"فوضى" الفنان عادل داوود تصل حدود النمسا

الأهوال السورية تتشكل نصا عاطفيا يتأرجح ما بين البشاعة والشاعرية
الجمعة 2021/04/16
أزهار تعلن انقشاع هم جثم لسنوات على صدور السوريين

نظمت مؤخرا صالة “آرتي كونت” في العاصمة النمساوية فيينا معرضا فرديا للفنان التشكيلي السوري عادل داوود تحت عنوان “فوضى”، يضم مجموعة من أعماله الفنية التي استحوذت على اهتمام عربي وعالمي على السواء، نتيجة طرحها الإشكالي القادر وحده على الجمع بين البشاعة والشاعرية في آن واحد.

بسبب وباء كورونا لم يحظ المعرض الجديد للفنان السوري عادل داوود المقام حاليا بصالة “آرتي كونت” في العاصمة النمساوية فيينا بليلة افتتاح وجرى تنظيم زيارة الصالة للمهتمين بشكل يراعي شروط التباعد الاجتماعي.

والمعرض الذي يستمر حتى نهاية شهر أبريل الحالي يضم لوحات أتت معظمها بأحجام كبيرة تحت عنوان عام وهو “فوضى”.

ويشكل هذا المعرض امتدادا متينا لمعارض الفنان السابقة، لاسيما معرض “طوفان” الذي يمكن اعتباره محطة فنية وتجربة بصرية أسّست لمعرضه الحالي “فوضى”.

عالم جحيمي

معرض عادل داوود الأخير يجيء غنيا ومُكثفا وجهنميا، ما يكفي بأن نطلق عليه هيرونيموس بوش السوري

“فوضى” هو من دون أدنى شك تتويج لمرحلة فنية تمكن فيها الفنان من تدعيم مكانته الفنية على الساحة العالمية. وشكلت المعارض الفردية السابقة وتلك التي شارك فيها في وطنه الأم سوريا حضنا دافئا ترعرعت فيه موهبته، قبل أن يُقذف إلى عالم الأهوال السورية التي غذّت نصه الفني بدفع عاطفي تأرجح ما بين الكآبة والقهر غير الملجوم.

ومنذ أن بدأ الفنان بالعرض كان واضحا ميله إلى التعبيرية التي تداخل فيها التجريدي بالتشكيلي. وشغلت لاحقا لوحاته أمزجة لونية تحاكي بحيرات غرائبية طفت على سطح لوحاته لتدخل في تفاعل مع من يشغل سطح وأبعاد اللوحة من مخلوقات وبشر.

ويجيء معرضه الأخير غنيا ومُكثّفا وجهنميا ما يكفي بأن نطلق عليه هيرونيموس بوش السوري. حتى يمكننا الذهاب إلى أبعد من ذلك وهو في أهمية “استخدام” نص الفنان السوري لمواجهته مع فن  بوش لأجل التفكّر في التحوّلات في آلية التعبير الفني عبر الزمن، وعبر المكان وكذلك من خلال التجارب الشخصية.

قد يكون الكلام هنا مدخلا إلى نوع من الهرطقة الكلامية، ولكن نص داوود يشدّنا إلى ذلك وهو نص فيّاض بكل معنى الكلمة وأهل بالتمعن والتأويل على خلفية فنية/ تاريخية وبناء على خصوصية الفنان ذاته، بيئته، تجاربه ومزاجه.

وأكثر ما يُبهر في أعمال الفنان السوري الموضوعة تحت عنوان “فوضى” أنها تتحدّث عن عالم جحيمي لا يقل فظاعة عن عالم بوش، ولكنه في الآن ذاته يتمتع بجمالية لونية وشاعرية وغنائية ليست موجودة تماما في أعمال العملاق الهولندي  بوش.

نذكر من عناوين لوحاته “وحوش 1″ و”وحوش2″ و”العشاء الأخير 1″ و”العشاء الأخير 2″ و”وثبة 1″ و”وثبة 2”. وتضجّ لوحة الفنان السوري بمخلوقات محسوسة وكاسرة بثّت وتبثّ رعبها في “سديميات” فضاءاته اللونية، حيث تسرح غيوم لونية مشبوهة ويستقر ضباب يشفّ ويتكثّف بين الحين والآخر ليضفي على الأشكال المرسومة في لوحاته شاعرية الغموض وبشاعة الريبة.

وإن كانت لوحات الفنان الهولندي هي مشاهد واسعة يحشد فيها بوش كمّا هائلا من الموجودات والكائنات، فالفنان السوري يقدّم لجمهوره العديد من اللوحات المشهدية/ الواسعة أيضا، ولكن لتبدو أحيانا كثيرة وكأنها “صور” أخذت من علو مرتفع، وأن كل ما هو واضح أو شبه واضح للعيان إنما هو يظهر عبر الضباب وعبر الغيوم ومن خلال انحناءات الضوء.

وإن كانت مشاهد التعذيب في لوحات الفنان بوش ليست خيالية تماما، إذ أن زمن القرون الوسطى معروف بابتكار أساليب واعتماد وسائل تعذيب رهيبة، فمشاهد الموت والتحلل والعذاب ليست خيالية تماما في لوحات فنان عايش الحرب في سوريا وفصول الموت في المنطقة العربية، ورحل ليستقر في منفاه النمساوي لاحقا.

كما تزخر لوحاته المشهدية في معظمها (كلوحات الفنان الهولندي) بوحوش جهنمية وكائنات حشرية تخالط هامات بشرية “سائحة” تحت درجات حرارة ألوانه عندما تتفجر بشعرية عالية، لتذكرنا بأن الفنان هو كردي/ سوري ابن الحسكة (1980) الشديدة الغنى بطبيعتها وألوانها وضوئها.

وإذا كان الفنان الهولندي يستعرض خطايا وشرور البشر ونزول الوباء وحلول فصول العقاب المرعبة، فالفنان السوري لم يتكلم عن أقل من ذلك، ولكنه استطاع على الرغم من كل الهول الذي تحدّث عنه في لوحاته أن يكون شاعريا ويقدّم بصريات باهرة تمكنك من أن تنسى وتتذكّر مداورة ما يريك إياه من فظاعات، ولكن بشكل “تخفيفي” يدع فسحة للأمل والخلاص.

وإضافة إلى اللوحات العابقة بالألوان الفياضة والمشاهد المرعبة حينا والمثيرة للتعاطف حينا آخر، يعرض الفنان مجموعة لوحات صغيرة مشغولة بلون واحد وهو الأسود وهي مجموعة “لوحات ذاتية” لوحوش لا بد أن تكون قد حضرت في شكل من الأشكال في لوحاته ذات الأبعاد الرمزية المكثّفة، حيث لا يظهر أي عمق فيها، إلاّ وضباب وسديم غرائبي ما يرافقها أو ينطلي عليها فيصيّرها.

أزهار مشمسة

أمزجة لونية تحاكي بحيرات غرائبية تطفو على سطح اللوحات
أمزجة لونية تحاكي بحيرات غرائبية تطفو على سطح اللوحات

في المعرض لوحة واحدة أطلق عليها الفنان السوري عنوان “أزهار”، أزهار تمكنت من أن تخرج من خندق طين شتائي، على الأرجح في فترة عصر مُشمس.

هي أزهار وحيدة في لوحة واحدة، ولكنها تكفي لأن تعلن عن انقشاع، هو حقيقي بقدر ما، لدمار الحروب والاقتتال بين البشر ضد ذاتهم وضد الطبيعة.

وما قدّمه ولا يزال يقدّمه داوود يبقى في انسجام تام مع ما قاله يوما منذ سنوات عديدة “أنا لا أرسم ترفا، ولست باحثا عن جمال، إنّما أحاول تعقل ذاتي والعالم.. غير أنّ النتائج دائما لا تعدو أن تكون نوعا من البكاء”.

نص داوود جدير بالتمعن والتأويل على خلفية فنية/ تاريخية وبناء على خصوصية الفنان ذاته، بيئته، تجاربه ومزاجه

والفنان عادل داوود كردي سوري من مواليد الحسكة في العام 1980، خريج مركز الفنون التشكيلية في الحسكة، ثم كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق.

أقام معرضه الأول في قاعة “آرت هاوس” بدمشق، ثم أقام معرضا ثانيا إلى جانب العديد من المعارض الجماعية في مجموعة من العواصم العربية والأوروبية.

شارك في نحو خمسة عشر معرضا جماعيا في سوريا وفي عواصم عربية وأوربية قبل أن تقوم صالة “آرت هاوس” في دمشق بتنظيم معرضه الشخصي الأول في أبريل 2012، ثم استضافه غاليري “رؤى 32 للفنون” بالعاصمة الأردنية عمّان لإقامة معرضه الشخصي الثاني، لينطلق بعد ذلك في أولى خطواته نحو العالمية.

مخلوقات كاسرة تبث رعبها في الفضاء اللوني

 

17