فيلم "أسرار رسمية" يفتح الجرح القديم

السينما البريطانية تعود إلى ملف الحرب على العراق وكواليسها استنادا إلى وقائع حقيقية يقدمها فيلم "أسرار رسمية".
الجمعة 2020/01/10
الصحافة كانت تنقل وقائع الحرب مباشرة

“أسرار رسمية” فيلم بريطاني جديد عن كواليس الحرب على العراق في 2003، عندما كان رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يخدع الرأي العام ويوهمه بوجود خطر مباشر على بلاده، بغرض تبرير تحالفه مع الرئيس الأميركي جورج بوش (الابن) الذي كان يخضع وقتها لمجموعة من صقور المحافظين الجدد المتعطشين للدماء.

“أسرار رسمية” (2019) Official Secrets مقتبس عن كتاب “الجاسوسة التي حاولت وقف الحرب” (2008) من تأليف مارسيا ميتشيل وتوماس ميتشيل، أعد له السيناريو ساره وغريغوري برنستاين، وأخرجه غافين هود.

يقوم كل من الكتاب والفيلم على وقائع حقيقية. ففي 2003 قبيل اندلاع الحرب، تصل رسالة من وكالة الأمن القومي الأميركي إلى فتاة في الثامنة والعشرين من عمرها اسمها إليزابيث غان (تقوم بالدور كيرا نايتلي) هي مترجمة متخصصة في اللغة الصينية، كانت تعمل لحساب وكالة المعلومات السرية التابعة للحكومة البريطانية.

هذه الرسالة تطلب من الوكالة البريطانية التعاون مع المخابرات الأميركية في التجسّس على ممثلي الدول غير دائمة العضوية في مجلس الأمن، من أجل ابتزازها ودفعها للموافقة على مشروع قرار يبيح استخدام القوة ضد نظام صدام حسين، بدعوى امتلاكه أسلحة دمار شامل.

"أسرار رسمية" يضاف إلى سلسلة الأفلام التي تبرز دور "نافخي الصافرة" المنشقين عن الأجهزة السرية

ما يحدث باختصار ومن دون سرد التفاصيل، أن إليزابيث التي لديها من البداية موقف معارض لتوجهات توني بلير وأكاذيبه التي قُصد منها تبرير التدخل إلى جانب حلفائه الأميركيين في العراق، تقوم بتسريب نسخة من الرسالة السرية إلى صحيفة الأوبزرفر. فهي ترى أن في الرسالة نوعا من الإهانة الشديدة، كما أنها تكشف التحايل غير الأخلاقي لتبرير عدوان تخشى أن يتسبب، كما حدث بالفعل، في قتل الآلاف من البشر، سواء من الجنود البريطانيين أو العراقيين المدنيين الأبرياء.

ومع نشر الرسالة، تتحول المسألة إلى قضية رأي عام. فالرأي العام البريطاني يميل إلى رفض التدخل في العراق. ولندن تشهد أكبر مظاهرة في تاريخها كله ضد الحرب.

إلاّ أن السلطات تقرر في 2004 تقديم إليزابيث للمحاكمة بتهمة خرق قانون السرية الذي ينطبق على العاملين بالأجهزة الاستخباراتية والحكومية عموما. ورغم أنه كانت أمام إليزابيث فرصة من البداية لأن تبتلع المسألة برمتها وتتراجع عن فكرتها “الانتحارية” بلفت أنظار الرأي العام، إلاّ أنها تتشبث بموقفها وتصر على المضي قدما في إعلان الحقيقة، فهي على قناعة تامة بأنها لا تعمل “لصالح الحكومة” كما يحاول مسؤول الأمن تذكيرها، بل “للصالح العام”.

الصياغة الدرامية

إليزابيث.. من متهمة إلى أداة اتهام للنظام
إليزابيث.. من متهمة إلى أداة اتهام للنظام

صياغة الفيلم دراميا كانت تستوجب بطبيعة الحال أولا: اختلاق أو تخيل بعض المواقف والشخصيات وتعميق أدوارها، ومزجها بالمواقف والشخصيات الحقيقية. فنحن لسنا أمام عمل تسجيلي، رغم أن المخرج يستعين ببعض المقاطع التسجيلية، من مظاهرات لندن الحاشدة قبل الحرب في 2003، والتصريحات التلفزيونية لتوني بلير وجورج بوش (الابن)، ثم إظهار شخصية إليزابيث غان الحقيقية في نهاية الفيلم بعد نزول العناوين وهي تتحدث لوسائل الإعلام.

كذلك ينتقل الفيلم بين أكثر من محور، بهدف تسليط الضوء على شخصية إليزابيث وحياتها الشخصية والربط بينها وبين موقفها السياسي الذي يستند إلى منطلقات بعيدة كل البعد عن السياسة (أنا لا أسعى لإسقاط الحكومة).

إليزابيث متزوجة من شاب من أكراد تركيا جاء إلى بريطانيا حديثا ولم يحصل بعد على إقامة شرعية كاملة في البلاد، لذلك تستخدم الأجهزة الرسمية نقطة الضعف هذه ضدها، بل ويصل الأمر إلى إصدار قرار (غير قانوني) بترحيله من بريطانيا من أجل معاقبتها، وحتى تصبح، حسب ما يقوله المسؤول الأمني الكبير لمحاميها قرب النهاية، “عبرة لغيرها ممّن يفكرون في مخالفة النظام”.

والطريف أنهم يشيرون خلال التحقيقات معها إلى احتمال أن تكون قد تأثرت بموقف زوجها “المسلم”، وبالتالي التعاطف مع صدام حسين والعراق عموما، إلاّ أنها تسخر من هذا الاستنتاج وتوضح لهم ببساطة أن زوجها لا يمقت أكثر من صدام حسين، بسبب ما فعله بالأكراد.

كيرا نايتلي أدت دور إليزابيث في حدود ما هو مرسوم لها في السيناريو
كيرا نايتلي أدت دور إليزابيث في حدود ما هو مرسوم لها في السيناريو

وإذا كان المحور الأول في الفيلم هو محور إليزابيث في موقفها المتمرّد على النظام وحياتها الخاصة، فالمحور الثاني هو محور الصحافة: ما يدور داخل صحيفة “الأوبزرفر” التي تتخذ في البداية موقفا مؤيدا تماما لموقف حكومة توني بلير الداعي لشن الحرب من أجل إسقاط النظام في العراق.

ولكن المحرر السياسي للصحيفة “مارتن” يتلقف رسالة إليزابيث، ويتشبث بها ويعتقد أنها يمكن أن تصبح “خبطة صحافية” ممتازة، وهو ما يحدث فعلا رغم تحفظ رئيس التحرير. إلاّ أن خطأ ما في طباعة كلمات الرسالة السرية، أو بالأحرى “تصويبا ما” (من الإنجليزية الأميركية إلى البريطانية) يسبب أزمة تكاد تعصف بالقضية برمتها.

وسوف يثبت في ما بعد أن وكالة الأمن القومي الأميركي كانت وراء تلك الوثيقة بالفعل، أي أنها حقيقية تماما، وهناك من أرسلها من داخل الوكالة، وستصبح هناك حملة مضادة أميركية عبر شبكة الإنترنت لتشويه الصحيفة البريطانية والتشكيك في مدى مصداقية ما نشرته.

أما المحور الثالث الذي يستند إليه صناع الفيلم فيتعلق بالدفاع عن إليزابيث. هنا يبرز دور المحامي بن إيمرسون (ريف فاينز) الذي يحوّل القضية من قضية فتاة خرقت قانون السرية، أي ارتكبت جرما يعاقب عليه القانون، إلى محاكمة لشرعية الحرب على العراق، ويعتزم طلب شهادة توني بلير نفسه وشهادة النائب العام الذي كان معارضا للحرب في البداية ثم انصاع وأصدر مذكرة تقضي بمشروعيتها في النهاية!

عن الممثلين

الصحافي الذي نشر الرسالة السرية
الصحافي الذي نشر الرسالة السرية

كيرا نايتلي أدت دور إليزابيث غان في حدود ما هو مرسوم لها في السيناريو، كفتاة بسيطة لديها قناعاتها الخاصة، تتمسك بأخلاقيات معينة وقيم إنسانية عامة غير مسيّسة، فهي لا ترى نفسها معارضة سياسية بقدر ما تخشى أن الحرب ستجلب الدمار للعراق، أي أن من سيدفع الثمن ليس صدام حسين بل الشعب العراقي.

فمنطقها بسيط للغاية ولكن موقفها قوي يستحق الإعجاب. وربما كان من الضروري التعمق أكثر في شخصيتها وماضيها وتكوينها، خاصة علاقتها بزوجها الكردي يشار. ولم يكن موفقا الاستعانة بالممثل الفلسطيني آدم بكري (ابن محمد بكري وبطل فيلم “عمر”) في دور يشار، فهو يتحدث الإنجليزية بطلاقة بلهجة الإنجليز (بحكم دراسته وتكوينه وإقامته في بريطانيا) بينما المفترض أن يشار لم يأت إلى بريطانيا سوى مؤخرا، وأنه لا بد أن ينطقها بلكنة كردية تركية متعثرة بعض الشيء.

كما أن الممثلة البريطانية أنديرا فارما (من أصل سويسري هندي) لا تبدو قريبة الشبه من قريب أو بعيد من محامية حقوق الإنسان المعروفة شامي شاكراماتي. أما الممثل مات سميث الذي قام بدور الصحافي مارتن، فبدا متماثلا مع الشخصية مع بعض الملامح الفكاهية التي نتجت عن بعض المبالغة (لديه دور بارز في تقمص شخصية الأمير فيليب شابا في مسلسل “التاج” الذي تبثه نتفليكس). وقد بدا متسقا في أجواء التوتر والخلافات التي اشتعلت داخل قاعة الأخبار في الصحيفة الشهيرة. ومن طرائف الفيلم تصوير صحافي عربي الأصل يدعى كمال، باعتباره أكثر الصحافيين العاملين في الجريدة تحمسا للحرب على العراق!

فيلم "أسرار رسمية" مقتبس عن كتاب "الجاسوسة التي حاولت وقف الحرب" من تأليف مارسيا ميتشيل وتوماس ميتشيل
فيلم "أسرار رسمية" مقتبس عن كتاب "الجاسوسة التي حاولت وقف الحرب" من تأليف مارسيا ميتشيل وتوماس ميتشيل

الحلق العميق

مخرج الفيلم غافين هود، سبق أن قدّم في 2007 فيلم “الترحيل” Rendition الذي يصوّر كيف تلقي السلطات الأميركية القبض على إرهابي من أصل مصري تشتبه في ضلوعه بتفجير قنبلة في أحد بلدان شمال أفريقيا (المغرب غالبا)، ثم تقوم بترحيله إلى هناك حيث يخضع للتعذيب خارج الأرض الأميركية طبقا للسياسة التي تتبعها المخابرات الأميركية وتعرف بمصطلح rendition الذي يمكن ترجمته أيضا إلى “التسليم”.

يضاف فيلم “أسرار رسمية” إلى سلسلة الأفلام التي تبرز دور ما يعرف بـ”نافخي الصافرة” أو الذين ينشقون عن “الأجهزة” السرية، ويحذرون من خطورة ما يتم في داخلها من تجاوزات تمسّ المجتمع والناس في الداخل والخارج. ومن أشهر هذه الأفلام فيلم “كل رجال الرئيس” (1976).

وفي فيلمنا هذا مشهد يشير بشكل ساخر إلى هذا الفيلم تحديدا وإلى الشخصية التي عرفت باسم “الحلق العميق” في إشارة إلى ضابط المباحث الفيدرالية مارك فيلت، الذي كان يسرب المعلومات عن تجاوزات الرئيس نيكسون إلى الصحافي كارل برنستاين (من الواشنطن بوست) ممّا أدى إلى تفجير “فضيحة ووترغيت” التي أطاحت بنيكسون.

فالصحافي مارتن في “أسرار رسمية” الذي ينشر الوثيقة السرية ويكتب المقال الذي يثير الضجة، يذهب لمقابلة صديق له، ضابط يعمل في الأجهزة السرية، في مرآب للسيارات يقع تحت الأرض (تماما مثلما كان يحدث في فيلم “كل رجال الرئيس”)، فيعلق مارتن ساخرا: أشم ما يشبه أجواء “الحلق العميق” هنا!

وقد تم التعبير عن هذه الشخصية وتخصيص فيلم كامل عنها بالاسم في فيلم “مارك فيلت: الرجل الذي أسقط البيت الأبيض” (2017) الذي سبق أن تناولته بالنقد على هذه الصفحة من “العرب”. ومن أفلام “نافخي الصافرة” أيضا ما ظهر عن إدوارد سنودن الذي انشق عن وكالة الأمن القومي الأميركي وسرب وثائق سرية من الوكالة، محذرا من ممارسات تتعلق بانتهاك خصوصية المواطنين في أميركا والعالم.

و”نافخو الصافرات” والمحذرون ممّا يحدث في العالم من كوارث تخطط لها الأجهزة، يتكاثرون لحسن الحظ، يوما بعد يوم. ومن يدري، ماذا يحدث من الآن إلى حين ظهور فيلم جديد عن قضية أخرى!

إليزابيث وزوجها التركي يشار.. أزمة مفتعلة
إليزابيث وزوجها التركي يشار.. أزمة مفتعلة

16