"فاطمة" سيرة امرأة بدوية أردنية تلخص تاريخا بكل تقلباته

رواية الكاتب محمد عبدالكريم الزيود تركز على جملة من الأحداث وسياقات القرية الأردنية مع عدة إسقاطات لأحداث مهمة مر بها الأردن.
الخميس 2021/09/23
حكاية امرأة، حكاية وطن (لوحة للفنان محمد خياطة)

الزرقاء (الأردن) – رواية “فاطمة (حكاية البارود والسنابل)” للكاتب الأردني محمد عبدالكريم الزيود بطلتها شخصية لم نعتد عليها كثيرا في الروايات الجديدة، وهي امرأة بدوية من بيئة ألغتها النصوص المعاصرة التي أغرقت في جو المدينة.

وصدرت الرواية، التي جاءت في 224 صفحة من القطع المتوسط، أخيرا عن دار الآن ناشرون وموزعون في عمان بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، وتعتبر أقرب إلى الواقعية التسجيلية بالرغم من أن المؤلف نوه إلى أن أسماء الأشخاص جاءت مصادفة ولا تمت للواقع بصلة، إلا أن النزعة التسجيلية طغت من خلال وجود الكثير من الأسماء ضمن مدينة الزرقاء في قرى بني حسن، وما يوجد حول سيل الزرقاء من أودية وكهوف ومسالك وطرق وقرى وأشجار، ما يوحي بواقعية الحكاية.

قصة فاطمة البدوية وما تخلل حياتها من معاناة

وتعاين الرواية قصة فاطمة البدوية، وما تخلل حياتها من معاناة وفقد وخسارات، كما تظهر شخصيات أخرى خلال الرواية تساند السياق الرئيسي للشخصية المحورية وتؤثر فيه وتتأثر به؛ إذ ترصد الأحداث مسار حياة فاطمة وعائلتها في إحدى قرى الزرقاء منذ منتصف الأربعينات حتى ثمانينات القرن الماضي.

تقول بطلة الرواية “هذا مكان ولادتي، بين شجر البلوط طرف المرج، حيث امتد اللوز البري والزغرور حتى بنيا سورا يكاد يحجب أشعة الشمس الخجلى في الشتاء، إنه أول المطر إذ تنادى الغيم على ظهر السناد، وكاد يلامس رؤوس الناس”.

وتضيف في ما يشبه تقديما لنفسها “على طرف الفرع الغربي ولدت أنا فاطمة في بيت أبي يعقوب، خربوش من الشعر شدت حباله وانغرزت أوتاده في قلب الصفاة، كانت ليلة أثقل المطر فيها على الناس، حتى الماعز والغنم اشتد ثغاوة في محبسه، التف أبي الفروة وأصابعه مشغولة بالتسبيح، ولسانه معلق بالدعاء أمام نقلة النار بأن تمضي الليلة على خير ويهونها الله على أم حمدان، مع بزوغ الفجر صرخت أمي وصرخت أنا أول صرخة في هذه الدنيا”.

ومن تلك الوهلة نتابع حياة بطلة الرواية ونحن في الحقيقة نتابع حقبة كاملة من تاريخ الأردن والتقلبات التي مر بها الأردنيون والمنطقة ككل.

كما تقدم الرواية علاقة الأردنيين بالأرض والتجارة إضافة إلى جوانب من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. صور كثيرة يطرحها الكاتب عن فئة تمّ تهميشها من قبل الكثير من الأدباء والكتاب والتي تخص فئة الفلاحين والبدو، فهؤلاء كانوا في زمن ما يشكلون قوة اقتصادية هامة ومنهلا ثقافيا بارزا، فيما خبا وجودهم مع التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي شهده الأردن على غرار مختلف الأقطار العربية الأخرى التي تراجع فيها وجود البدو.

ونستنتج من الرواية أن حب الفلاح الأردني لأرضه متأت من اعتبار أن من يملك الأرض يملك المرأة ويملك الحياة من قرنيها، ومن لا يملكها لا يملك شيئا ويشقى تماما كما تتعذب المرأة العقيم وتشقى، وقد بين الكاتب أن الأرض هي العرض وتاج عز وفخار.

Thumbnail

وتركز الرواية على جملة من الأحداث وسياقات القرية الأردنية من حيث العادات والقيم والطقوس والممارسات والشعائر، مع العديد من الإسقاطات لأحداث مهمة مر بها الأردن، مثل حادثة استشهاد الملك عبدالله الأول ونكسة حزيران عام 1967 وتداعياتها، من حيث النزوح والهجرة من داخل الأردن وخارجه، وخاصة تشكيلها للفسيفساء الاجتماعية في مدينة الزرقاء.

كثيرة هي الأعمال الأدبية العربية التي تناولت مواضيع حياة الفلاحين البسطاء ودورهم في الحياة الاجتماعية، من ذلك رواية “الأرض” لعبدالرحمن الشرقاوي، و”المعذبون في الأرض” لطه حسين. وكثيرا ما كان نمط عيش الفلاحين محل متابعة من قبل الكثير من الأقلام التي صورت دقائق الأمور ووصفت وضعياتهم ومعاناتهم، حتى صار الفلاح رمزا لقسوة الحياة وآلامها. ولكن قليلة هي الروايات التي تناولت حياة البدو التي لا تقل قسوة، وخاصة من وجهة نظر امرأة على غرار رواية “فاطمة”.

ومع هذا العمل السردي يتأكد أكثر فأكثر أن الرواية العربية المعاصرة تحولت إلى وسيط حضاري ومعرفي، وتمثل اليوم ما مثّله الشعر العربي القديم (ديوان العرب) في العصر الجاهلي وما بعده، في الحضارة العربية الإسلامية. فحياة البدو التي كانت الأشعار سفيرها ولسانها وممثلها الأول صارت تتجسد في الروايات والأعمال الدرامية أيضا.

ويذكر أن الكاتب محمد عبدالكريم الزيود ولد في الهاشمية عام 1973، ويعمل مدرسا أكاديمياً في جامعة الزرقاء، وسبق أن أصدر مجموعتين قصصيتين إضافة إلى كتابة أعمال إذاعية وتلفزيونية أردنية.

14