فكرة الحاجة إلى الكهرباء

انقطاع الكهرباء واحد من أهم الوسائل الدفاعية وهي ما يسميه العسكريون "التمويه"، وهو ما يُمكّن "سيد المقاومة" حسن نصرالله من أن يخرج من القبو ليتنفس شيئا من هواء الله الطلق.
الثلاثاء 2021/10/12
أي علاقة بين نفوذ إيران ونقص الكهرباء؟

مثل أفكار كثيرة تستحق إعادة النظر فيها، فإن فكرة الحاجة إلى الكهرباء لا بد وأن تكون موضوعا قابلا للنقاش على الأقل.

كل البلدان التي خضعت لسلطة الولي الفقيه تعاني من نقص شديد في الكهرباء. وما من مصادفة في ذلك. فكلما زاد الإيمان به كظل لله على الأرض، كلما نقصت الكهرباء أكثر. وفي هذا ما يكفي دليلا على أن الحاجة إلى الكهرباء ليست ماسة بالمقدار الذي يعتقده أكثر الناس.

في لبنان بلغت مستويات الإيمان بالولي الفقيه حدا يقترب كثيرا من منافسة منزلة الأنبياء، فوصل استخدام الكهرباء إلى مستويات بلغت حد الصفر. الأمر في غزة أقل من ذلك. وأقل منه في اليمن وسوريا والعراق. ولكن، في كل هذه البلدان توجد ميليشيات تؤمن بالولي الفقيه، وهي كلها تعاني من نقص شديد في الكهرباء، إلا أن المؤمنين درجات، ولبنان يجلس في أعلى السًلّم.

ولا تحسبنني أذكر هذه الأمثلة للنكاية بما تفاخر به حيدر مصلحي وزير الاستخبارات الإيراني السابق في حكومة محمود أحمدي نجاد عندما قال إن “إيران تسيطر فعلاً على أربع عواصم عربية”.

لأني في الواقع لا أحاول إثبات العلاقة بين نفوذ إيران وبين نقص الكهرباء، ولكني أريد أن أثبت أن فكرة الحاجة إلى الكهرباء هي نفسها تستحق إعادة النظر.

فالإنسان ينام نحو 8 ساعات ليلا. وهو بذلك ليس بحاجة إلى الكهرباء من الأساس. وعندما تصحو، فإن عدد ساعات النهار يتفاوت بحسب قرب بلادك أو ابتعادها عن إيران، ولكن المعدل يمكن أن يصل إلى نحو 12 ساعة يوميا، أي أنك لست بحاجة إلى الكهرباء لكي تستدل على طريق الهدى الذي يشع من قم. وهذا ما يجمع 20 ساعة. فإذا ما توفرت لك الكهرباء لمدة الساعات الأربع الباقية لكي تشحن بطارية التلفون وتشاهد قناة المنار وتقضي بقية حاجاتك الإلكترونية، فهذه نعمة كافية.

أربع ساعات من الكهرباء تعني أربع ساعات عمل بدلا من ثماني. وهذه نعمة أخرى تستطيع أن تحطم كل حسابات النظام الرأسمالي الذي يجبر العمال على قضاء 8 ساعات وراء المكائن.

والمصباح الكهربائي اختراع رأسمالي أوجده رجل كافر يدعى توماس أديسون. وبسببه تطورت الرأسمالية إلى إمبريالية، ومنها نشأ الاستكبار العالمي الذي تحاربه إيران. وأحد أهم وسائل الحرب هي قطع الكهرباء لكي تنقطع الأواصر بينك وبين ذلك النظام.

العودة إلى الشموع بضوئها الرومانسي الشاحب يمكن أن توفر كل الأسباب لتغذية الرغبة في تأليف القصائد، والعودة إلى الكتابة بالقلم بدلا من الاستعانة بما يدعى الـ”كيبورد”، و”إنتاج” المزيد من الأطفال الذين سوف يتشردون في ما بعد.

وفي الواقع، فقد كان وجود الكهرباء سببا لعادات بذيئة من قبيل السهر وقضاء الوقت خارج المنزل، بينما يمكن للمرء أن يقضي الوقت مع أطفاله لكي يساعدهم في حل واجباتهم المدرسية على ضوء الفوانيس.

ولو أنك تأملت في الفوائد التي تجنيها من الظلام، فلسوف تجد أنها لا تعد ولا تحصى. فهو يساعد على التأمل والتركيز. ولولا هذه الفائدة ما كانت إيران لتحقق كل ما حققته من إنجازات في البطالة والتضخم والفقر وتفشي الأمراض. فهذه كلها إنما كانت من نتاج التأملات وأعمال التركيز التي يستطيع الفقهاء أن يستنسخوا منها ما توصل إليه الولي الفقيه علي خامنئي. فيحققوا لمجتمعاتهم ما تمكن هو من تحقيقه.

وانقطاع الكهرباء واحد من أهم الوسائل الدفاعية. وهي مما يسميه العسكريون “التمويه”. فالأقمار الصناعية التي تراقب كل شيء من الفضاء الخارجي، لا تعود قادرة على رؤية كل ما يجري في الظلام. وهو ما يُمكّن “سيد المقاومة” حسن نصرالله من أن يخرج من القبو ليتنفس شيئا من هواء الله الطلق.

ويميل بعض الناس إلى “النقّ” بشأن الكهرباء، وكأنهم أفلحوا بوجودها ما لم يفلحوا به في غيابها. بينما الأمر كله سيّان.

والمسألة ليست بالضرورة مسألة نقص في الموارد أو الإمكانيات. فالعراق لديه الكثير من الموارد، وهو بلا كهرباء تقريبا. فالموارد إنما تذهب إلى مشاريع إنتاج الكهرباء التي تنفذها شركات تابعة للحرس الثوري. ولأسباب “ولائية” تختفي الموارد وتختفي معها الكهرباء، وذلك لكي يمكن توقيع عقود جديدة. والبلد على هذا الحال منذ أكثر من 18 عاما، وهو سعيد إلى درجة أنه أعاد انتخاب جماعات توقيع العقود مع إيران.

ولقد ثبت أن وجود الكهرباء هو سبب إفلاس لبنان. فتكاليفها تبلغ 800 مليون دولار كل شهرين تقريبا، وبسبب هذه التكاليف لم يعد لدى مصرف لبنان أكثر من 14 مليار دولار. ولو أن اللبنانيين تنبهوا إلى هذه المعادلة، وسمعوا كلام حزب الله منذ البداية، لقطعوا بأنفسهم كل خطوط الكهرباء، وتمتعت بلادهم بالوفرة والتوفير. وفي ذلك ما يغنيهم عن فساد القائمين على قصة الكهرباء من بعض أولياء الأمور في جماعة “لبنان القوي”. ولبنان قوي الآن، أكثر بكثير مما كان، ليس بفعل نقص الكهرباء، بل بسبب ظهور الأدلة القاطعة على عدم الحاجة إليها.

وجود الكهرباء ضار أمنيا أيضا، لأنه يشجع المعارضين على عقد اجتماعاتهم ليلا، بما لا يسمح لعسس الثورة أن يراهم.

وفي الواقع، فإن تجربة نقص الكهرباء تستحق أن تدرس ليس في الأكاديميات العسكرية فحسب، بل وفي كل جامعات العالم لفهم أسباب الصلة الوثيقة بين الثورة الإسلامية والظلام.

وبحسب مصلحي فإن “الثورة الإيرانية لا تعرف الحدود وهي لكل المستضعفين في الأرض”. وهذا يعني أن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ليست بحاجة إلى الكهرباء. ولو أنهم أصبحوا ثوريين، ومدوا جسور العلاقات مع الولي الفقيه، فإنهم سوف ينعمون بظلام يكفيهم لعدة قرون.

8