فنان سوري يسائل إدراكنا للعالم عبر التلاعب بعناصره المادية والرمزية

الفنان السوري دينو أحمد علي يتيح لمن يشاهد أعماله التجهيزية أن يصبح المتفاعل معها مُخرجا يشاركه صياغة العمل نفسه.
الجمعة 2019/04/19
الخداع البصري في الفضاء العام

يورطنا الفنان السوري دينو أحمد علي في أسئلة عن العالم من حولنا، إذ يدعونا لزيارة معرض له، لنرى أنفسنا فجأة جزءا من العمل الفنيّ الذي أنجزه، وخصوصا في أعمال التجهيز التي تدعونا للمشاركة في تكوينها، في رهان على الاختلاف بين ما يمكن أن نراه وبين ما هو موجود.

باريس - يعتمد الفنان السوري دينو أحمد علي أساليب التلاعب بالإدراك، حيث تمثل جوهر تجربته الفنيّة وموضوع رسالة الدكتوراه التي أنجزها مؤخرا من جامعة باريس الثامنة بعنوان “تغير دور المشاهد داخل أعمال تجهيز خداع البصر التفاعلي”، “العرب” التقت دينو في حديث عن مفاهيم الخداع البصري وتوظيفها فنيا.

سألنا دينو أحمد علي بداية عن الحدود الجمالية والفنية التي تفصل بين الخداع البصري وبين سوء الإدراك العفوي الذي نشهده في الحياة اليومية، فقال “انخداع البصر ناتج عن ضعف الإدراك العفوي أو عن محدودية الآلة البصرية عند الإنسان (العين والدماغ) في تلقي المعلومة البصرية، أي أن العين ترى بعض الأشكال بصورة مختلفة عن حقيقتها، ليقوم الدماغ بعدها ببناء صورة جديدة لها، هذه الآلية تؤدي إلى ما يعرف بخداع البصر”.

ويضيف “خداع البصر أو سوء الإدراك البصري العفوي ظاهرة موجودة في الكثير من مجالات الحياة، الاختلاف بين هذه الظاهرة وفن خداع البصر هو أن الأخير يحوّل هذه الظاهرة إلى تقنية تساهم في صياغة العمل الفني، أما بالنسبة للبعد الجمالي، فأعتقد أن الجمالية موجودة في كلتا الحالتين، إلاّ أن الفارق بينهما هو إدراك الفنان لجمالية المشهد العفوي، وتحويله إلى أداة تعمل على صياغة منتج فني متكامل بمساعدة التقنيات الفنية والتكنولوجية الأخرى، لخلق أشكال جديدة من الخداع البصري”.

بين شكلين

 فنان يعمل على محدودية الإدراك البصري لدى الإنسان
 فنان يعمل على محدودية الإدراك البصري لدى الإنسان

هناك عدد من العوامل التي تحضر “خارج” إطار العمل الفني كمكان العرض، وأسلوب التلقي وطبيعة الحركة أمام العمل، وتشكل في ذات الوقت الوسيط المستخدم لتفعيل تقنيات الخداع البصريّ، فما هي العلاقة بين المكونات الأصليّة للوسيط وبين تلك التي تتجلى أثر الجهد الجماليّ، يُعقّب دينو بقوله “بأن الموضوع الفكري هو من يأخذ العمل الفني باتجاه الوسيط الأنسب، سواء كان لوحة أو عمل تجهيز في الفراغ، بالنسبة لي الاختيار محصور بين هذين الشكلين، حاليا على الأقل”.

ويسترسل “إذ يتميز فن خداع البصر بقدرته على تطويع المكان ليتناسب مع موضوع العمل، فعلى سبيل المثال يمكن استنساخ عناصر موجودة في المكان الأصلي وفي المقابل محي أو إخفاء عناصر أخرى، بالإضافة إلى القدرة على خلق فضاء غير موجود بشكله الفيزيائي”.

والتجهيز في الفراغ بالاعتماد على تقنيات خداع البصر، عند دينو، يحمل شكلين، الشكل الأول، هو وجود مكان يتم بناء موضوع العمل على أساسه، أما الشكل الثاني، فهو وجود فكرة عمل يتم تجهيز المكان المناسب لها باعتباره جزءا من العمل الفني.

ويوضح “بالنسبة لأعمال التجهيز التي أقوم بها، أعتمد على الربط بين الشكلين، بالإضافة إلى وجود ما أسميه أنا عنصرا ثابتا، أي موضوع العمل، فعلى سبيل المثال عندما عملت على موضوع السجن، كان الثابت هو السجن، ولكن المكان أو الفراغ هو المتغير على الرغم من وجود متغيرات في الأماكن التي تم عرض العمل فيها، كان يبقى وخصائصه سجنا وما يختلف هو شكله، وهنا أرى أن الثوابت والمتغيرات تسمح أن تضفي خاصية التجديد على عمل التجهيز فحتى وإن كان الموضوع يعد ثابتا -سجن- إلاّ أنه في كل مكان جديد يتغير شكل وخصائص هذا السجن بحسب تغير مكانه وظروفه ومتلقيه”.

نشاهد في عدد من أعمال دينو التشكيلية موتيفا واحدا يتكرر “صداه” ضمن اللوحة، إن صح التعبير، سواء كان كلمة أو رسما أو مفهوما، سألنا الفنان السوري عن المعايير التي تجعل الواحد منها صالحا أو مناسبا، كذلك كيف يعيد تركيب المكونات الداخلية لكل واحد من هذه “الموتيفات” كي يناسب العمل الذي يريد إنجازه، فيقول “العنصر المشترك الوحيد بين جميع الأعمال ثنائية البعد التي قدمتها هو اللونين الأبيض والأسود، من خلالهما أبني تقنية خداع بصر وأوظفها في العمل، ميزة هذين اللونين بالنسبة لي هو التباين الذي يحملانه سواء كمفهوم أو كقيمة لونية، أما ‘صلاحية’ الموضوعة فتخضع لأمرين، الأول هو القدرة على خلق التباين الحاد بين الظل والنور، والذي يلعب دورا أساسيا في إعطاء العمل إحساسا بالحركة، والأمر الثاني هو خلق الإحساس بالتحجيم (الرولييف) لإعطاء العمل بعدا ثالثا”.

لعب ومشاركة

بين الظل والنور يبرز الإحساس بالحركة
بين الظل والنور يبرز الإحساس بالحركة

هناك عناصر من “اللعب” تحضر في بعض أعمال دينو، خصوصا أعمال التجهيز التي تعتمد على مشاركة الجمهور/ المتلقين، فما هي الشروط التي يحاول تحقيقها لدفع المشاهد للعب والمشاركة، أي ما الاختلاف بين عمل التجهيز وبين الفخ، خصوصا أن هناك مرحلة من المراحل لا يستطيع التنبؤ ضمنها بكيفيّة تفاعل الجمهور؟

وهنا يضبط دينو توظيف المصطلحات، إذ يعقب بقوله “إن أعمال التجهيز التفاعلية مبنية على المتلقي، إذا هي ليست علاقة لعب باعتبار أن المتلقي جزء أصيل من العمل وليس هو زائر للعمل فحسب، أما الفرق بين الفخ وأعمال التجهيز التفاعلية، هو أن الإنسان يقع في الفخ من دون إرادته، ولكن أعمال التجهيز التفاعلية هي طوعية”. ويضيف “الزائر على دراية وعلم مسبق بأنه سيذهب ليكون جزءا من العمل، لا يعرف الظروف التي ستحيط به أثناء الزيارة، ولكنه يعرف أنه عمل تفاعلي ويعتمد عليه كمتلق بالدرجة الأولى، ومن خلال تحرك المتلقي وتفاعله داخل العمل يكتسب العمل أبعادا جديدة، كما أن دور زائر العمل يتغير من مراقب له، إلى متلق وبعدها إلى متفاعل، ومن الممكن بعد ذلك أن يصبح المتفاعل ممثلا داخل العمل أو مُخرجا يشارك الفنان صياغة العمل نفسه”.

تحضر أعمال دينو أحمد علي في مسافة متخيّلة بين التكوين المادي للعمل (الشكل البصريّ)، وبين المتلقي والقدرة البشريّة على الإدراك والتفاعل، وكأن “الاكتمال” المرتبط بالعمل قائم على أساس علاقة ثنائيّة، وهنا يوضّح بأن العمل بالنسبة له لا يكتمل إلاّ بفهم العلاقة بين العنصرين السابقين، فخلال سنوات الماجستير والدكتوراه قام بدراسة هذين العنصرين من خلال المزج بين البحث العلمي والبحث العملي، وفهم كل عنصر على حدة وتأثيره على العنصر الآخر.

ويضيف “أهم الحقائق العلمية التي اعتمدت عليها هي محدودية الإدراك البصري عند الإنسان وضعف نظامه البصري، بالإضافة إلى عناصر أخرى كثقافة المتلقي وجنسه وعمره ومكان العرض وظروفه، وما أعمل عليه هو فهم هذه العناصر ومسبباتها وظروفها للتحايل عليها وعلى خصائصها من أجل تكوين عمل تجهيز خداع بصر تفاعلي لا يكتمل إلاّ بحضور المتلقي داخله”.

17