فنانة سعودية تقيم علاقة "عشق" بين السريالية والتراث الإسلامي

أعمال الفنانة السعودية أحلام المشهدي تجمع الرسم بالشعر والموسيقى والرقص مشكّلة سردية بصرية تستلهم مفرداتها من التراث.
الخميس 2021/01/14
لوحات تسلط الضوء على الجانب العاطفي والإنساني

افتتح، الثلاثاء، بالعاصمة السعودية الرياض المعرض الشخصي الرابع  للفنانة التشكيلية السعودية أحلام المشهدي الذي جاء تحت عنوان “عشق”، وهو معرض يضم 36 عملا فنيا تدور جميعها في فلك العشق والعشاق والمزج بين عوالم الشعر والمفردات التشكيلية.

الرياض – تستعرض الفنانة التشكيلية السعودية أحلام المشهدي آخر إنتاجاتها الفنية عبر معرض “عشق” المقام حاليا بغاليري “نايلا” في الرياض.

والمعرض الذي يقام على امتداد ثلاثة أيام (من 12 يناير وحتى الرابع عشر منه) قالت عنه الفنانة السعودية الشابة “هو بمثابة دعوة للإبحار بين مفردات العشق وتحريك القلوب الساكنة، ودعوة لكل عاشق ومحب يعي ويدرك العشق بنعيمه وجحيمه”.

كما أشارت إلى أن الأعمال الفنية بالمعرض، تعالج قضايا اجتماعية وعاطفية، مثل “حكايات أدمت قلوب عشاق ما زال لديهم بصيص أمل بالرغم من بقايا جروح كامنة في الذاكرة”.

وعشقت الفنانة التشكيلية السعودية الرسم والتلوين منذ أن كانت طفلة صغيرة، ولم تكتف بأن تتّخذ الرسم مجرد هواية لها، وإنما قامت بتطوير ذاتها عن طريق الالتحاق بمجموعة من الدورات الفنية في كل من أساسيات التلوين الزيتي والأكريليك والباستيل والنحت والتصوير الفوتوغرافي والفوتوشوب، هذا إلى جانب حضورها في العديد من ورش الأعمال الفنية المتخصصة سواء داخل أو خارج المملكة.

تأثّرت المشهدي بشكل خاص بكل الفنون والحضارات الشرقية والتراث الإسلامي الزخرفي، كما تأثّرت بالفن السريالي وعالم الأحلام، وهي التي كان والدها يصطحبها منذ أن كانت يافعة إلى زيارة المعارض الفنية والمتاحف عند سفرهما إلى خارج السعودية، هذا إلى جانب أن والدتها تحب الرسم وتجيده، فكانت عادة ما تشجعها على الرسم وتتابع لوحاتها وتبدي رأيها وملاحظتها واقتراحاتها في كل اللوحات والأعمال الفنية التي تنفذها، كما كانت تهتم بشكل كبير بشراء الكتب الخاصة بتعليم الرسم. وعن تلك المرحلة تقول المشهدي “كان والديّ حريصين وبشدّة على مشاركتي في معارض رسوم الأطفال التي كانت تقام بالمملكة، ومن هناك كانت بدايتي ثم استمراري في هذا المجال”.

نمط تعبيري زخرفي متوهج
أحلام المشهدي: المعرض دعوة للإبحار بين مفردات العشق وتحريك القلوب الساكنة

وللفنانة السعودية تجربة مثيرة في فن الكاريكاتير ورسم أغلفة الكتب، والتي قالت عنها “انطلقت الفكرة من الدكتور محمد الخازم، حيث اقترح تنفيذ رسومات كاريكاتيرية هادفة تحمل رسالة صحية توعوية بموقع العلاج الطبيعي السعودي في العام 2008، وتم تنفيذ تقويم خاص بهذا بالتعاون مع جامعة الدمام 2011، كما عملت كرسامة كاريكاتير توعوية في مجلة العلاج الطبيعي التابعة للجمعية السعودية للعلاج الطبيعي 2009 – 2011، وشاركت في رسم أغلفة الروايات والكتب، منها رواية ‘حفلات في زمن الصمت’ للكاتبة منى مريبد”.

وعن جمعها بين هواية الرسم وعملها في مجال العلاج الفيزيائي (في مستشفى الملك فهد الجامعي بمدينة الخبر السعودية) تقول المشهدي “ليس بالأمر اليسير الجمع بين مهنتين، لكن الظروف أحيانا تجبرنا على السير في طريق لا نبتغيه، وعموما بالنسبة لي وجدت أنّ كلا المجالين ممتعان، واستطعت أن أثبت وجودي فيهما، سواء في عملي ومهنتي، أو هوايتي المحببة منذ أن كنت طفلة”.

وعن منجزها الفني يقول الفنان التشكيلي والناقد الفني السوداني أحمد عامر جابر “تجسّد معظم أعمال الفنانة السعودية أحاسيس تنضح بعشق عميق للحياة والإنسانية، تتجلى في بوحها بالكثير من الآمال والأحلام التي تتماهى مع الفضاءات الغنية بالألوان الخلابة والأشكال المعبّرة التي تصوّر جمال الطبيعة التي برعت في خلق حوارات عميقة مع الكثير من عناصرها”.

ويضيف جابر عن مفرداتها التشكيلية “تحضر في لوحات المشهدي السماوات والبحار في سحر زرقة لازوردها وكحلها تحاور اللآلئ والورود والزخارف كما النساء الجميلات الرافلات في مشاهد رومانسية أو فوق واقعية. والنخل الباسق حول الحصون أو المنارات والقباب والقصور بخضرتها تلامس الآفاق بزرقتها، وصفرتها أو حمرتها لكأنها تحتفي بعناق عشق أزلي يتجدّد”.

وهي التي تقول عمّا ترصده فرشاتها لتبثّه ألوانا وحركات على سطح قماشتها “هو التعبير عن الأحاسيس والانفعالات الكامنة بين ثنايا العقل الباطن، هو ملاذ وتنفيس عمّا تختلجه النفس البشرية، هو هرب من جحيم الواقع إلى عالم مترف بالجمال والحب”.

وترى المشهدي أن الفن تعبير عن المشاعر الداخلية والأحاسيس الكامنة وسبر أغوار العقل الباطن في قالب جمالي جذّاب، حيث يضع الفنان كل ما يثقل كاهله من هموم ومآس وآلام هربا من جحيم الواقع المزري إلى عالم مترف بالإحساس الجميل الحالم.

وتضيف “ربما هناك من يمارس إبداعه بالتعبير عن واقعه بتفاصيله، إلاّ أنه غالبا ما تكمن متعة الفن حينما يأسرنا ويحلّق بنا بعيدا حيث أحلامنا الدفينة ورغباتنا الكامنة بعدما قضت عليها العولمة ونمط الحياة المتسارع، فنسترجع معا بهجة القلوب وروعة الإحساس الساحر، فكما يرى بينيدتو كروتشه أن الفن يحكمه الخيال، وبما أن الخيال يسبق الفكر كانت فاعلية العقل الفنية أسبق من فاعليته المنطقية، فلا يكاد الإنسان يقوى على التخيّل حتى يصبح فنانا قبل أن يبلغ المقدرة المنطقية بفترة”.

نسوة يرفلن في مشاهد رومانسية فوق واقعية
نسوة يرفلن في مشاهد رومانسية فوق واقعية

"خذني إلى عالمك"، “عاشقة”، “وداع بعد فراق”، “يجرفني التيار في عباب البحر” هي عناوين تتصدّر في المطلق لوحات المشهدي، والتي تأتي في غالبيتها شاعرية موسيقية ما يمنح المشاهد لأعمالها بعض المفاتيح لقراءتها، غير أنها كثيرا ما تترك الباب مواربا أو الأفق مفتوحا للمتلقين ليشاركوا في القراءة الكاملة لأعمالها وتسمية ما يرونه مناسبا. وهي في ذلك تقول “لا تهم التسمية، أفضّل أن أتركها للمتلقي عدا لو شعرت بوجود عنوان موسيقي حالم أو مقتبس من أبيات شعرية مؤثّرة”.

وتتمّيز أعمال الفنانة السعودية بنقل المتابع للوحاتها نحو عوالم تنهل من أرض وادي عبقر وغيرها، عوالم تجمع التشكيل بالشعر والموسيقى والرقص والفنون الأخرى وفق مشروع فني يزاوج بين الرومانسية والواقعية وما بينهما كطرائق تعبير بصرية تعكس في براعة مكنون وعيها ولاوعيها في الآن ذاته.

وهي التي تأثّرت في بداياتها الفنية بالفن الشرقي بأنواعه من فن زخرفي إسلامي، وفن المنمنمات الفارسية وكتب الأساطير القديمة، بالإضافة إلى دخولها عالم التصوّف والروحانيات.

كما أنها كانت من عشاق المدرسة السريالية، خاصة تلك المستلهمة من أعمال سلفادور دالي والمدرسة الرومانتيكية متمثلة في أعمال دولاكرواه، إلى جانب أعمال غوستاف كليمت ذات النمط التعبيري الزخرفي المتوهّج.

وتقول “كنت ولا أزال مهتمة بالفلسفة الجمالية ومفهومها، فالجمال في نظري عامل مهم في العمل التشكيلي يضفي عليه الجاذبية، فتتحقّق المتعة البصرية والروحية، يأخذنا الفن إلى فضاء واسع يحلّق بنا بعيدا عمّا يكدّر نفوسنا ويرتقي بأحاسيسنا وضمائرنا، أما بالنسبة إلى انتمائي إلى مدرسة معينة فهذه الفكرة غير واردة، فأنا لي أسلوبي الخاص الذي أعرف به منذ فترة“.

و”عشق” هو المعرض الشخصي الرابع للمشهدي بعد ثلاثة معارض أقامتها في الجمعية السعودية للثقافة والفنون بالرياض عام 2005، وأتيليه جدة عام 2014، وجامعة الدمام عام 2015، كما شاركت في العديد من المعارض الجماعية والبيناليات والملتقيات الدولية، ولها مقتنيات داخل وخارج المملكة من أفراد ومؤسسات.

نمط تعبيري زخرفي متوهج
نمط تعبيري زخرفي متوهج

 

16