدور الكاميرا في إطار حيّز مكاني واحد ومع شخصيات تبدو أسيرة لذلك المكان، والأحداث يمكن أن تقع في غضون ليلة واحدة طويلة وقاسية يتمدد فيها الزمن، فيتفاقم الإحساس بالعجز واقتراب النهايات مع قدر من الشدّ والمفاجآت غير السارة.

هكذا هي قصة فيلم “الصندوق الأسود”، امرأة وحيدة تواجه قدرها أمام لصّين لا يريدان مسروقات ثمينة بل إن لديهما هدفا آخر، ذلك هو القدر الذي سوف ينتظر ياسمين (الممثلة منى زكي) وهي حامل في شهرها الأخير في هذه الدراما، التي كتب لها السيناريو أحمد وهيثم الدهان وأخرجها محمود كامل.

في مكان ضيق

الفيلم دراما تدور داخل حيز مكاني ضيق في حدود المنزل ولم تكن هنالك إلا بضعة مشاهد لأماكن خارجية
الفيلم دراما تدور داخل حيز مكاني ضيق في حدود المنزل ولم تكن هنالك إلا بضعة مشاهد لأماكن خارجية

في الفيلا الفخمة تعيش تلك السيدة إلى جانب زوجها وكلبها، لكن الزوج ياسر (الممثل شريف سلامة) خارج المنزل بسبب متطلبات عمله كمحام يتطلب منه عمله السفر إلى مدن أخرى، وبسبب خروج وعودة ياسمين يظن اللص سيد (الممثل محمد فراج) وزميله هادي (الممثل مصطفى خاطر) أنها ليست في المنزل، ولهذا يقتحمان المكان بينما ياسمين نائمة في الغرفة العليا.

وكأنك تشاهد فيلم “غرفة الهلع” الذي قامت ببطولته جودي فوستر، أجواء متقاربة في وجود مخبأ سري هو عبارة عن غرفة صندوقية سرية محكمة الإغلاق، لكن الفارق يبرز في المعالجة والبناء الدرامي والشخصيات.

هنا سوف تكتشف ياسمين وجود اللصين وتراهما وهما يفتشان عن شيء ما وتبدأ بإطلاق أصوات تجعلهما ينقضّان عليها ويقومان بتكتيفها، بينما يعلن هادي مرارا أنهما لم يأتيا لإيذائها، بل هما يريدان الحصول على ملف لقضية معينة يحتفظ بها زوجها.

ما لم يكن في الحسبان هو ذهاب أحد اللصين، وهو هادي لتفقد والده المريض في حالة حرجة، والذي يحتاج إلى إجراء عملية جراحية طارئة تتطلب مالا كثيرا لن يحصل عليه هادي إلا بالحصول على الملف، عندئذ يتسلم المال من جهة ما نجهلها.

بدا هذا التحول وبث حبكة ثانوية بهذا الشكل مفبركا تماما، وكأننا وجدنا الجواب عن سؤال أزلي: لماذا يسرق اللص؟ والجواب: بسبب حاجته إلى المال أو حاجة أسرته. لكن القصة هنا ليست بهذا التبسيط الذي لجأ إليه المخرج وكاتبا السيناريو، بل إن هنالك ما هو مخفي في قصة ذلك الملف وهو ما بقي غامضا حتى النهاية.

على أن تمكّن ياسمين من الإفلات من قبضة اللصين ووصولها إلى الغرفة الآمنة كان هو التحوّل الأهمّ، لأنها لم تنقذ نفسها فقط، بل لأنها سوف تكتشف المخفي من سلوك زوجها وتورطه في فساد أخلاقي وعلاقات خارج الزواج وما إلى ذلك.

من جهة أخرى وفي إطار التحوّل الدرامي كان وجود اللصين سببا في اكتشاف خيانة الزوج وكونه محاميا مرتشيا وفاسدا ولولا دخول تلك الغرفة الصندوقية المغلقة بكود سري، لما كان بإمكان ياسمين اكتشاف حقيقة الزوج.

والحاصل أننا أمام دراما فيلمية تدور داخل حيز مكاني ضيق في حدود المنزل ولم تكن هنالك إلا بضعة مشاهد لأماكن خارجية، ولهذا كان الضيق المكاني علامة مكمّلة لإحساس ياسمين بذلك الضيق، بل إنها مصابة بفوبيا الأماكن الضيقة ومن ذلك صعوبة استخدام المصعد، فأعطانا هذا الموقف إحساسا مبكرا بما عانته ياسمين من المكان ثم عودتها إلى الحجرة المغلقة.

أما في ما يتعلق بهادي فهو الذي يقدم نفسه شخصية بريئة وأنه جلب سيّد، اللص المحترف، لمساعدته فقط وليس التحرش الجنسي بياسمين، وأن عليها إحضار الملف الذي لا تعلم عنه شيئا لكي تنجو بنفسها.

شخصية نسائية

مع جميع تلك التحولات لا نزال نجهل ما قصة ذلك الملف ومن الذي يريده من محاولة سرقته، وبقي ذلك الغموض إلى النهاية، وذلك مسار درامي ومنطقة في السرد السينمائي لا ندري لماذا لم يقترب منها كاتبا السيناريو لتوسيع مساحة الأحداث، وأما ما تمّ الاكتفاء بعرضه من أحداث فكأننا أمام فيلم قصير وقعت إضافة تفاصيل إليه هنا وهناك لكي تغطي زمنا فيلميا أطول، وإذا نظرنا إلى الفيلم وبحسب ما شاهدناه فإن أحداثا كثيرة كان يمكن اختصارها.

يبقى التحول الأهم في الفيلم هو في لحظة المواجهة والمصير النهائي عندما يحضر الزوج لتفضحه زوجته، ولتقع مواجهة دامية بين الجميع، ومن المؤكد أن يرافق ذلك حل سعيد من خلال ظفر هادي بحقيبة المال والملف وذهابه فرحا لإنقاذ أبيه.

وكما أشرنا في بداية المقال حول مقارنة هذا الفيلم بفيلم أميركي آخر هو “غرفة الهلع”، نلاحظ الفارق في كمية الخدع التي استخدمها الطرفان، وبينما الزوجة هنا حامل في شهرها الأخير، كانت الأخرى تتحمل عبء ابنتها المصابة بمرض السكري، وفي حالة عدم أخذها الحقنة قد تتعرض للموت.

لا شك أن الممثلين قدما أداء جيدا ومقنعا، لكنهما لا يتحملان الهنات الأخرى المرتبطة بالسيناريو والإخراج، فلو تم تفاديها لكان ذلك في صالح تطور الدراما الفيلمية.

ما بين الإثارة والجريمة والعنف تتراوح أحداث هذا الفيلم لتقدم شخصية نسائية ارتكزت عليها اغلب المشاهد الفيلمية ما أكسبها تعاطفا، ولكونها تحمل في أحشائها جنينا وهي على وشك الولادة، فقد ازداد التعاطف معها.

15