فتحي باشاغا: فشل المسار السياسي يهدد بعودة الفوضى في ليبيا

تدخلات دول الجوار عامل إيجابي لترسيخ التوافق بين الليبيين.
الأحد 2020/11/29
فتحي باشاغا الخليفة المحتمل للسراج

حذر وزير الداخلية في حكومة الوفاق الليبية فتحي باشاغا، أحد أبرز المرشحين لرئاسة حكومة الوحدة الوطنية التي ستنبثق عن ملتقى الحوار الليبي، من انهيار مسار الحل السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، ملمحا إلى عودة الفوضى المسلحة في حال الفشل في إنهاء حالة الانقسام، ومشيدا بدور دول الجوار والدول الصديقة في ترسيخ التوافق والسلام بين الليبيين.

القاهرة - في وصف موجز لتطورات الوضع في بلاده، أكد وزير الداخلية بحكومة الوفاق الليبية فتحي باشاغا أن “ليبيا أقرب من أي وقت مضى إلى التوافق السياسي… لكن الأمر لم يحسم بعد”.

وحذر باشاغا من احتمال توقف، بل وانهيار، مسار الحل السياسي الذي ترعاه البعثة الأممية في ليبيا في الوقت الراهن، والذي كان ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس آخر محطاته، وذلك جراء الكثير من التحديات الخارجية والداخلية، والتي يأتي في مقدمتها “افتقاد الثقة بين الفرقاء الليبيين”، وهو ما يجعل العودة إلى السقوط في براثن الفوضى المسلحة مجددا خيارا قائما.

وقال باشاغا “بعد كل هذه التجارب المريرة من الحروب والاقتتال، يمكن القول إننا أقرب من أي وقت مضى إلى تجاوز حالة الانقسام السياسي عبر جسر الحوار”.

إلا أن الوزير الليبي الذي يبلغ من العمر 58 عاما، عاد ليؤكد في حواره عبر الهاتف مع جاكلين زاهر، الصحافية بوكالة الأنباء الألمانية “وجود تطلع كبير بأن تكون تدخلات الدول الجارة والصديقة لليبيا عاملا إيجابيا لترسيخ التوافق والسلام، حيث أن الأمر يتوقف هذه المرة بدرجة أكبر على قدرة الأطراف الليبية على تسوية خلافاتها بالطرق والحلول السياسية”، محذرا من أن “الفشل في هذا المسار قد يمهد فعليا لعودة الفوضى المسلحة والاقتتال العشوائي الذي ستكون له نتائج كارثية من الناحية الأمنية”.

وقال باشاغا “لذلك نعمل وندعو الجميع إلى إنجاح المسار الراهن للحفاظ على وحدة البلاد وأمنها واستقرارها، والذي سوف يقودنا إلى إجراء انتخابات وفق المعايير الدولية من شفافية ونزاهة”.

وكانت الجولة الأولى من ملتقى الحوار السياسي الليبي اختتمت أعمالها في تونس قبل عشرة أيام بإعلان تحديد موعد إجراء الانتخابات في ليبيا في نهاية العام 2021، إلا أن أعضاء الملتقى والبالغ عددهم 75 عضوا من ممثلي الشعب الليبي أخفقوا في جولتين متتاليتين عبر تقنية الاتصال المرئي في التوافق على الآليات الخاصة باختيار الشخصيات التي ستتولى مقاليد المجلس الرئاسي والحكومة الليبية المقبلة، والتي ستعمل على تهيئة المناخ لإجراء الانتخابات.

بعد كل هذه التجارب المريرة من الحروب والاقتتال، يمكن القول إن الليبيين أقرب من أي وقت مضى إلى تجاوز حالة الانقسام السياسي

وذهب الوزير إلى أن “إنهاء الانقسام السياسي وإطلاق مشروع مصالحة وتعزيز الثقة بين مختلف الأطراف، وتحديدا بين الشارع والدولة عبر اقتراب الأخيرة من الإحساس والتعاطي مع احتياجات المواطنين، كل هذا سيكون كفيلا بتعزيز قوة الدولة وسطوتها ضد أي تشكيل مسلح خارج عن القانون، بما يمكنها من تأمين المصدر الرئيسي لدخل البلاد، أي مصادر الطاقة، بكل اقتدار”.

وأشار وزير الداخلية إلى تبعات الانقسام المؤسساتي الذي أعقب الانقسام السياسي في عام 2014، وكيف طال جميع المؤسسات والأجهزة الليبية، وخاصة “المالية والنقدية والجهات الرقابية، وأعاقها عن الاضطلاع بالدور المنوط بها، مما أدى إلى الفوضى ونشر الفساد، وأضعف قدرة الدولة على تنشيط الاقتصاد بما يسمح بتوفير وظائف لمن سيتم تسريحهم من التشكيلات المسلحة… وهو ما أدى بالنهاية إلى تفاقم وضع التشكيلات”.

ويعد باشاغا من أبرز المرشحين لرئاسة حكومة الوحدة الوطنية التي ستنبثق عن ملتقى الحوار الليبي، ويتحدّر الرجل الوازن في المشهد السياسي الليبي، من مدينة مصراتة الساحلية التي تنتمي إليها ميليشيات قوية، ويُعتبر مقربا من تركيا، ويُتداول اسمه كخليفة محتمل لرئيس الحكومة فايز السراج الذي شابَ توتر كبير علاقتَه به في الفترة الأخيرة.

وتنقسم الميليشيات التي تدعم حكومة الوفاق إلى ميليشيات موالية للسراج في طرابلس، وأخرى موالية لباشاغا في مصراتة، وتعد حجر عثرة في طريق السلام الليبي، ففيما يحاول الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر تحرير البلد من سطوة الجماعات المسلحة، تصر حكومة الوفاق على استخدامها كورقة لفرض أجندتها في السلطة، ما من شأنه أن يقوض الاستقرار.

ويصر باشاغا على عدم جمع الميليشيات الناشطة داخل ليبيا في خندق واحد.

وفي إطار استعراض ما تم من جهود خاصة بملف تصفية الميليشيات، جدد باشاغا رفضه لـ”وضعها جميعا في خندق واحد، ووصمها بالخروج عن الدولة، والإرهاب إلى آخره”، وقسمها إلى “تشكيلات أمر واقع أدت أدوارا أمنية مهمة في ظل حالة الفراغ الأمني عقب سقوط نظام معمر القذافي. وهذا النوع يحتاج إلى إعادة تأهيل وتدريب وفق الاشتراطات الأمنية والمهنية والقانونية. ومجموعات أخرى من التشكيلات التي تتبنى بالفعل أفكاراً متطرفة ومتشددة، وهذه محل ملاحقة مشددة واستهداف من وزارة الداخلية لما تمثله من تهديد حقيقي بالنسبة إلى الأمن القومي”.

وتوقف الوزير عند شريحة ثالثة وهي “تشكيلات مافيا المال السياسي الفاسد والتي لا تقل خطورة عن نظيرتها المؤدلجة”، على حد وصفه.

صف واحد من أجل ليبيا
صف واحد من أجل ليبيا

وأوضح باشاغا أن هذه “تشكيلات تأتمر بأوامر أمراء المال السياسي والنفوذ الخارج عن شرعية الدولة، وقد نجحت، مع الأسف، وعبر طرق مختلفة، في التسلل إلى مفاصل الدولة، وهي تحاول السيطرة على القرار الرسمي للأخيرة”.

وخيّر الوزير أعضاء تلك التشكيلات ما بين “الانخراط طواعية، بشكل فردي، في برامج التدريب والتأهيل تمهيدا للعمل في خدمة الدولة، أو الاستعداد لمواجهة أقصى التدابير والإجراءات الأمنية التي ستتخذها وزارته حيالها، وفقا للقانون”.

وحاول باشاغا الترويج إلى أنه ضحية الحديث عن وجود فساد، مبينا أنه “فوجئ لدى توليه مسؤولية وزارة الداخلية عام 2018 بحجم التركة الثقيلة التي وجدها أمامه، والتي لم تنحصر في التصدي لتوسع جريمة الهجرة غير الشرعية، وإنما أيضا التصدي لتغلغل قيادات المافيا القائمة على هذه التجارة المحرمة في كل مفاصل الدولة، بما في ذلك وزارة الداخلية نفسها، وهو ما ضاعف من حجم التحدي”.

وبخصوص التدخل التركي في القرار السياسي والسيادي في ليبيا، وتكبيلها للأخيرة بالعديد من الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية التي تصب في صالح أنقرة أكثر مما تصب في صالح الليبيين، لم يبتعد باشاغا كثيرا عن نهج أغلب مسؤولي حكومته في هذا الشأن، حيث تنصل من هذه الاتهامات قائلا إن “العلاقات مع تركيا لا تستوجب حالة الهلع التي تحيط بها في الوقت الحاضر”.

ويتهم باشاغا بالتجهيز لانقلاب ضد السراج لم تتكشف بعد أسراره، لكن مراقبين يشيرون إلى أن لتركيا دورا في ذلك، لاسيما بعد زيارة باشاغا ورئيس المجلس الأعلى للدولة الإخواني خالد المشري إلى أنقرة في أغسطس الماضي، حيث نجح باشاغا في التقرب من أنقرة التي تنظر إليه بعين الرضا، وفقا لمراقبين.

مع ذلك، يدرك باشاغا أن الرهان فقط على أنقرة لتحقيق ما يصبو إليه لن يؤتي أكله، وهو ما يجعله يسعى إلى التقارب وتحسين علاقته مع جميع المتداخلين في ليبيا بضوء أخضر تركي، وبشكل خاص مع فرنسا ومصر.

وأوضح الوزير “علاقاتنا المتميزة مع تركيا، العضو البارز في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، لا تتناقض ولا تتعارض مع إقامة علاقات متميزة وشراكات وتعاون مع جميع الدول، بما فيها مصر وفرنسا، وغيرهما من الدول الصديقة، بما يخدم مصالح جميع هذه البلدان ومصلحة ليبيا بطبيعة الحال”.

ومؤخرا، قام وزير الداخلية الليبي في حكومة الوفاق بزيارة إلى فرنسا، في خطوة فسرها متابعون بمساع لإقناع باريس بالضغط على شرق ليبيا للقبول به رئيسا للحكومة خلفا لفايز السراج، بعد فشله في بلورة توافق حوله خلال ملتقى الحوار الليبي الذي جرى مؤخرا في تونس.

وسبقت زيارة باشاغا إلى فرنسا زيارة أداها إلى مصر قبل نحو أسبوعين، في محاولة لرفع أسهمه في القاهرة وتخفيف توجساتها من قربه من المحور القطري – التركي.

لكن الوزير نفى ما تردد عن أن انفتاحه الأخير على عواصم كالقاهرة وباريس، جاء في إطار تسويق ترشحه لرئاسة الحكومة القادمة.

وختم بالقول “الزيارات كانت بصفتي الرسمية كوزير للداخلية، أي أنها كانت معلنة للجميع بالداخل والخارج، وقد تركزت على تقريب وجهات النظر وتعزيز العلاقات المشتركة وتطوير التعاون على الصعيد الأمني، فمصر دولة شقيقة ومن المهم أن نكون على قدر من التفاهم والاحترام والتعاون في ما بيننا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى فرنسا”.

2