فيكتور أوربان يقود مساعي لتوحيد اليمين المتطرف الأوروبي

الشعبويون أمام فرصة جديدة للتأثير في سياسات الاتحاد الأوروبي.
السبت 2021/03/20
أوربان أمام مغامرة قد تقلب الموازين

يسعى اليمين المتطرف الأوروبي إلى تجاوز انقساماته من خلال تكوين كتلة برلمانية مستقلة تخول له التأثير على سياسات المفوضية الأوروبية. ولبلوغ هذا المسعى يراهن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان على توحيد الشعبويين داخل البرلمان الأوروبي وهي خطوة فشل فيها قبله زعيم حزب الرابطة الإيطالي ماتيو سالفيني.

بودابست (المجر)- يقود رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان مساعي لإعادة بناء اليمين الأوروبي حول القيم التي يؤمن بها برفقة البولنديين والسياسي الإيطالي ماتيو سالفيني ورئيسة التجمع الوطني الفرنسي مارين لوبان، في وقت حققت فيه الأحزاب الشعبوية والمشككة في وحدة الاتحاد الأوروبي مكاسب قوية على حساب الوسط واليسار ما يبوئها للتأثير في السياسات الأوروبية.

وقال أوربان الجمعة، إنه يتعين على الأحزاب اليمينية في أوروبا أن تنظم نفسها تحت راية جديدة، وذلك في أعقاب انفصال حزبه “فيدس” بشكل نهائي عن حزب الشعب الأوروبي، على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وتسببت سياسات أوربان بما في ذلك فرض قوانين مقيدة للجوء وإصدار تشريع بشأن المنظمات غير الحكومية، في إثارة خلافات بشكل متزايد بين حكومته المحافظة وزملاء بحزب الشعب الأوروبي وكذلك المفوضية الأوروبية في بروكسل.

وأضاف أوربان للإذاعة المجرية الحكومية “تحاول إيطاليا وبولندا والمجر الآن إعادة تنظيم اليمين الأوروبي”.

وتابع السياسي اليميني الشعبوي “يتوجب حالياً توفير مشروع سياسي من دون حزب الشعب الأوروبي للمواطنين الأوروبيين الذين لا يريدون مهاجرين ولا يؤيدون التعددية الثقافية والذين يدافعون عن التقاليد المسيحية لأوروبا”.

جان إيف كامو: اليمين المتطرف يؤثّر بفاعلية في اختيار مواضيع الحوار
جان إيف كامو: اليمين المتطرف يؤثّر بفاعلية في اختيار مواضيع الحوار

وأكد أن لديه خططا للقاء سالفيني زعيم حزب الرابطة اليميني المتطرف في إيطاليا، وماتيوش مورافيسكي رئيس الوزراء البولندي ولوبان زعيمة التجمع الوطني.

ويعدّ حزب الشعب الأوروبي الذي يجمع أحزاب يمين الوسط الرئيسية في أوروبا، أهم كتلة سياسية في البرلمان الأوروبي، ومن بين شخصياتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وعلّق الباحث في العلوم السياسية ريتشارد ناجي زينتبيتيري على تصريحات أوربان بالقول “من الواضح أن فيكتور أوربان يريد مخاطبة أولئك الذين يقفون على يمين حزب الشعب الأوروبي من أجل تنظيم مجموعة جديدة”.

وحقق اليمين المتطرف نجاحا كبيرا في الانتخابات الأوروبية في مايو 2019 وضاعف عدد مقاعده في البرلمان الأوروبي مقارنة بانتخابات 2014 (من 37 إلى 73 مقعدا) ما أدرجه في المرتبة الخامسة ضمن المجموعات البرلمانيّة السّبع، قبل المحافظين واليسار الموحّد وبعد الخُضْر مباشرة (74 مقعدا). إلاّ أنّ أعداد النّواب المناهضين والمشكّكين في الاتحاد الأوروبي والسياديّين الموالين لبعض من أفكارهم تناهز مجتمعة قرابة 180 نائبا أي ما يعادل ربع أعضاء البرلمان تقريبا وهو ما يمكنهم من احتلال الموقع الثاني بعد الحزب الشعبي الأوروبي في صورة انضمامهم إلى مجموعة واحدة.

وساعد ستيف بانون مستشار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب التيارات القومية الشعبوية الأوروبية في انتخابات 2019، إذ أسّس بانون ما يُعرف بـ”الحركة” في بلجيكا، وهي مجموعة يمينية شعبوية تحارب الاتحاد الأوروبي بصيغته الحالية، وتدعو لإعادة هيكلته بدعم التيارات الشعبوية المتطرفة.

ويقر باحثون عدة بأن اليمين القومي في أوروبا بات أكثر شعبية من أي وقت مضى مستفيدا من أزمة الهجرة وحالة الاستياء من النخب السياسية التقليدية.

ويرى هؤلاء أن نجاح الأحزاب الشعبوية المشككة في البناء الأوروبي والمعادية للهجرة يسرّع إعادة تشكيل المشهد السياسي في القارة لكنه يسفر أيضا عن انشقاقات داخل هذه التشكيلات.

وحققت الأحزاب اليمينية المتطرفة نتائج تاريخية رغم عدم حلولها في المراتب الأولى لاستلام زمام الحكم.

ويقول الباحث الهولندي كاس مود الأستاذ في جامعة جورجيا الأميركية إن “اليمين القومي في أوروبا اليوم هو أكثر شعبية من أي وقت مضى منذ العام 1945”.

وحل حزب الحرية بزعامة غيرت فيلدرز ثانيا وبات أكبر قوة في البرلمان الهولندي خلف الليبراليين مع 20 مقعدا من أصل 150 مضيفا إلى رصيده خمسة نواب.

وفي فرنسا، تأهلت رئيسة الجبهة الوطنية مارين لوبان للجولة الرئاسية الثانية مع مضاعفة عدد الأصوات التي حصل عليها والدها جان ماري لوبان قبل خمسة عشر عاما.

وكانت الصدمة الأخرى في الانتخابات التشريعية الألمانية مع اختراق غير مسبوق حققه حزب البديل لأجل ألمانيا ودخوله البرلمان بـ12.6 في المئة من الأصوات، مقابل 4.7 في المئة قبل أربع سنوات.

Thumbnail

وفي إيطاليا، حقق حزب الرابطة الشعبوي بزعامة سالفيني انتصارا ساحقا، إذ حصل على 34 في المئة من الأصوات، متقدما بفارق كبير عن الحزب الديمقراطي اليساري الذي حصل على 22 في المئة.

ويرى مايبل بيريزين أستاذ علم الاجتماع في جامعة كورنيل الأميركية أن “لكل بلد رواية مختلفة، لكن وراء نجاح اليمين المتطرف نجد دائما فكرة انعدام الأمن، حقيقية كانت أم متخيلة، مرتبطة بتدفق الهجرة والإرهاب أو التقلبات الاقتصادية”.

ويؤكد نجاح اليمين القومي في الدول المزدهرة مثل ألمانيا والنمسا “التحليلات التي توضح منذ عقود من الزمن أن الهجرة مصدر قلق رئيسي” للناخبين من اليمين القومي.

وحقق حزب البديل لأجل ألمانيا نجاحه في بلد كان من بين الدول الأوروبية التي استقبلت أكبر عدد من المهاجرين منذ عام 2015، ما أدى إلى جدل حول كلفة ذلك وإمكانية اندماج الوافدين الجدد في المجتمع. إلا أن وجود المهاجرين لا يوضح وحده أداء اليمين المتطرف الذي يستفيد أيضا من الاستياء تجاه الأحزاب والنخب السياسية والاقتصادية والثقافية.

وتتراوح خيارات الأحزاب الأخرى حيال هذا الواقع بين الابتعاد أو نسخ الأنماط أو التعاون وضمنها المعسكر المحافظ الذي يحرجه تجذر اليمين المتطرف بحيث أصبح مرغما على تكييف استراتيجيته.

وهناك خطر تسرّب أفكار ومواقف اليمين المتطرّف إلى بعض المجموعات السياسية الأخرى وخاصّة منها المحافظة التي شدّدت من مواقفها إزاء الهجرة واللجوء وذلك لجلب الناخبين ومحاولة سدّ الطريق أمام تقدّم اليمين المتطرّف.

ويقول الباحث الفرنسي جان إيف كامو إنّ النتائج الانتخابية لهذه الأحزاب أضعف من أن تمكّنها عموما من الوصول إلى الحكم إلاّ أنّها تشارك بقوّة في الحياة السياسية في بلدانها وتؤثّر بفاعلية في اختيار مواضيع الحوار. هذا الوضع تغيّر بعد دخول العديد من الأحزاب المتطّرفة في ائتلافات حكوميّة مع المحافظين.

وتبرز الاضطرابات الداخلية التي شهدتها الجبهة الوطنية وحزب البديل لأجل ألمانيا منذ صعودهما الانتخابي صعوبة وضع خلافات داخلية مرتبطة بالخيارات الأيديولوجية أو التناحر الفردي جانبا لفترة طويلة. وشهد عام 2017 أيضا انهيار الحزب الشعبوي الفنلندي الذي يواجه صعوبات بسبب ممارسة السلطة منذ العام 2015 ضمن ائتلاف مع الوسطيين والمحافظين.

5