فيفيان الصائغ ترسم من حكايا الجدّات نساء لكل العصور

لوحات الفنانة السورية تشكلها قيم تعبيرية جوهرها التمرّد.
الاثنين 2021/08/09
تمرّد في الشكل واللون

فيفيان الصائغ فنانة تشكيلية سورية، تنبض لوحاتها بألوان الحياة وتبتكر أسبابا جديدة لها عبر مواضيع وطروحات متنوّعة تحاول من خلالها إيصال رسائل وترسيخ أفكار وقيم فنية صارخة تدافع عن المرأة وتدعم قضاياها بجمالية الحس البصري الشفيف.

“خُلقتُ لأرسم”، جميلة هذه العبارة التي قالتها التشكيلية السورية فيفيان الصائغ وموحية جدا، وتكاد تلخص سر الوجود وسر الروح فيها، بل تكاد تكون وبجدية عالية الإجابة الوافية عن الكثير من أسئلة الحياة والفن وجمالياتهما.

فهي هنا -وضمن المتغيرات السريعة حتى في تلافيف اللحظة- تتسارع لتعبث بالبياض وبجذوره الممتدة في الأفق، ملتجئة إلى شقائق الألوان وهي تلامس ذلك البياض بفعل حضاري وبعشق قادر على التعبير بلغته التي تحمل كل مفردات الاحتواء.

سيمفونية مقدسة

الصورة
أمومة مزدهرة

خلقت الصائغ لترسم، تؤكّد بذلك أن الإنسان هو صانع الحياة وجنتها مهما كان المناخ السائد ملوّثا، فهي هنا تصنع قدرها الحتمي، القدر الحافل بالمفاجآت والأسرار، ملمّحة إلى أن المصالحة مع الذات تختزل كل ألوان الحياة في مزاجية واحدة، وأن خطواتها ليست إلاّ تجليات لألوانها، وبذلك تضفي رونقا آخر على تلك الألوان، وبالتالي على تلك الخطوات.

هي لا تقف وحيدة لتسرد قصة الإنسان في هذه الحياة، بل ترسم تلك الحياة وتزخرفها بالشكل الذي يجب أن يكون، فلا حدود لملامحها،

ولا حدود لانتماءاتها؛ ذلك أن فرصة البحث عن الذات تكمن هنا بين ألوانها وخطواتها تلك، وحينها -وبما تمليه عليها مقولة التجربة الإنسانية، وبالتوازن مع الوحدة العضوية لأجزائها التي تتّسم بالمفارقة من حيث بنيتها الدرامية- تتفاعل بطريقة تجرّ مجمل العناصر الفنية التي تدخل في بناء عملها الفني إلى صياغات تعكس الثوابت الإنسانية ومعانيها المكثفة، مع مقوماتها الإدراكية وما تحمله من آثار متبقية من تجربة عنيفة إلى حد بعيد.

تجربة تلفها قيم تعبيرية يؤكّدها ذلك الشريط الطويل من الانفعالات والعواطف بعنفوانها وحرارتها، وتؤكّدها كذلك تلك الألوان بملامحها الحزينة وبحركتها المتعبة، وهنا تبرز ذروة الألم بإخلاصها وصدقها، فهذا الاندفاع الانفعالي المكثف له أهمية

بالنسبة إلى الصائغ ومشروعها الجمالي، فبه تتجاوز مناطق القحط والجفاف وما تعيشه من تلاحمات ضمن فراغ ما، وإن كان هذا الفراغ ممتدا في الروح ويشكّل المساحة الأكبر التي على الصائغ أن تشغلها بدوائر من ذاكرتها، وتشحنها برؤياها الجديدة، حتى تتدفّق تلك المآسي الإنسانية بغزارة من داخلها نحو بياض العمل.

فيفيان الصائغ: في أعمالي أسعى لمحاكاة شيء من واقع الحياة اليومية للمرأة بكل حالاتها الإنسانية والفكرية والاجتماعية

فاليوميات المرسومة كمفارقات معتقة وبأبعاد غير تقليدية وتتعدّى حالات التأمل والإبحار ستكشف باستمرار ذلك السيل الجارف من القدرة الإبداعية، وبالتالي ستكشف تلك التربة الخصبة التي عليها تعمل الصائغ، فالإحساس الذي يملؤها هو الإحساس ذاته الغارق في أعمالها والصادر منها إلى دواخلنا؛ هذا الإحساس الحيوي بحركته، الفاعل بإيقاعه، الداكن بتأثيره، يسيل من جسد اللوحة بزخم حافل، لا كطقس قادم من أسطورة ما بل كسيمفونية تصنع فينا الإنسان، تصنع فينا لحظات مقدسة.

المرأة.. اللوحة

لم تهدأ الصائغ منذ تخرّجها عام 2001 في معهد أدهم إسماعيل بدمشق؛ فهي في حركة مستدامة لا دوائر فيها، حالة الصعود تفرض ذاتها عليها وتشكّل تلك الارتعاشات التي تحتدم ضمن حساسية خاصة، والتي تستمدّ نبضها من تلك المحرّضات البصرية التي تتشظى وهي ترفد عملها بهذا الكم من الهدوء المنحاز إلى دواخلها.

أقول تشكّل تلك الارتعاشات بوابة الحضور لطقس يخصّها هي، بعناصره وبروحانيته التي بها تبصر الحدث ومحنته؛ فالصائغ -وبملامح تمسّ الخراب- توغل في ذاتها أولا، وفي المشهد الإنساني الآيل إلى السقوط ثانيا، تحتفي بانحيازها العميق إلى تحريك المشهد، تحتفي بلغتها المكتنزة بجماليات هي الأخرى تقف تعبيراتها في مواجهة هذا التحدي القبيح، القبيح بغضبه المؤلم.

هي تمتحن الأشواك وهي تتلاطم على جسد شديد الهتك، تمتحن الألم وهو يدمع من أرواح عملها، الإيغال فيه تداعيات غربة وسمومها، تداعيات لا حدود للأشياء فيها، وحدها الفصول كلها تأتي إليها كأنها تلمس خبايا عشق في معبد قديم.

صحيح أن الصائغ تنظر إلى الفن كدعائم للحياة الواقعية، إلاّ أن ذلك لا يبعدها عن الحياة التي تكون أكثر جمالا إذا ارتبطت بالحس الفني وبالثقافة البصرية، فمن أجل الانتماء إلى الجمال وخلقه وتفعيل تأثيره ونثر أريجه يكون العنوان نابضا بابتسامته، فاللحظات القلقة والمتوترة غير واردة في عمل الغد الآتي كالضوء الذي يدخل نافذتها كل صباح.

الصورة

وهي تدرك تماما أن المبدع لا يشبه أحدا إلاّ نفسه، لا يشبه إلاّ كتلته الداكنة منها أو المزخرفة، وكأنه قريب من سموات خلقت له كي يقعد على عرشها ويقول للجمال كن فيكون.

صحيح أن الصائغ تتّخذ من المرأة عنوانا للوحاتها، وليس في ذلك غرابة، لكن أن تدخلها في لغة اللوحة وتكون أبجديتها، بل لسان حالها، وبتأثيراتها الزمنية والحسية على كل سطوحها، وتقتل النعاس فيها، فهذا هو الانتماء بعينه.

الانتماء الذي يتلاشى في جسد لوحتها، أو قد يقفز من الإطار ويمتدّ في ذلك السراب المسافر في اللانهائي، فالصائغ تهتم بكل ما يحرّك الركود حتى لو كان وجعا نائما في قلب امرأة طحنها العشق، تهتم بنفسها أولا، فهي المرأة ذاتها التي تفرض رائحتها في لوحتها وتشدّ المتلقي إلى العبق الغائب.

تهتم الصائغ بتقديم أعمالها على أنها مجموعة أعمال تنبض بنا جميعا، المرأة على نحو خاص، والإنسان على نحو عام؛ فالمعطيات الإبداعية عندها بلا حدود، ولا ترقد بهدوء، بل تزحف بحب وقلق، وتجاور صوت المطر حتى تملك عذوبته ولغته الخاصة، حينها فقط تضع اللاحدود لمسافاتها التي تستحق أن تجوب الأرض وأكثر.

الفنانة تعتبر الفن دعائم للحياة الواقعية، إلاّ أن ذلك لا يبعدها عن حياة تكون أكثر جمالا إذا ارتبطت بالثقافة البصرية

عن منجزها الفني تقول الصائغ “تنتمي أعمالي في المجمل إلى المدرسة التعبيرية الحديثة والرمزية بالمفردة التشكيلية، وتنتمي إلى محاكاة شيء من واقع الحياة اليومية للمرأة بكل حالاتها الإنسانية والفكرية والاجتماعية”.

وتسترسل “كثيرة هي المدارس الفنية المهمة، والتي كان لا بد لي من الاطلاع عليها، ولكن لم أتأثر بأحد، دائما أعتمد على تجاربي الخاصة لتصبح لي هويتي التشكيلية وتراثي الذي يبقى في ذاكرة الزمان”.

وفيفيان الصائغ تخرجت في مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية، قسم التصوير، عام 2001. شاركت في العديد من المعارض، أهمها معرض مشترك في دمشق تحت عنوان “المرأة تاريخ وحضارة”، ومعرض في لبنان بعنوان “حروف وامرأة من ضياء”، ومعرض فردي في سوريا بعنوان “صدى”، ومعرض ثنائي مع الفنان عبدالله صالومة في صالة “إتيان دو كوزان” بالعاصمة الفرنسية باريس عام 2007. وأعمالها مقتناة في عدد من الدول منها لبنان وفرنسا والكويت وغيرها.

17