فرنسا تعيد كتابة التاريخ للتكفير عن استعمارها للجزائر

الجزائر وفرنسا تكلفان كلا من المؤرخين عبد المجيد شيخي بنجامان ستورا للبحث بمهمّة تتعلق بـ"ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر".
الاثنين 2020/07/27
مبادرة لتحقيق المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري

باريس – دفعت باريس إلى القيام بمصالحة نهائية وتامة مع الشعب الجزائري وذلك بإعادة تأريخ قرابة أكثر من قرن من الاستعمار والتعذيب للشعب الجزائري في الفترة الممتدة بين 1830 و1962.

واتخذ الرئيس الفرنسي في هذا الاتجاه توجها جديدا، طالب من خلاله أحد أهم المؤرخين الفرنسيين بنيامين ستوار بإعادة توثيق حقبة ظلت طيلة عقود محل انزعاج لدى الشعب الجزائري الذي يوسم ببلد المليون شهيد.

وأعلنت الرئاسة الفرنسية أن إيمانويل ماكرون كلف الجمعة رسميّا المؤرّخ بنيامين ستورا بمهمّة تتعلق بـ”ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر”، بهدف تعزيز “المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري”.

وأوضح الإليزيه أنّ هذه المهمّة التي يُنتظر صدور نتائجها في نهاية العام “ستُتيح إجراء عرض عادل ودقيق للتقدّم المحرز بفرنسا في ما يتعلق بذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر، وكذلك للنظرة إلى هذه الرهانات على جانبَي البحر الأبيض المتوسّط”.

في خطوة مماثلة، أعلن الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون الأسبوع الماضي أنّ حكومته انتدبت المؤرّخ الجزائري عبدالمجيد شيخي المستشار لدى رئاسة الجمهورية المكلّف بالأرشيف الوطني والذاكرة الوطنية للعمل مع الجانب الفرنسي في هذا الشأن.

وقال تبّون في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية إنّ شيخي سيتولّى “تمثيل الجزائر في العمل الجاري حاليا مع الدولة الفرنسية في ما يتعلّق بالملفّات ذات الصلة بالذاكرة الوطنية، والذي يُقابله، من الجانب الفرنسي المؤرّخ بنيامين ستورا”.

بنيامين ستورا: يجب علينا أن نتحرّك نحو سلام نسبي للذاكرات
بنيامين ستورا: يجب علينا أن نتحرّك نحو سلام نسبي للذاكرات

وكان تبّون قد صرح مؤخرا في مقابلة مع صحيفة “لوبينيون” اليومية الفرنسية أنّ المؤرّخَين الجزائري والفرنسي سيعملان سويّا وتحت الوصاية المباشرة لرئيسي البلدين في سبيل الوصول إلى “الحقيقة”.

وقال “نأمل أن يُنجزا عملهما في جوّ من الحقيقة والصفاء والهدوء لحلّ هذه المشاكل التي تسمّم علاقاتنا السياسية ومناخ الأعمال وحسن التفاهم”، مؤكدا ضرورة أن “نُواجه هذه الأحداث المؤلمة لنبدأ مرّة أخرى في العلاقات المثمرة بين البلدين، وخاصّة على المستوى الاقتصادي”.

وفي مقابلة مع إذاعة فرنسا الدولية الخميس، عشيّة تلقّيه رسالة تكليفه بالمهمة، شدّد ستورا على أنه “ليس ممثلا للدولة الفرنسية”.

وقال “لا يمكننا أبدا التوفيق بين الذاكرات بشكل نهائي، لكنّي أعتقد أنه يجب علينا أن نتحرّك نحو سلام نسبي للذاكرات من أجل مواجهة تحدّيات المستقبل على وجه الخصوص، حتى لا نبقى أسرى الماضي طوال الوقت، لأنّ الجزائر وفرنسا بحاجة إلى بعضهما البعض”.

وأكد المؤرخ الفرنسي أن “التاريخ في الجزائر كما في فرنسا هو تاريخ ينطوي على رهانات، علينا فعلا أن نقوم على جانبي المتوسط بمحاولة الاقتراب لأكبر قدر ممكن من التاريخ هو تاريخ الوقائع في حدّ ذاتها وليس تاريخا مؤدلجا دائما أو يُستخدم أداة باستمرار”.

وستورا المولود في 1950 بمدينة قسنطينة في الجزائر، هو أحد أشهر الخبراء المتخصصين في تاريخ الجزائر، وخصوصا الحرب التي استمرت من 1954 إلى 1962 وأفضت إلى استقلال هذا البلد.وفي رسالته

لتكليف ستورا، كتب ماكرون أنه “من المهم أن يُعرف تاريخ حرب الجزائر وينظر إليه بشكل واضح. الأمر يتعلق براحة وصفاء الذين أضرّت بهم”، ورأى أن الأمر يتعلق أيضا “بمنح شبابنا إمكانية الخروج من النزاعات المتعلقة بالذاكرة”.

وأضاف الرئيس الفرنسي “أتمنى أن أشارك في إرادة جديدة لمصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري”، لأن “موضوع الاستعمار وحرب الجزائر عرقلا لفترة طويلة بناء مصير مشترك في البحر المتوسط بين بلدينا”.

تأتي هذه الخطوة الفرنسية الجدية، بعدما قدّم ماكرون في عام 2018 اعتذاره للشعب الجزائري عن عقود من التعذيب. ويحمل الجزائريون الذين أطاحوا في عام 2019 بنظام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة أملا كبيرا في تعويض رسمي فرنسي عن استعمار دام 132 عاما، وهو أمل كبر مع ماكرون الذي ظهر متحررا من عقد التاريخ، ومن ذلك اعترافه مؤخرا بنظام للتعذيب في الجزائر خلال “سنوات الثورة”. فهل يتشجع قصر الإليزيه أكثر.

وعكس ماكرون بحسب الكثير من المراقبين، كل من سبقه في سدة الحكم بالإليزيه، حيث لم يجد أي صعوبة في التحدث منذ وصوله إلى السلطة عن الاعتراف بفصول من تاريخ استعماري أسود، كانت الجزائر من أكبر ضحاياه.

تسليم رفات 24 مقاتلا جزائريا سقطوا في بداية الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عش
تسليم رفات 24 مقاتلا جزائريا سقطوا في بداية الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عش

ويقر الجزائريون أن الحقبة الاستعمارية الفرنسية كانت حاملة لعناوين، على رأسها إصرار باريس على جعل الجزائر بمثابة “فرنسا الثانية”.

واحتل المستعمر الفرنسي الجزائر قرابة 132 عاما، قبل أن ترحل بتكلفة باهظة من الضحايا. وكان ماكرون قد اعترف في عام 2018 باستخدام بلاده نظاما للتعذيب خلال حرب الجزائر التي تُعرف كذلك بالثورة الجزائرية (1954 – 1962)، وكان من ضحاياه جزائريون وفرنسيون. وتضاف الخطوة الجديدة إلى ما قاله سابقا ماكرون عند ترّشحه للرئاسة، إن استعمار الجزائر كان “جريمة ضد الإنسانية”.

وفي مؤشر واضح على بعض الانفراج في العلاقات بين الجزائر والقوة المستعمرة السابقة، سلمت باريس مطلع يوليو الجاري رفات 24 مقاتلا جزائريا سقطوا في بداية الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر. واعتبرت الجزائر هذه المبادرة “خطوة كبيرة”.

وقال ستورا في مقابلة مع وكالة فرانس برس حينذاك “بهذا النوع من المبادرات، تعيد فرنسا اكتشاف تاريخها”. وأضاف المؤرخ الفرنسي “هناك حركة عالمية لاستعادة تاريخ الشعوب وفرنسا لا يمكنها تجاهلها”.

في بداية ولايته الرئاسية، اعترف ماكرون بأن موريس أودان عالم الرياضيات المؤيد لاستقلال الجزائر والذي فقد في 1957 “مات فعلا تحت التعذيب بسبب النظام الذي أرسته فرنسا في الجزائر”. كما قام بتكريم الحركيين، أي المقاتلين الجزائريين الذين خدموا فرنسا ثم تخلت عنهم باريس في ظروف مروعة.

ولم تخف الجزائر منذ عام 2017 ارتياحها لتصريحات ماكرون، مُعتبرة إياها خطوة إيجابية يجب تثمينها. وما يزيد من ارتياح الجزائر أن قرار الرئيس الفرنسي الأخير سبقته خطوات أخرى في المنحى ذاته.

7