فرنسا لا تريد تهدئة أحادية الجانب مع الجزائر

ماكرون يتفادى توريط السلطة السياسية في أحداث أكتوبر 1961.
الاثنين 2021/10/18
بوادر أزمة دبلوماسية جديدة بين باريس والجزائر

تفادى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توريط بلاده في مسؤولية أحداث أكتوبر العام 1961، بعدما ألقى باللائمة على محافظ الأمن آنذاك موريس بابون، دون أن يحمل مسؤولية الأحداث للقيادة السياسية، فرغم وصفه لها بـ”الشنيعة” و”غير القابلة للغفران” إلا أنه لم يقدم لا اعتذارا ولا رسالة كان يمكن أن تقلص ولو نسبيا الهوة بين بلاده والجزائر، وهو ما يشكل فرصة ضائعة تلمح إلى دخول علاقات البلدين مرحلة الأزمة المستقرة، في ظل إصرار باريس على عدم التهدئة من جانب واحد مع الجزائر.

الجزائر - مرت الذكرى الستّون لأحداث السابع عشر من أكتوبر 1961 بباريس، دون أن تستغل من طرف القيادات السياسية في البلدين، في تلطيف الأجواء بينهما بعد أسابيع من التصعيد الدبلوماسي، الذي وصل إلى حد سحب السفير الجزائري من باريس لغاية الآن، فضلا عن حظر الأجواء الجزائرية على الطيران العسكري الفرنسي العامل في منطقة الساحل الصحراوي.

ولئن سجل الرئيس إيمانويل ماكرون، سابقة أولى في تاريخ رؤساء فرنسا، لما قرر حضور الاحتفالية التي أقميت على ضفاف نهر السين بباريس، إحياء لمجازر السابع عشر من أكتوبر 1961، التي راح ضحيتها العشرات من الجزائريين بسبب ممارسات العنف والقمع التي تمت حينها ضدهم من طرف الأمن الفرنسي، ورمي بعضهم في النهر بعد تصفيتهم، فإن الرجل التزم الصمت في هذه المناسبة واكتفى قصر الإليزيه بإصدار بيان فقط.

ويبدو أن ماكرون، الذي أدخل بلاده في أزمة دبلوماسية مع الجزائر بسبب تصريحات له حول السلطة في الجزائر والذاكرة المشتركة والماضي التاريخي، لا يريد التهدئة في الوقت الحاضر مع أكبر المستعمرات القديمة لفرنسا في القارة الأفريقية، وهو ما يرشح الأزمة لأن تمتد إلى المزيد من الوقت وقد تتعدى موعد الانتخابات الرئاسية القادمة في فرنسا بعد بضعة أشهر.

وظهر الرئيس الفرنسي، غير مبال بالسجال القائم في الجزائر حول مضمون تصريحاته المثيرة، ولا بالقرارات المتخذة من طرف القيادة السياسية، التي استدعت السفير للتشاور ولم يعد إلى حد الآن، إلى جانب غلق المجال الجوي في وجه الطيران العسكري الفرنسي، وهو ما يوحي بأن الرجل لا يريد تهدئة أحادية الجانب أو الظهور في ثوب الرئيس أو المرشح الضعيف أمام أنصاره والرأي العام الفرنسي عشية الانتخابات المذكورة.

وإذا اعتبر البيان الصادر عن قصر الإليزيه بمناسبة الذكرى الأليمة، والتي أدرجت احتفاليتها بموجب المقاربة التي وضعها تقرير المؤرخ والمستشار بنجامين ستورا، لما سمي بـ”علاج جراح الذاكرة”، في التقرير الصادر خلال الأشهر الأخيرة في فرنسا لتسوية الملف التاريخي مع الجزائر، فإن الأوصاف التي أطلقت حولها لم تقدم ما يقنع الجزائريين بوجود نوايا فرنسية رسمية للاعتراف بجرائم الحرب التي ارتكبت في حقهم خلال الفترة الاستعمارية (1832- 1962).

الرئيس الفرنسي ظهر غير مبال بالسجال القائم في الجزائر حول مضمون تصريحاته ما يوحي بأنه لا يريد تهدئة أحادية الجانب

ويبدو أن ماكرون، يريد النأي بالسلطة السياسية لبلاده عما ارتكب في حق المتظاهرين الجزائريين حينها من طرف الأمن الفرنسي، وأعطى الانطباع بأن الجريمة تحمل بعدا معزولا، وحمّل المسؤولية لمدير الأمن آنذاك بباريس الجنرال موريس بابون، الأمر الذي يلمح إلى إخلاء مسؤولية القيادة السياسية عما تم ارتكابه في حق المتظاهرين السلميين، ووضعها تحت يد مدير أمن لا غير.

ويترجم هذا الموقف حرص الرئيس الفرنسي، على عدم تقديم أي تنازل أو تلبية أي طلب للمطلب الجزائري حول الاعتراف والاعتذار عن الحقبة الاستعمارية، وهو ما يزيد من فتور علاقات بين الطرفين وحتى من تعقيدات الأزمة الدبلوماسية القائمة، خاصة وأن اماكرون كان صريحا ليس مع الجزائر فقط بل مع عموم أفريقيا، لما صرح مؤخرا في القمة التي انعقدت بباريس مع شباب القارة السمراء، بـ”عدم اعتراف فرنسا بدورها الاستعماري في القارة”، بينما كان “معترفا ومعتذرا لحركيي الجزائر خلال الأسابيع الماضية عن جحود فرنسا لمهامهم ودورهم”، وهو ما اعتبر كيلا بمكاييل غير منصفة من قبل الرجل لأنه اعتذار من فئة لا زالت توصف بـ”العمالة والخيانة” في وطنها الأصلي، بينما يصر على تجاهل مطلب شعب كامل تعرض إلى قرن وثلث قرن من همجية استعمار بلاده.    

واكتفى بيان الرئاسة الفرنسية، بالتنديد بالأحداث المذكورة، وقال إنها “جرائم لا مبرر لها بالنسبة إلى الجمهورية، وأن رصاصا حيا أطلق في هذا المكان وتم انتشال جثث من نهر السين”.

وأضاف “لقد مورس قمع وحشي وعنيف ودام، بحق المتظاهرين الذي خرجوا في السابع عشر من أكتوبر 1961 احتجاجا على حظر تجول الجزائريين بعد الساعة الثامنة والنصف مساء، وأن نحو اثني عشر ألف جزائري اعتقلوا ونقلوا إلى مراكز فرز في ملعب كوبرتان وقصر الرياضات وأماكن أخرى، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى، قتل منهم العشرات ورميت جثثهم في نهر السين، ولم تتمكن عائلات كثيرة من العثور على جثث أبنائها الذين اختفوا في تلك الليلة”.

وفي المقابل ذكر الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون بهذه المناسبة بأن “هذه الذكرى تُتِيح لي تأكيد حرصنا الشَديد على التَعاطي مع ملفَات التاريخ والذاكرة، بعيدا عن أيِ تَراخ أو تَنازل، وبروحِ المسؤولية، وفي منأى عن تأثيراتِ الأهواء وعن هيمنة الفكر الاستعماري الاستعلائي على لوبيات عاجزةٍ عن التحررِ من تَطرفها المزمن”.

وإن حملت المفردات تشددا جزائريا تجاه تعاطي الإدارة الفرنسية مع الذاكرة المشتركة، إلا أنها ألقت بالمسؤولية على لوبيات، وهو ما يوحي بأن الرئيس الجزائري لا يريد توريط كل فرنسا في ملف الذاكرة، بما يعيد إلى الأذهان تصريحات سابقة له، وصف فيها ماكرون، بـ”الصديق والنزيه، غير أن لوبيات تعيق طريقه لتحقيق انفتاح حقيقي مع الجزائر”. 

4