فئران الثورية الجديدة

هكذا ببساطة خطة البعض من نخب الإثارة ودعاة "الثورية" الجديدة في عالمنا العربي، لم يكفهم ما حدث من خراب في العقد الأخير، فخرجوا من جحورهم "المقطرنة".
السبت 2019/09/28
نخب الإثارة ودعاة "الثورية" الجديدة يؤسسون لثقافة الخراب

من مقولات عمّنا الساخر الراحل جلال عامر ذات الدلالة، إنه “بعد انتهاء الحرب يتم تبادل الأسرى، وبعد انتهاء الحب يتم تبادل الخطابات، وبعد انتهاء الثورة يتم تبادل الشتائم”.. وأضيف من عندي.. والتسجيلات والفيديوهات أيضا!

الجملة الأخيرة يمكن أن تكشف المشهد الراهن بحرقة، حيث تطوّعت وسائل التواصل الاجتماعي وفضائيات بعينها بمهمة الإثارة وتحولت إلى حفلة “ردح” قميئة من قبل من يرون أنفسهم قادة للنضال والحراك الثوري المزيف، سقطت فيها كل القيم الأخلاقية وقدمت التقنية نفسها كـ”حصان طروادة” العابر للقارات، دون أن ندري أننا أصبحنا في مستنقع تتصارع فيه الخنازير، وتجرّنا للوحل.

تقول حكاية لها مغزى، إن شابا استقل يوما قطار الصعيد الشهير متوجها إلى القاهرة، في المقعد المجاور جلس رجل كبير في السن، بملابسه التقليدية المعروفة، ولأن الرحلة طويلة كانا يتجاذبان أطراف الحديث بين الحين والآخر لقطع الملل، أو للقفز على صراخ الباعة الجائلين الذين يبحثون عن رزق متواضع.

لاحظ الشاب، أن الرجل يحتفظ بين قدميه بـ”جِوال” من الخيش -أو “شِوال” بالعامية المصرية-، يقوم بهزه وتقليبه كل فترة، ثم يهدأ قليلا قبل أن يعاود الكرّة، وهكذا طيلة الرحلة، فاستغرب وسأله عمّا في هذا الجوال، ابتسم القروي وأخبره، أنه يقتات على اصطياد الفئران وجمعها، ثم الذهاب بها إلى أحد مراكز الأبحاث وبيعها للقيام بإجراء التجارب عليها، ثم يعود إلى قريته ببعض المال ليعيش.. وهكذا!

عاود الفضول الشاب وتساءل عن سبب تقليبه كل فترة.. فابتسم الرجل بهدوء مجددا، وشرح نظريته وقال، إن الفئران لو مالت إلى الهدوء واستكانت، فسيبحث كل منها عن وسيلة للخروج والهرب، وبالتالي ستبدأ في قضم الجوال بشكل فردي، ولن يستطيع السيطرة عليها فيفقدها، ويفقد معها ما سيحصل عليه من أموال، لذا فإنه يتعمد تقليبها كل فترة، لإحداث حالة من الفوضى بينها، لتنشغل بالتصارع والتقاتل بحثا عن مكان مناسب تستقر فيه، وتستطيع من خلاله قضم خيوط جوال الخيش.

هكذا ببساطة خطة البعض من نخب الإثارة ودعاة “الثورية” الجديدة في عالمنا العربي، لم يكفهم ما حدث من خراب في العقد الأخير، فخرجوا من جحورهم “المقطرنة”، ليتعاملوا معنا وكأننا فئران يسعون لتقليبها كل فترة، والهدف إحداث المزيد من الثقوب في دولنا المنهكة والباحثة عن مكان تقف فيه على قدميها.. الكارثة أن البعض منا ينساقون دون وعي، وينسون أننا جميعا في النهاية.. في “جوال” واحد!

24