فلتان الأوسمة

ما هي المرحلة الفلسطينية التي انتهت ببشائر السعادة، لكي تنعقد مناسبات توزيع الأوسمة؟ وإن كان للأوسمة معناها الرمزي، فما هو نصيب الرمز في مدينة رام الله نفسها.
الأحد 2021/09/05
رئيس يصطنع لنفسه أدوارا مبهجة

دأب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على تقديم أوسمة بإفراط لا يسبقه فحص أو استشارة لمجلس يختص بالآداب والفنون. فالوسام ينبثق عن مجالسات التسلية مع الحاشية والانطباعات العابرة، بتأثير مسلسلات أو فقرات غنائية، يتوافر عليها فخامته.

وبدا لافتاً أن هناك إفراطا أو إسهالا في منح الأوسمة، على النحو الذي لا ينم عن معرفة بموضوع الأوسمة والأنواط، باعتبارها متطلباً دستورياً رمزياً له قواعد وأصول. فالبوصلة الضامنة لصواب العملية التقديرية لمن يستحقون الأوسمة والأنواط ضائعة وفيها خفّة تستحث السخرية.

وليس بالضرورة أن يكون التذكير باستحقاق الراحل د. عبدالوهاب المسيري أو د. عادل حسن غنيم على سبيل المثال، انتقاصاً من شخص الراحل مكرم محمد أحمد أو السينارست الراحل وحيد حامد. فمجتمع الفن السينمائي في مصر منحاز في غالبيته العظمى للقضية الفلسطينية، كما الكثير من الكُتّاب الصحافيين والأدباء والمؤرخين.

لكن رئيس السلطة الفلسطينية يركز على من يروقون له من أهل الفن الغنائي والتمثيل، ويأتي ذكرهم في جلسات التسرية والتغاضي عن الهموم. وعلى هذا الصعيد، هو يتصرف وكأن مناخاته رائقة جداً، على النقيض من مناخات شعبه وبلاده.

والأصل في موضوع الأوسمة أن العملية التقديرية لمنحها لها مرجعيات للتنسيب، وتحددها الدساتير وتبين أنواعها ودرجاتها وقطاعات العمل التي يستحق المبدعون والمميزون فيها نيل الأوسمة تكريماً لمآثرهم. كذلك ولعل من بين الشروط الدستورية، أن يُصار إلى تعيين مناسبات المنح، حيث تكون تالية على إنجاز تاريخي وطني، أو تنموي، إذ يُكرّم المسهمون فيه، أو يكون تقديم الأوسمة بعد المعارك الناجحة، أو عند استذكار محطة تاريخية، يتوجب خلاله منح الأوسمة عرفاناً بفضل من عملوا في مراحل سابقة، وأعطوا حياتهم لقضية الوطن، وأبلوا بلاء حسناً، ولم يُكرّموا.

منح الأوسمة، معناه أن الدولة تقدر الطلائعيين من مواطنيها، وفي حال رغبت الدولة في منح وسام لمواطن استثنائي من بلد آخر يساند قضيتها، يكون ذلك أثناء زيارة المواطن للبلد الذي يمنحه الوسام. وليس أن يزور رئيس سلطة بلداً شقيقاً، لتقليد مواطنيه أوسمة، على النحو الذي يثير استغراب آخرين من ذوي العطاء المميز، أو يُغضب أسر الراحلين الذين عاشوا وماتوا ملتزمين قضية فلسطين في السياسة وفي الإبداع. ومصر تزخر بأمثال هؤلاء. غير أن الرجل، وهو يركز على مصر، فيمنح فيها الأوسمة كلما زارها، ظلت خياراته مختلفة، وكأنها ترش على الموت الفلسطيني سُكراً، ببلاهة نادرة!

فمن الذي يقرر أو يرشح لرئيس السلطة الفلسطينية أسماء أصحاب الأولوية في استحقاق الأوسمة؟ وما هو المُنجز الذي حققه مانح الأوسمة، ما أوجب بعده التوزيع؟ أو ما هي المرحلة الفلسطينية التي انتهت ببشائر السعادة، لكي تنعقد مناسبات توزيع الأوسمة؟ وإن كان للأوسمة معناها الرمزي، فما هو نصيب الرمز في مدينة رام الله نفسها، بينما أسماء أحيائها وشوارعها الرئيسة ما تزال تراوح بين رُكبْ وأم الشرايط والبالوع والإرسال وبطن الهوى والماصيون والشقرة والسرية وبيتونيا؟ فأين هي أسماء الذين واجهوا الخطر الصهيوني منذ ظهوره، وقضوا على طريق استقلال الشعب الفلسطيني وأين هي أوسمتهم؟

يكبر الوسام، في ناظر من يتسلمه، بقدر ما يكون مانح الوسام كبيراً ومثيراً للإعجاب وصاحب مآثر في الحكم والإنجاز تحث الآخرين على احتذائها. فالرجل كان خلال الأيام القليلة الماضية، قد سجن مبدعين لم يفعلوا شيئاً غير التعبير عن رأيهم، وفي بلاده تئن شرائح اجتماعية من الجوع والمرض، وعلى الرغم من ذلك تنفرج أساريره ويصطنع لنفسه أدواراً مبهجة.

24